التجارة في الإسلام نُبلٌ وفقهٌ وشطارة

التجارة في الإسلام نُبلٌ وفقهٌ وشطارة

قال تعالى : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) سورة المطففين : 1-3.

احمد الحاج جود الخير
هل أنت تاجر ؟ هل أنت بائع ؟هل أنت صاحب مشروع تجاري،أو محل للبيع بالجملة أو بالمفرد ؟إذا كنت كذلك فلا شك بأن هذه الفقرة تهمك،وهذا لا يعني بأنها مخصصة لك تحديدا،لأنها واقعا تهم القراء والسامعين الأحبة أجمعين .
والآن هلموا بنا لنبحر سوية بقارب نجاة في رحلة لن تأخذ من وقتكم سوى خمس دقائق نطلع خلالها على فقه التجار في الشريعة الإسلامية الغراء ، ونتعرف على المواصفات المثالية ولكن الواقعية للتاجر المسلم الصدوق ،فالتجارة في الإسلام نبل وأخلاق وكرم وفقه وشطارة .
يقول رسول الله ﷺ :“التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ”.
وقوله ﷺ في حديث آخر:”إِنَّ التُجَّارَ يُبعَثُونَ يَومَ القِيَامَةِ فُجَّارًا،إِلَّا مَن اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ” .
وقوله ﷺ:” إنَّ التُجَّارَ هُمُ الفُجَّارَ”، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ أَوَ لَيسَ قَد أَحَلَّ اللَّهُ البَيعَ ؟ قَالَ: بَلَى، وَلِكِنَّهُم يُحَدِّثُونَ فَيَكذِبُونَ،وَيَحلِفُونَ فَيَأثَمُونَ“.

التجار المسلمون في العصور الزاهرة كانوا يضعون نصب أعينهم كل ما تقدم وفي صدارتها وبعد الآيات القرآنية الكريمة ،الحديث الشريف :”كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ”، وبالتالي فهم ملتزمون بما يمكننا تسميته بـ “وثيقة الشرف التجارية” أو ” فقه التجار ” حيث لا غش ولا كذب ولا خداع ولا نقض للعهد ولا إخلاف للوعد، والنتيجة تمثلت بدخول أمم وشعوب في أصقاع المعمورة الى الإسلام على خلفية تعامل هذه الشعوب غير المسلمة مع هذا الصنف من التجار المسلمين الأمناء الصادقين النبلاء ، وحسنا فعل الدكتور قاسم غنيمات، حين ألف كتابا حري بكل تاجر قراءته والاطلاع عليه بعنوان ( دور التجارة والتجار في نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا) تطرق بين صفحاته،وأسهب بين دفتيه، باستعراض دور التجار المسلمين ممن كانت سفنهم المتوجهة الى دول جنوب شرق آسيا مليئة بأنواع البضائع الراقية، فيما كانت قلوبهم عامرة بمبادئ الإسلام الحنيف ، و مشبعة بأخلاقياته، فباعوا بضائعهم بألسنتهم، ليعرضوا على شعوب تلكم الدول في ذات الوقت الدين الإسلامي بسلوكهم وأخلاقهم وتعاملاتهم “.
اليوم وكل من تراهم وتسمع عنهم من ملايين المسلمين في دول جنوب شرق آسيا، وغرب أفريقيا فإن معظم أسلافهم كانوا قد اعتنقوا الإسلام بفضل الله تعالى أولا ، ومن ثم بسبب التجار الأمناء الصادقين ثانيا .
والآن كلي ثقة بأنك ستسأل نفسك سؤالا حائرا بات يدور في خلدك مفاده”جميل، ولكن كيف يتسنى لي معرفة الصفات المثلى للتاجر المسلم الأمين الصدوق ؟!” الجواب يا عزيزي التاجر، ويا رجل المال والأعمال،يا مدير التسويق،يا مندوب المبيعات،يا صاحب المتجر،يا صاحب الـ ميني ماركت، يا مشرف الـ هايبر ماركت ،ويا صنوه في الـ سوبر ماركت وأشباهكم ونظائركم وفي مختلف فروع التجارة وأقسامها وببساطة هو الآتي :
*التاجر الأمين الصدوق لا يتاجر بالمهلكات والمحرمات التي تضر بصحة البشر ومجتمعاتهم وتزهق أرواحهم ” الخمور،المخدرات ،الدخان”التي تتسبب بوفاة الملايين سنويا حول العالم ، ولا يتاجر بأسلحة اﻷطفال البلاستيكية الخطيرة التي تصيب أبناءنا بالعمى في اﻷعياد والمناسبات،كذلك أسلحة الكبار التي تتسبب بمقتل عشرات الألوف وبواردات تتخطى المليارات تباع في أماكن بعضها غير خاضع للرقابة،ولا الى التصاريح والموافقات القانونية، ناهيك عن إستخدامها السيء في المشاجرات الشخصية،والحروب الأهلية،والنزاعات القبلية،والعراضات العشائرية .
*التاجر المسلم الصدوق ﻻ يتاجر بالملابس المرقعة والممزقة والمزحلقة،وعلى منوالها الخليعة والفاضحة للذكور والإناث على سواء .
*التاجر المسلم الصدوق لا يتاجر بالمواد الغذائية والصناعية المغشوشة والتالفة ونافدة الصلاحية .
*التاجر المسلم الصدوق لا يُزّوِرُ أوراق وسندات ووصولات وصكوك البيع والشراء ، ولا يعبث بتواريخ الانتاج والنفاد .
* التاجر المسلم الصدوق لا يتاجر بالصورالخادشة للحياء، ولا بالأفلام والمواد الإباحية، ولا بعدة وأدوات الوشوم وأحبارها،ولا بمكائن وأوراق التاروت والقمار والروليت ،ولا برموز ومقدسات وشعارات الديانات الاخرى، ولا بكل ما يلحق ضررا صحيا ،نفسيا ،مجتمعيا ، ماديا، تربويا،أخلاقيا بالبلاد والعباد .
* التاجر المسلم الصدوق لا يحتكر ولاسيما في أوقات الفتن والجائحات والغلاء والركود والتضخم والانكماش الاقتصادي لأن النبي ﷺ يقول :”لا يحتكِرُ إلَّا خاطِئٌ”،وألفت عنايتك الى أن القرآن الكريم قد وصف أقواما سادوا ثم بادوا، بأنهم كانوا قوما خاطئين لعظم ما اقترفته أياديهم: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ) ،وحسبك أن تعلم بأن – الخطيئة – هي عقد للنية وجزم مسبق لفعل الخطأ عمدا لا سهوا ، بخلاف – الخطأ – وهو في الغالب زلل غير مقصود يقع فيه أحدنا جهلا أو سهوا أو نسيانا بلا تعمد ولا نية مبيتة مسبقة، بمعنى ليس عن سبق إصرار ولا ترصد .
* التاجرالمسلم الصدوق لا يغش في الميزان ، ولايطفف في المكيال ، ولايخلط الرديء بالحسن، ولا يبيع البضائع المضروبة إلا بعد إخبار المشتري بذلك وبيان عيوبها له ،وجماع ذلك كله هو أن التاجر المسلم شخص أمين ، قال تعالى : ” وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ” .
* التاجر المسلم الصدوق لا يكثر من الحلف وإن كان صادقا،و لا يحلف كاذبا لتصريف بضاعته إطلاقا ، لماذا ؟ لأن رسول الله ﷺ يقول :” الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب”.
* التاجر المسلم الصدوق لا يماطل بدفع ديونه لأن ” مطل الغني ظلم” كما ورد في الحديث النبوي الشريف .
*التاجر المسلم الصدوق غير صخَّابٍ وﻻ عيَّابٍ وﻻ فاحشٍ وﻻ بذيء في اﻷسواق .
* التاجر المسلم الصدوق لا يتعامل بالربا بتاتا وبنوعيه ( ربا الفضل والنسيئة ) .
* التاجر المسلم الصدوق لا يدفع الرشا لتمشية أوراقه ومعاملاته ، ولا يبيع على بيع أخيه .
* التاجر المسلم الصدوق ﻻ يتعامل بالنجش (وهو أن يزيد في الثمن لا لرغبة بالشراء وإنما لغرض الخداع والإضرار بالغير ) .
* التاجر المسلم الصدوق لا يتعامل ببيع الغرر( وهو البيع المجهول الذي يلحق ضررا بأحد الطرفين ) .
* التاجر المسلم الصدوق ﻻ يتعامل ببيع العينة ( وهو بيع سلعة باﻵجل ليشتريها من نفس الشخص بثمن أقل بمعنى هو قرض ربوي بصيغة بيع ) .
*التاجر المسلم الصدوق يسلم على من يعرف ومن لا يعرف، يدخل الى السوق داعيا بدعائه ” لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير” .
*التاجر المسلم الصدوق نظيف في محله ، أنيق في عرض بضاعته، سهل في تعامله، باسم الوجه،حسن الخلق، غاض لبصره، صادق في حديثه ، قال رسول الله ﷺ : ” رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى” .
* التاجر المسلم الصدوق مُخرجٌ لزكاته في مواعيدها المحددة إذا ما حال عليها الحول وبلغت النصاب، دافع لصدقاته، مؤد لحقوقه، سخي ، نقي ، كريم ، تقي ،غير متجاوز على حقوق اﻵخرين ،ولا يضيق عليهم في أرصفتهم وطرقاتهم .
* التاجر المسلم الصدوق مطلع على أحكام البيوع ،وفقه المعاملات، متفقه ولو ببعضها ليتجنب حرامها ويقبل على حلالها، وليوفي بالعقود والوعود ويلتزم بالعهود،امتثالا لقوله تعالى :﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إن الْعَهْدَ كان مَسْئُولاً ﴾ .

نقلا عن كتابي : ( لماذا أحب محمد ﷺ ؟ ) بكل لغات العالم الحية