بين الفراش والهاوية

رياض سعد

لا يدري لِمَ ينهض من فراشه، ولا لِمَ يعود إليه كأنما يشدّه خيط خفيّ من عتمةٍ لا تُرى …
يقوم كما يقوم الغريق ليلتقط نفسًا، ثم لا يلبث أن يغوص في الملاءة البيضاء غوص الهارب إلى كهفٍ مظلم، يتوهم خارجه ضباعًا مفترسة ووحوشًا تتربص بخطاه…
كان الفراش، في أول الأمر، وثيرًا، رقيق الملمس، يفيض بوعد الراحة … ؛ غير أنّ الأيام، وهي تمرّ كقافلةٍ بطيئة على صدره، حوّلته إلى حقل شوكٍ مستتر؛ يتقلّب عليه لا ليستريح، بل ليختبر طقسًا غامضًا من العذاب، كأن الألم صار طريقتَه الوحيدة ليتيقّن أنه ما يزال حيًّا …
ينهض أحيانًا، لا بدافع الشغف، بل اتقاءً لثقل السكون …
خطوةٌ واحدة تفصله عن مكتبه؛ مترٌ يتيم بين النوم والعمل، بين الاستسلام والمقاومة.
غير أنّ هذا المتر كان في روحه مسافة قاراتٍ تتصدّع … ؛يجلس إلى المكتب كما يُقاد المتهم إلى منصة الشهادة … ؛تتراكض أفكاره في رأسه كجيادٍ نافرة، تتصادم، تتعثر، وتنهش بعضها بعضًا … ؛أوراقه مبعثرة كخرائط لبلادٍ لم تُكتشف، يمزّق بعضها في نوبة غضب، ويحرق بعضها الآخر كمن يطمس أدلة جريمة لا يعرفها …
نعم , حتى الساعات التي ينهض فيها، فيحاول أن يعمل عمله الممل، لا تختلف… ؛ يجلس إلى مكتبه في الغرفة نفسها التي ينام فيها… ؛ المسافة بين فراشه ومكتبه لا تتجاوز المتر… , إنها مسافة الصفر، المسافة بين عجزٍ وعجز، بين موتٍ موقّت وموتٍ مؤجّل …
ولا تقلّ معاناته على المكتب عن معاناته في الفراش… ؛ هناك تتقاطع أفكاره وتتصارع نوازعه، وتختلط أوراقه … ؛ ثم يدور في الحلقة نفسها: مشروعٌ لا يُنجَز، وقرارٌ لا يُتَّخذ، وطريقٌ لا تؤدي إلى شيء… ؛ إنه معلّق بين الأرض والسماء، لا هو من أهل الأرض فيستقرّ، ولا من أهل السماء فيطير …
يتصاعد الدخان، فيحسبه رسالة من غيبٍ بعيد، ثم يكتشف أنه مجرد رمادٍ يتساقط على قلبه … ؛يدور في الحلقة ذاتها، لا يبرحها … ؛فهو معلّق بين أرضٍ لا تمنحه ثباتًا، وسماءٍ لا تعترف به … .
كلما تحرّك ليخلّص نفسه من ضيقه، التفّ الضيق حول عنقه أكثر؛ كأن حبلًا غير مرئيٍّ يشدّه إلى أسفل، لا ليقتله، بل ليُبقيه في تلك المنطقة الرمادية، حيث لا حياة مكتملة ولا موتٌ منقذ … ؛صار لا يشتهي الحياة ولا يطلب الموت … ؛ يقيم في برزخٍ داخليّ، حالةٍ عجيبة بين النقيضين، كأنما أُهبط إلى هذه الأرض عقوبةً عن ذنبٍ عظيمٍ لا يذكره، وخطيئةٍ لم يقترفها بوعي …
يتلفّت في ذاكرته فلا يجد إلا ضبابًا، ويتحسس قلبه فلا يجد إلا صدى سؤالٍ يتكرر
ما الذي اقترفتهُ روحي قبل أن أولد؟
نعم , كأنما جيء به إلى هذه الدنيا عقوبةً عن ذنبٍ عظيم اقترفه، وهو لا يدري ماهيّة هذا الذنب، ولا يعرف عواقبه… ؛ لعل العقوبة نفسها هي أن يعيش ولا يدري لماذا يعيش …!!
وفي الليل، حين يهدأ كل شيء، يسمع أنفاس الغرفة …
الجدران تقترب قليلًا، السقف ينخفض شبرًا، والمتر الفاصل بين الفراش والمكتب يتمدد حتى يغدو صحراء … ؛ يمشي فيه كبدويٍّ تائه، بلا بوصلة ولا نجمٍ يهتدي به … ؛هو لا يريد خلاصًا عظيمًا، ولا معجزةً تشقّ السماء … ؛كل ما يريده أن يستيقظ صباحًا دون أن يشعر أنّ يقظته عقوبة،وأن ينام ليلًا دون أن يحسّ أن نومه هروب…
لكن الأيام تمضي على الوتيرة ذاتها ,حلقةٌ تلد حلقة ,وصوتٌ داخليّ يهمس له في كل مرة يعود فيها إلى فراشه :لستَ سجين الغرفة ؛بل سجينُ المسافة …