ياسر الركابي
ياس الركابي
ها هي قراءتي للقصة التاسعة
( اخطاء الخوف )
فحينما يكون الخوف قاسمًا مشتركًا
للحب والموت
ويأتي الخوف على أنه وصفٌ جمالي
نكون امام الكاتب
بفلسفته المعهودة ككاتب روائي ليحط
بنا بمواجهة ازمنة مكسورة لكن الحب لايكون
فيها خلاصًا نهائيًا…. إنما هدنة تعتريها شجاعة موسومة بسورات من خوف وكأن امجد يفصح لنا …بأننا غير مسؤولين بآختيار اقدارنا وما علينا سوى التبسّم ونحن وسط الرعب جاعلين من الجمال فعلًا من مقاومة ذلك لأن تعاظم الموت وشيوعه يصبح معه اللقاء وكأنه إعتذار الحياة الأخير حيث… ومنذ اول اطلالة …على فضاء قصة أمجد توفيق إستدعت احداثها امامي.. ماهي عليه إشتغالات فلاسفة القص الحديث هذا الذي يتجاوز الموت والحب ويتحول فيه الخراب ….الى سؤال وجودي دائم وعميق ولكن اللافت هنا هو ماعليه النص من لغة شعرية تأملية مازجة بين ..ماهو واقع وماهو رمزي بحضور ثيمات الموت
والفقد والذاكرة والهوية
فالسرد هنا ليس بحكاية حب عابرة وقت في زمن ساده الإضطراب بل هي تأمل وجودي عميق في علاقة الإنسان بالخوف وفي ماللجمال من قدرة على أن يخلق فسحة حياة داخل أكثر الأمكنة امتلاءً بالموت من حيث ان البطل هنا لم يختر له امجد دورًا … ليكون فيه امام حدث استثنائي فحسب.. بل ليجعله يقيم داخل زمن منكسر.. زمن تتجاور فيه العبوة الناسفة مع رغيف الخبز..والجثة مع النبض..والرصاص مع القبلة..فمع ظهور الفتاة في اللحظة الاولى وضعنا النص امام تشكل لتوتر مركزي نتساءل معه : هل الذي جمعها بالبطل هو المحنة أم الخوف؟ فمع أن ميله كان الى مايمكن وصفه بالقدري الرومانسي الذي يرى في الشدائد قدرة على الجمع كما لها قدرة على التفريق..نرى انها قد قطعت عليه تأمله بكلمة حاسمة( إنه الخوف) هذه القدحة التي أسست من خلالها الفتاة كل ماجاء به امجد توفيق في قصته وفلسفتها ..من حيث ان العلاقة ماهي بثمرة لآختيار حر.. انما نتيجة حصار مشترك..ذلك لان الخوف كما اراد له الكاتب من وصف هنا ليس شعورًا عابرًا بل بنية تحكم المكان والزمان وتعيد تشكيل العلاقات الإنسانية..فالمدينة محاصرة والبيوت مهددة والشوارع مسارح موت ومع ذلك يولد توقٌ لحياة بين شخصين !!! وهنا تكمن.. المفارقة ذلك لأن المنطق يشي بأن الخوف يفترض أن يعزل الأفراد..لكن سياق السرد الذي نحن معه جاء بالخوف ليحيل الى قاسم مشترك للتقريب بين روحين إحداهما يمثلها البطل الذي يعيش عزلة طويلة في بيت يكاد يتحول إلى ملجأ نفسي هشْ.. فعبوة ناسفة أمام الباب كافية أن تمنحه إحساسًا بالحماية بذات الوقت تستطيع أن تمحو وجوده فيه.. وهنا فنحن امام إزدواجية في النظر إلى العبوة الناسفة من حيث انها تكشف عمق المأزق.. فأداة الموت تتحول إلى حارس!! والرعب يصبح ضمانًا مؤقتًا للحياة!! ليضعنا امجد امام ذروة النص بما هو عليه من سخرية سوداء عبر المقارنة بين العبوة وكلب الحراسة…لنكون امام جماد عدمي بِعَدلِه الذي يفوق عدل البشر الذين يقتلون بدوافع ملوثة أو بلا دوافع واضحة ليكون قلب القيم هذا ليس تبريرًا للعنف بل تعرية لواقع اختلت فيه المعايير إلى حد صار فيه اللامعقول أكثر اتساقًا من السلوك البشري!!! هذا المعنى الذي رسّخه لقاء الفتاة في محيط الجثة ذات الثوب الأزرق ولا ادري أي علاقة اراد خلقها امجد توفيق بنباهة تلك التي ولدت في ظل جسد يحتضر ؟ حتى نبدو وكأننا امام بهاء من حب وهو يخرج من خاصرة موت.. الشابة تحاول الاحتجاج على ترك الرجل ينزف لكن الخوف الجمعي يكبّل الجميع.. فها هو البطل يعود جارًّا أذيال الذل والعجز بهذه العبارة التي تختصر جرح الرجولة المهدورة في مجتمع صار فيه التدخل لإنقاذ إنسان فعلًا انتحاريًا..ومن هنا ندرك مالذي دعا الفتاة لاحقًا لتقول له((إبك من أجلنا واصرُخ إن استطعت)) فنحن كمتابعين للمشهد لابد ان نعي بأنها ليست بصدد طلب فعلًا بطوليًا بقدر ما كانت عليه من اعتراف بالعجز المشترك.. حين تلجأ إلى بيته أثناء الانفجار ..هذا البيت الذي تحول من فضاء عزلة إلى فضاء اتحاد جسدي وروحي…امام مسرح حدثي اصبح فيه الرصاص في الخارج بمثابة خلفية صوتية لمشهد حميمي وكأن الجسدين يحتجان بطريقتهما الخاصة على آلة القتل…نعم… فالعبارة المفتاحية!!! ((لا وقت)) قد اختزلت ماعليه الفتاة من فلسفة … التفكير يراكم الخوف…والتحليل يمنح الرعب زمنًا إضافيًا… لذلك فهي تختار الفعل و اللحظة وحتمية أن يكون الجمال ردًا مباشرًا على القبح..بأزاء موقف البطل المعاكس وهو يغرق في التأمل محاورًا نفسه وهو يفكك معنى الخوف و يقارن بينه وبين الموت متسائلًا عن جدوى الشجاعة والهرب والأمل في تناقض جلي بين نزوعه التحليلي ونزوعها الحدسي هذا الذي منح العلاقة توترًا ثريًا…فهي تمثل حكمة بدائية.. نبعًا أول.. جنونًا جميلًا لا يعترف بسلطة العقل في الوقت الذي يمثل فيه البطل دور المثقف الممزق الذي لا يستطيع أن يعيش اللحظة دون أن يثقلها بالأسئلة.. ومع ذلك فإن النص الذي دفعنا امجد توفيق للّهاث حيث نراه لا ينحاز كليًا لأي منهما… بل يجعل من ذات التوتر طاقة جمالية..وذلك مايمكن قراءته من خلال الجملة الشعرية والتي تتكاثر كلما اشتد العنف في الخارج ((كل جرح أغنية، كل ألم موال)) وكأن لغة الكاتب السامية تحاول أن تستعيد إنسانيتها بمجازها .. حتى ان النهاية المتخيلة ظلت كغيمة سوداء تلاحقه…هو يبحث عن (الباب المحرم) حين يسألها عن نهاية العلاقة ..هذه الوقفة المحورية التي ادرك خلقها امجد والتي دعت البطل يكسر القانون غير المكتوب والذي يقضي بعدم استدعاء المستقبل… مقابل توقعها بأن تكون جثة في الساحة مكان الرجل ذي الثوب الأزرق هذا التوقع الذي تكون معه الدائرة مع بدايتها وتاكيدًا على أن الموت ليس احتمالًا بعيدًا بل سيناريو يومي.. وهنا يتضح أن القصة لاتدور حول الحب بقدر ما اراد لها الكاتب ان تكون معبّرة عن استحالة التخطيط في عالم تحكمه المصادفة والعنف البطل يكتشف متأخرًا أنه لم يختر شيئًا… لا بداية لعلاقة بما هي شروطها او زمنها..و فكرة (لسنا من يختار) وردت لتضعنا إنسانيًا في مواجهة قدر معاصر تصنعه الحروب والفوضى.. ونحن نقرأ.. كيف يتحول الاختيار إلى وهم جميل…ومع ذلك نرى كما نعتقدها هي رؤية امجد توفيق ان القصة هذه لم تسقط في العدمية الكاملة..ذلك لانها تصرّ على منح الحياة ثقة ما.. ولو كانت مؤقتة..فتعايش الأضداد ليس مجرد فكرة بل ممارسة يومية…علاوة على ان مفاهيم الحياة والموت.. الجمال والقبح.. القسوة والرأفة تتجاور جميعها في مساحة محتدمة ((على الشفرة الحادة التي تفصل أو تجمع المتناقضات)) هذه الصورة التي آختزلت التجربة كلها.. فالبطل يعيش فوق حد السكين..وكل لقاء مع الفتاة هو انتصار عابر للحلم على الواقع… وكل مساء هو انتحار للمواعيد تحت عيون البنادق…على اننا نعتقد بأن القوة الكبرى في النص تكمن في تحويل الخوف من موضوع خارجي إلى كائن حي((سيد الأصوات))..نعم… قوة مبهمة تتسلل إلى الجسد والأعصاب واللغة ومن خلال هذا التشخيص الدقييييييق يصبح الحب محاولة لإعادة امتلاك الصوت من اجل إنتاج موسيقى مضادة لقرع الرصاص
..ومن خلال التمحيص في ثنايا القصة نرى بأن العلاقة بين البطل والفتاة لم تأت على انها خَلاصًا نهائيًا بل هدنة مؤقتة مع الرعب.. لأن قيمتها تكمن في أنها تجزم بأن الإنسان قادر حتى في أكثر الظروف انحطاطًا لأن يختار لحظة جمال .. لحظة تماس..لحظة اعتراف بالحياة…وهكذا ينهي امجد توفيق قصته دونما حسم لخاتمتها لآعتقاده كما نحن أن الحسم ترف لا يملكه من يعيش في زمن الانفجارات…ولقد تألق امجد توفيق كما هو عهدنا في اشتغالاته بأن نهاية معمولته القصصية هذه ظلّت مفتوحة مثل باب البيت الذي فتحه العصف… بابٌا على الاحتمال…على الخوف..وعلى أمل لا يريد أن يموت حتى لو كان هشًا كما هي
الإبتسامة خلف شال أسود.