بقلم: الكاتب حسين شكران العقيلي
تعد ظاهرة (#الفصلية) واحدة من أكثر التقاليد العشائرية تعقيداً في تاريخ المجتمعات القبلية القديمة، حيث تداخلت فيها الضرورات الأمنية بالقيم الاجتماعية، لتنتج حلاً اجتماعياً يقوم على تقديم (المرأة) كفدية أو قربان لإيقاف نزيف الدم بين القبائل المتنازعة.
إن قراءة هذا الموروث من منظور سوسيولوجي وشرعي تكشف لنا عن فجوة عميقة بين ما تفرضه طبيعة (الصلح) القسري وبين الكرامة الإنسانية التي كفلها الدين الحنيف، حيث تحولت المرأة في هذا العرف من كائن إنساني مكرم إلى =أداة( مادية لتسوية الخلافات، وهو ما يتنافى جوهراً ومضموناً مع مبادئ العدالة الفردية.
تاريخياً، نشأت ( #الفصلية) في بيئات غاب فيها سلط القانون المركزي، فصارت العشيرة هي الحصن وهي المرجعية. كان (الفصل) يهدف إلى خلق صلة نسب قسرية بين قبيلتين متخاصمتين لتحويل العداء إلى مصاهرة، ظناً من العقل الجمعي القديم أن (الدم لا يغسله إلا المصاهرة) ، وأن وجود (خال) من القبيلة الخصم للأجيال القادمة سيمنع تجدد القتال. لكن هذا التحليل السوسيولوجي يغفل الجانب النفسي والوجودي للمرأة التي تُساق إلى بيت خصوم أهلها بلا إرادة، لتعيش حياة مشوبة بالانكسار والاضطهاد، وكأنها تبيت رهينة أبدية لذنب لم تقترفه، بل تُعامل كـ (هدية مُذلة) تذكر القوم بانتصارهم وهزيمة ذويها.
هنا يبرز التناقض الصارخ مع المبدأ القرآني الأصيل الذي يقرر المسؤولية الفردية عن الفعل، حيث يقول الله تعالى في محكم كتابه: 《وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ》(الإسراء: 15). فكيف تُحمل المرأة وزر جريمة ارتكبها رجل من ذويها، وتدفع هي ثمن طيش أو نزاع لم تكن طرفاً فيه؟ إن الشريعة الإسلامية حينما جاءت، ووضعت ضوابطاً صارمة للزواج والصلح، وجعلت الرضا ركناً أساسياً لا ينعقد العقد بدونه. فظاهرة ( #الفصلية) تفتقر إلى أبسط مقومات المودة والرحمة التي نص عليها القرآن الكريم في قوله: 《وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَهُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً》 (الروم: 21). فأي مودة يمكن أن تنشأ في ظل إكراه، وأي سكن يمكن أن يتحقق لمن تُعامل في بيت زوجها كـ (ديّة بشرية) ؟
إن تحويل المرأة إلى سلع تجارية أو قرابين هو عودة صريحة لمفاهيم الجاهلية التي جاء الإسلام لمحوها وتكريم النفس البشرية من خلالها.
علاوة على ذلك، فإن القرآن الكريم أكد على المساواة في القيمة الإنسانية والجزاء، وحرم الظلم بكافة أشكاله، لاسيما ظلم الضعفاء الذين لا يملكون حيلة. وفي قصة الفصلية، نجد انتهاكاً صارخاً لقوله تعالى: 《يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا》 (النساء: 19). فإذا كان الإرث الكرهي محرماً، فإن (مقايضة) المرأة كجزء من تعويض مادي هو أشد حرمة ونكراً، لأنه يجردها من حقها الفطري في اختيار شريك حياتها ويحولها إلى (متاع) يُنقل لتصفية الحسابات الدموية.
إن السلم المجتمعي الذي يُبنى على كسر نفس بشرية وظلم امرأة هو سلم هش ومزيف، فالعدالة الحقيقية لا تقتضي تقديم الضحايا، بل تقتضي محاسبة الجاني وحماية البريء.
إننا اليوم، ونحن نقرأ هذا التاريخ بوعي معاصر مستمد من روح الدين وقيم الإنسانية، ندرك أن ( #الفصلية) كانت جرحاً في جسد الكرامة، وأن الإسلام كان يسبق هذه الأعراف بقرون حينما نادى بتكريم المرأة وصونها، معتبراً أن أمن المجتمع لا يتحقق بظلم أفراده، بل بإقامة القسط الذي نادى به الخالق سبحانه وتعالى في قوله: 《إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ》 (النحل: 90).
إن استحضار هذه الآيات ومقارنتها بتلك الأعراف القديمة يجعلنا نجزم بأن الرقي الاجتماعي لا يكتمل إلا بنبذ كل موروث يصطدم مع كرامة الإنسان التي وهبها الله لكل بني آدم، فالمجتمع القوي هو الذي يحمي نساءه، لا الذي يقدمهن قرابين على عتبات الصلح القسري.
المرأة كقربان للسلم المجتمعي تحليل سوسيولوجي وقراءة شرعية في ظاهرة (الفصلية