دكاكين المشيخة ((تجارة الألقاب التي أفسدت ملامح المجتمع))

​بقلم: الأستاذ حسين شكران العقيلي
​في عمق التحولات الاجتماعية التي تعصف بمجتمعاتنا اليوم، تبرز ظاهرة مثيرة للقلق تكاد تطيح بوقار الأعراف الضاربة في القدم، وهي تحول “المشيخة” من رمزية الحكمة والمسؤولية الأخلاقية إلى ما يشبه (الدكاكين) المفتوحة للمزايدة.
إن المشيخة في أصلها الجوهري كانت عقداً اجتماعياً غير مكتوب، يُمنح لمن نذر نفسه لإصلاح ذات البين، وحماية الضعيف، وقول كلمة الحق في أحلك الظروف. لكننا اليوم نقف أمام مشهد مغاير تماماً؛ مشهد تزدحم فيه العباءات وتتعدد فيه الألقاب، حتى بات لكل زقاق (شيخ عام) ، ولكل محفل (وجيه) لا يملك من الوجاهة سوى مظاهرها الخارجية وقدرته على شراء الضجيج الإعلامي.
​إن البحث في جذور هذه الظاهرة يجرنا إلى تحليل بنية الفراغ الذي استغله أدعياء المشيخة؛ فمع تراجع الدور التقليدي للمؤسسات الاجتماعية الرصينة، وانفتاح الباب على مصراعيه أمام سطوة المال السياسي والاجتماعي، ظهرت طبقة جديدة من (المستشيخين) الذين وجدوا في اللقب العشائري وسيلة للصعود الطبقي أو غطاءً لمآرب شخصية.
لم يعد اللقب يُنال بالوراثة القيمية أو بالتجربة والمواقف المشرفة، بل صار يُصنع في كواليس المصالح المتبادلة، حيث تُشترى الولاءات وتُمنح صكوك (الشيخة) لمن يملك القدرة على تمويل المضايف الباذخة، في استعراض فجّ يفرغ المعنى من محتواه، ويحول التقاليد من وسيلة لضبط المجتمع إلى غاية للتفاخر الأجوف.
​ولعل أخطر ما أفرزته هذه (الدكاكين) هو التمييع المتعمد للهوية الاجتماعية والأعراف الرصينة. فعندما يتصدر المشهد من لا يملك الأهلية المعرفية أو الأخلاقية، تضيع بوصلة المجتمع في حل النزاعات وتتعقد المسالك بدلاً من تيسيرها.
لقد أدت هذه الفوضى إلى خلق (تضخم) في الألقاب أضعف من هيبة الشيوخ الحقيقيين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة السلم الأهلي، حيث اختلط الحابل بالنابل، وأصبح الصوت العالي والظهور الرقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي هو المعيار البديل للحكمة والتروي. إن هؤلاء الأدعياء، في سعيهم المحموم لإثبات حضورهم، غالباً ما يتبنون مواقف تشنجية أو يدخلون في صراعات وهمية لتعزيز نفوذهم، مما يؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي بدلاً من رتقه، وإضعاف سلطة القانون لصالح (قانون الغاب) المغلف بعباءة مزيفة.
​إن التأثيرات المترتبة على تفشي هذه الظاهرة لا تتوقف عند حدود الإساءة للتاريخ العشائري فحسب، بل تمتد لتضرب عمق الدولة المدنية واستقرارها. فالمشيخة الدكانية تبحث دوماً عن مساحات خارج إطار القانون لتثبيت شرعيتها المهتزة، مما يخلق بيئة خصبة للمحسوبية والفساد الاجتماعي. إن استعادة ملامح المجتمع الأصيلة تتطلب اليوم وقفة جادة، ليس فقط من المرجعيات العشائرية الأصيلة لتنقية صفوفها، بل من المجتمع ككل لرفض هذه السلع الاجتماعية الزائفة. فالمشيخة كانت وستبقى تكليفاً لا تشريفاً، ومسؤولية كبرى لا تُباع في دكاكين الوجاهة، ولا تُشترى ببريق المال أو ضوضاء المتابعين؛ إنها إرث الأنقياء الذين تبقى أفعالهم شاهدة عليهم، بعيداً عن أضواء التجارة بالألقاب التي أفسدت جمال وبساطة وقيم مجتمعنا العريقة