ضياء المهندس
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط التعليمية والاقتصادية، أصدر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرسوماً يقضي بإلغاء ترخيص إحدى الجامعات الأهلية في إسطنبول بعد ثبوت تورط الجهة المالكة لها بقضايا احتيال وغسل أموال وتهرب ضريبي.
القرار لم يكن مجرد إجراء إداري، بل رسالة سياسية وقانونية واضحة مفادها أن التعليم ليس ملاذاً آمناً للفاسدين، وأن الدولة قادرة على التدخل حين يتحول الاستثمار التعليمي إلى غطاء للفساد المالي.
هذه الحادثة تفتح الباب أمام سؤال بالغ الأهمية في العراق:
هل تمتلك وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية الإرادة ذاتها لمواجهة الفساد داخل قطاع الجامعات الأهلية؟
الجامعات الأهلية في العراق.. توسع سريع ورقابة أضعف
خلال العقدين الأخيرين شهد العراق طفرة كبيرة في إنشاء الجامعات والكليات الأهلية.
فبعد أن كان عدد الجامعات الأهلية محدوداً جداً قبل عام 2003، تجاوز اليوم عشرات الجامعات ومئات الكليات والأقسام، مع تزايد أعداد الطلبة المقبولين سنوياً بعشرات الآلاف.
هذا التوسع، رغم مساهمته في استيعاب الطلبة وتقليل الضغط عن الجامعات الحكومية، ترافق مع مشكلات خطيرة أبرزها:
ـ ضعف الرقابة المالية والإدارية.
ـ منح تراخيص على أسس سياسية أو استثمارية لا أكاديمية.
ـ تضخم الأجور الدراسية بصورة غير مبررة.
ـ ضعف البنية التحتية لبعض المؤسسات.
ـ انتشار ظواهر شراء الشهادات أو التلاعب بالرصانة العلمية.
ـ غياب الشفافية في مصادر التمويل والاستثمارات.
ووفق تقديرات تربوية وأكاديمية متداولة، فإن نسبة كبيرة من الطلبة العراقيين باتوا يتجهون إلى التعليم الأهلي بسبب محدودية القبول الحكومي، ما يعني أن أي خلل في هذا القطاع يهدد مستقبل شريحة واسعة من الشباب العراقي.
الفساد المالي لا يبقى مالياً
حين تدخل أموال مشبوهة إلى قطاع التعليم، فإن التأثير لا يتوقف عند الجوانب المحاسبية، بل يمتد إلى جودة التعليم نفسها.
فالجامعة التي تُدار بعقلية الربح السريع غالباً ما تلجأ إلى:
تقليل الإنفاق على المختبرات والمكتبات.
التعاقد مع كوادر ضعيفة لتقليل التكاليف.
زيادة أعداد الطلبة فوق الطاقة الاستيعابية.
تحويل التعليم إلى “سوق شهادات” بدل أن يكون مشروع بناء وطني.
والنتيجة النهائية هي تخريج أجيال تحمل شهادات ضعيفة، ما ينعكس مباشرة على سوق العمل والإدارة الحكومية والقطاع الصحي والهندسي والقانوني.
ماذا فعلت تركيا؟ وما الذي يجب أن يتعلمه العراق؟
التجربة التركية أظهرت أن الدولة تستطيع اتخاذ قرارات حازمة حتى لو كانت كلفتها السياسية والاقتصادية مرتفعة.
لكن الأهم أن السلطات التركية لم تكتفِ بالإغلاق، بل وضعت آليات لحماية الطلبة ومنع ضياع مستقبلهم الأكاديمي.
وهنا يمكن للعراق أن يستفيد من التجربة عبر تبني حزمة إصلاحات تنفيذية واضحة، لا مجرد شعارات إعلامية.
خطوات تنفيذية مقترحة لإصلاح قطاع الجامعات الأهلية في العراق
أولاً: إنشاء هيئة رقابة مستقلة للتعليم الأهلي
تكون مرتبطة بمجلس الوزراء مباشرة، وتضم:
✓ خبراء ماليين.
✓ أكاديميين مستقلين.
✓ قضاة مختصين بالنزاهة.
✓ ممثلين عن ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة.
وتتولى التدقيق السنوي الإلزامي لجميع الجامعات الأهلية.
ثانياً: مراجعة التراخيص كل 3 سنوات
بدلاً من منح الإجازات بشكل شبه دائم، يتم:
- إعادة تقييم الجامعات أكاديمياً ومالياً.
- تدقيق مصادر التمويل.
- مراجعة جودة التعليم ونسب التوظيف.
- تقييم البنية التحتية والمختبرات.
وأي جامعة تفشل في المعايير تُمنح مهلة إصلاح محددة قبل سحب الترخيص.
ثالثاً: كشف الذمة المالية لمالكي الجامعات
يجب إلزام جميع المستثمرين في قطاع التعليم الأهلي بـ: - تقديم كشف بالمصادر المالية.
- الإفصاح عن الشركاء الحقيقيين.
- إعلان الذمة المالية والإدارية.
- الخضوع لتدقيق مكافحة غسل الأموال.
لأن بعض المؤسسات التعليمية قد تتحول إلى واجهات استثمارية لتمرير أموال غير مشروعة.
رابعاً: تأسيس صندوق حماية الطلبة
يُموَّل بنسبة محددة من أرباح الجامعات الأهلية، ويُستخدم في:
ـ نقل الطلبة عند إغلاق أي جامعة.
ـ تعويض المتضررين.
ـ تغطية الفروق الدراسية.
ـ ضمان عدم ضياع السنة الدراسية.
خامساً: تصنيف الجامعات بشفافية
إطلاق تصنيف وطني سنوي معلن يعتمد على:
جودة التعليم.
عدد البحوث المنشورة.
نسب التوظيف.
كفاءة التدريسيين.
رضا الطلبة.
البنية التحتية.
بحيث يعرف الطالب وولي الأمر حقيقة المؤسسة التعليمية قبل التسجيل.
سادساً: التحول الرقمي الكامل
من خلال:
- أرشفة إلكترونية للدرجات والشهادات.
- ربط مباشر مع وزارة التعليم العالي.
- تدقيق إلكتروني للقبولات والأقساط.
- تقليل التدخل البشري الذي يفتح أبواب الفساد.
الاستثمار الحقيقي ليس تجارة بالشهادات.
العراق بحاجة إلى جامعات أهلية قوية ورصينة، لكن الحاجة الأكبر هي إلى مؤسسات تعليمية تؤمن بأن التعليم رسالة وطنية لا مجرد مشروع تجاري.
تشجيع الاستثمار في التعليم لا يعني التغاضي عن الفساد، بل على العكس، فإن فرض القانون الصارم هو ما يصنع بيئة تعليمية محترمة قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً.
إن أي حكومة جادة في بناء دولة حديثة يجب أن تعتبر التعليم خط الدفاع الأول عن مستقبل البلاد، لأن انهيار المؤسسات التعليمية يعني عملياً انهيار الكفاءات والإدارة والاقتصاد معاً.
لقد أثبتت التجربة التركية أن القانون يمكن أن يكون أقوى من رأس المال والنفوذ السياسي.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تمتلك الحكومة العراقية ووزارة التعليم العالي الجرأة ذاتها لوضع حد لفوضى بعض الجامعات الأهلية ومحاسبة الفاسدين مهما كانت مواقعهم؟
البروفيسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي