سفير الحرب لا السلام

سفير الحرب لا السلام

كتب رياض الفرطوسي

تبدو بعض المقابلات التلفزيونية وكأنها مجرد تبادل أسئلة وأجوبة، ثم تنتهي دون أثر. لكن مقابلة تاكر كارلسون (الإعلامي الأميركي المحافظ والمذيع السابق في شبكة فوكس نيوز والذي يقدم حالياً مقابلات سياسية عبر منصاته الإعلامية المستقلة) مع السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي (سياسي أميركي محافظ وحاكم سابق لولاية أركنساس، ينتمي إلى التيار الإنجيلي الداعم بقوة لإسرائيل) ، كانت من النوع الذي يترك وراءه صدى ثقيلاً. لم تكن مجرد حديث سياسي، بل كشفاً واضحاً عن رؤية أيديولوجية ترى الشرق الأوسط بعين العقيدة قبل أن تراه بعين السياسة.

هاكابي لا يشبه السفراء التقليديين الذين يتحدثون بلغة الدبلوماسية الرمادية. الرجل جاء من عالم اليمين الديني الأميركي، وحمل معه إلى منصبه قناعات راسخة أكثر مما حمل خبرة دبلوماسية. دعمه القوي لدونالد ترامب فتح له أبواب التعيين، لكنه جاء أيضاً بمشروع فكري واضح، مشروع يرى إسرائيل أكثر من دولة حليفة، يراها تحقيقاً لوعد تاريخي وديني.

في المقابلة بدا الرجل صريحاً إلى درجة نادرة. لم يحاول تلطيف مواقفه أو تغليفها بالمصطلحات المعتادة. تحدث عن حق إسرائيل في استخدام القوة وكأنه حق مطلق لا يحتاج إلى تبرير، فالدولة التي تواجه أعداء، بحسب منطقه، تملك الحرية الكاملة في أن تفعل ما تراه ضرورياً من أجل أمنها. القانون الدولي لم يكن حاضراً في حديثه إلا كفكرة بعيدة، أما معيار العدالة فكان أمن إسرائيل وحده.

لكن اللحظة الأكثر دلالة جاءت عندما انتقل الحديث إلى الأرض نفسها. لم يتعامل هاكابي مع فلسطين باعتبارها قضية نزاع سياسي قابل للحل، بل باعتبارها إرثاً تاريخياً ودينياً خالصاً. الأرض الممتدة من البحر إلى النهر بدت في كلامه حقاً ثابتاً لإسرائيل، لا مسألة يمكن أن تخضع للتفاوض أو التسوية. هنا لم يعد الحديث عن حدود أو اتفاقات، بل عن يقين ديني يرى التاريخ وعداً مكتوباً لا يقبل المراجعة.

ومن هذا المنطلق بدا رفضه لفكرة الدولة الفلسطينية أمراً طبيعياً. في نظره لا يوجد مشروع واقعي لدولة فلسطينية، ولا ضرورة سياسية لقيامها أصلاً. الفلسطينيون يظهرون في هذه الرؤية كمسألة يمكن تدبيرها، لا كشعب له حق سياسي مستقل. وهكذا تتحول القضية من صراع بين شعبين إلى مشكلة أمنية تحتاج إلى إدارة.

أما السلام نفسه فقد بدا مفهوماً مختلفاً تماماً عما تعنيه الكلمة عادة. السلام في تصور هاكابي ليس اتفاقاً متوازناً بين طرفين، بل نتيجة لسيطرة أمنية إسرائيلية حاسمة. ليس سلام التفاوض بل سلام الغلبة. حين تفرض إسرائيل الأمن بالقوة يصبح الواقع مستقراً، وعندها فقط يمكن الحديث عن هدوء يشبه السلام.

خطورة هذه الرؤية لا تكمن في حدتها فقط، بل في كونها صادرة عن ممثل رسمي للولايات المتحدة. حين يتبنى سفير واشنطن في إسرائيل مثل هذه الأفكار فإنها لا تبدو مجرد آراء شخصية، بل مؤشراً على تيار سياسي وفكري يتسع نفوذه داخل المؤسسة الأميركية.

وإذا وضعت هذه التصورات إلى جانب خطاب اليمين الإسرائيلي الأكثر تطرفاً، الذي يدعو إلى الضم الدائم والسيطرة الكاملة ورفض أي تسوية تاريخية، تتشكل صورة قاتمة لمستقبل الصراع. عند هذه النقطة يصبح السلام مشروعاً هامشياً، وتتحول القوة إلى اللغة الوحيدة المفهومة.

المفارقة أن مثل هذا التفكير لا يبقى محصوراً في طرف واحد. كل خطاب ديني متشدد يستدعي خطاباً مضاداً يشبهه في القسوة واليقين. وهكذا تتغذى حلقات التطرف من بعضها بعضاً، من الجماعات الدينية المسلحة إلى الحركات الأيديولوجية المغلقة، حيث يجد كل طرف في الآخر أفضل حجة للاستمرار.

لهذا بدت تلك المقابلة أكثر من مجرد حديث إعلامي عابر. كانت نافذة على عقل سياسي يرى الصراع قدراً لا مشكلة، ويرى القوة حلاً لا وسيلة، ويرى السلام فكرة زائدة عن الحاجة.

في عالم كهذا لا يصبح السؤال كيف يتحقق السلام، بل إن كان لا يزال هناك من يؤمن بإمكانه.