خرائط لا تُعيد بحرًا: كيف يخسر العراق بالتصعيد مع الكويت.. وكيف يربح بالعقل؟

إيهاب مقبل

عاد الخلاف البحري بين العراق والكويت إلى الواجهة مجددًا مع إقدام بغداد على إيداع خرائط وإحداثيات بحرية جديدة لدى الأمم المتحدة، في خطوة بدت للبعض استعادة لحقٍ ضائع، بينما رآها آخرون تصعيدًا غير محسوب العواقب. وبين الحماسة الوطنية والواقع القانوني، يقف العراق أمام سؤال أخطر من الخلاف نفسه: كيف يدافع عن مصالحه البحرية دون أن يدخل معركة خاسرة سلفًا؟

المشكلة الأساسية أن الخرائط، مهما بدت سيادية في ظاهرها، لا تعيش في فراغ. فالحدود البحرية بين العراق والكويت ليست ملفًا مفتوحًا بلا مرجعية، بل هي محكومة بقرارات دولية صدرت بعد عام 1991، وعلى رأسها قرارات مجلس الأمن التي ثبّتت الحدود وجعلتها جزءًا من النظام القانوني الدولي. هذه القرارات، سواء أحبّها العراقيون أم كرهوها، أصبحت واقعًا ملزمًا، وأي إجراء أحادي يتجاهلها لا يُقرأ دوليًا بوصفه “تصحيحًا تاريخيًا”، بل بوصفه خروجًا على قواعد اللعبة والقوانين الدولية. وبهذا المعنى، تبدو الكويت قانونيًا على أرض صلبة، فيما يظهر العراق خاسرًا قانونيًا، وقد يضر نفسه سياسيًا إذا اختار طريق التصعيد.

هنا تقع المفارقة المؤلمة: العراق محق في شعوره بالاختناق البحري، لكنه ضعيف في ترجمة هذا الشعور إلى حجة قانونية. فالعراق لا يملك إلا شريطًا ساحليًا قصيرًا، وخور عبد الله هو منفذه البحري شبه الوحيد، وأي توتر حوله يُفهم في بغداد بوصفه تهديدًا استراتيجيًا للاقتصاد والسيادة. غير أن القانون الدولي لا يميل إلى العاطفة، بل يتعامل مع النصوص والالتزامات، وغالبًا ما يعاقب من يحاول كسرها بدل إعادة تفسيرها. وتجارب العالم مليئة بدول شعرت بالظلم البحري، لكنها أدركت أن الصدام القانوني لا يعيد المياه، بل يعمّق الخسارة.

الخطأ الأكبر هو تحويل المشكلة من مسألة “ملاحة” إلى معركة “حدود”. فالعراق في الحقيقة لا يحتاج إلى كيلومترات بحرية إضافية بقدر ما يحتاج إلى ممر آمن، مفتوح، وغير خاضع للتقلبات السياسية. هذا الهدف كان يمكن تحقيقه، ولا يزال، دون أي صدام قانوني، عبر اتفاقات ملاحة واضحة وملزمة تضمن حرية مرور السفن العراقية ليلًا ونهارًا، وتمنع تعطيلها بقرارات إدارية أو ضغوط سياسية. مثل هذه الاتفاقات لا تمس السيادة الكويتية، لكنها في الوقت نفسه ترفع عمليًا الخنق البحري عن العراق، وهو المكسب الحقيقي الذي يبحث عنه الطرفان. هذا بالضبط ما فعلته دول كثيرة حين اكتشفت أن حماية حركة السفن أهم من خوض معارك خرائط خاسرة.

الأكثر ذكاءً من الصدام هو الانتقال إلى منطق الإدارة المشتركة. فإدارة الممرات المائية المشتركة ليست بدعة، بل نموذج مطبّق في مناطق شديدة الحساسية حول العالم. فالمضائق التركية، على سبيل المثال، تُدار باتفاقات دولية تضمن حرية الملاحة رغم الحساسية السيادية العالية، كما أن نهر الدانوب في أوروبا يخضع لإدارة مشتركة بين دول ذات تاريخ طويل من النزاعات، من دون أن يعني ذلك تنازل أي طرف عن حدوده. وحتى في جنوب شرق آسيا، حيث الخلافات البحرية حادة، اختارت دول متنازعة تأجيل حسم السيادة والتركيز على تنظيم الملاحة وتدفق التجارة لتجنّب الصدام.

وحين تُدار الملاحة في خور عبد الله بشكل فني مشترك، عبر لجان مختصة تنظم الحركة والسلامة والمسارات، يقل الاحتكاك، وتتحول الحساسية السياسية إلى إجراءات تقنية. والأهم أن هذا النموذج لا يعني تنازلًا عن السيادة، بل تقاسمًا للمسؤولية، وهو ما يحبه القانون الدولي ويكافئه بالاستقرار.

لكن الأخطر من كل ذلك هو الإصرار على استخدام لغة “استعادة الحقوق”. هذه اللغة، رغم رواجها داخليًا، تُخيف الجوار، وتستفز مجلس الأمن، وتُذكّر العالم، للأسف، بعراق التسعينات بكل ما تحمله تلك المرحلة من عزلة وضغوط وعقوبات. وتجربة دول أخرى تؤكد أن الخطاب التصعيدي، حتى حين يكون مدفوعًا بمظلومية حقيقية، غالبًا ما ينتهي بتشديد القيود لا بتخفيفها. في السياسة الدولية، لا تُقاس الدول بنواياها، بل بالإشارات التي ترسلها، وهذه اللغة ترسل إشارات خاطئة في توقيت بالغ الحساسية.

البديل ليس الصمت ولا التراجع، بل تغيير الخطاب نفسه. لغة تقنية تتحدث عن سلامة الملاحة، لغة اقتصادية تركز على تدفق التجارة، لغة ملاحية تحمي السفن، ولغة استثمارية تربط الاستقرار بالمصالح. السياسة الدولية تحب الهدوء لا النوايا، وتحترم من يُدير خلافاته بعقل بارد لا بخطاب غاضب. وهذا ما فعلته دول نجحت في تحويل نزاعاتها البحرية من عبء سياسي إلى فرص اقتصادية، حين جعلت البحر مساحة تعاون لا ساحة صدام.

في هذا السياق، يمتلك العراق ورقة ثقيلة لم تُستثمر بعد كما ينبغي، وهي ميناء الفاو الكبير. فهذا المشروع ليس مجرد ميناء، بل فرصة لإعادة تعريف موقع العراق في خريطة التجارة الإقليمية والدولية. وكلما تحوّل الفاو إلى عقدة لوجستية حقيقية، وكلما ارتبطت به مصالح شركات شحن عالمية، أصبح أي تهديد للملاحة العراقية تهديدًا مباشرًا لمصالح دولية أوسع، وعندها لا يحتاج العراق إلى رفع صوته، لأن السوق سيتكفل بالباقي، كما حدث في موانئ عالمية فرضت نفسها بالاقتصاد لا بالخطاب.

وبدل التدويل الصدامي القائم على الشكاوى والخطابات السياسية، يستطيع العراق اعتماد تدويل ذكي وهادئ، يُدخل أطرافًا فنية واقتصادية على الخط، مثل المنظمات البحرية وشركات النقل العالمية. فالعالم لا يتحرك بدافع التعاطف، بل بدافع حماية سلاسل الإمداد والتجارة، وحين يُقدَّم الملف على هذا الأساس، يتغير ميزان الضغط تلقائيًا من دون طلقة واحدة.

الخطر الحقيقي في هذا الملف لا يأتي من الكويت وحدها، بل من الإصرار على استخدام أدوات التسعينات في عالم تغيّرت قواعده. فالخرائط قد تشعل مشاعر الداخل، لكنها لا تغيّر قرارات مجلس الأمن، والتصعيد قد يرضي الغضب الشعبي، لكنه يضيّق الخناق بدل أن يوسّعه. وإذا لعبت بغداد بطريقة باردة وطويلة النفس، فإنها قادرة عمليًا على الحصول على نحو 90% مما تريد: ممر آمن، وملاحة مستقرة، وحضور بحري محترم، من دون أن تخسر الـ10% التي يخسرها كل من يصطدم بالقانون الدولي.

في النهاية، البحر لا يُدار بالعاطفة، بل بالحسابات الباردة. ومن يفهم قواعده جيدًا، قد لا يملك الشاطئ الأوسع، لكنه يضمن دائمًا أن تبقى سفنه عائمة.

الخلاصة
هذا الخلاف ليس اختبارًا للسيادة بقدر ما هو اختبار للعقل السياسي. العراق لا يخسر لأنه بلا حق، بل لأنه يواجه واقعًا قانونيًا لا يرحم الخطاب الانفعالي. بين التصعيد والتهدئة، وبين الخرائط والممرات، يملك العراق خيارًا واحدًا عقلانيًا: أن يحوّل ضعفه الجغرافي إلى قوة تفاوضية، وأن يستبدل لغة الصدام بلغة المصالح، وأن يفهم أن البحر لا يُستعاد بالشعارات بل يُدار بالاتفاقات. فمن يلعب هذه المعركة بهدوء، يربح الملاحة حتى لو لم يربح الخريطة، ومن يصرخ عاليًا، قد يخسر الاثنين معًا.

انتهى