د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميسر: قوله تعالى عن الحوار “قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ” ﴿المجادلة 1﴾ يسمع فعل، تَحَاوُرَكُمَا: تَحَاوُرَ اسم، كُمَا ضمير. تَحَاوُرَكُمَا: تراجعكما القول. قد سمع الله قول خولة بنت ثعلبة التي تراجعت في شأن زوجها أوس بن الصامت، وفيما صدر عنه في حقها من الظِّهار، وهو قوله لها: “أنت عليَّ كظهر أمي”، أي: في حرمة النكاح، وهي تتضرع إلى الله تعالى، لتفريج كربتها، والله يسمع تخاطبكما ومراجعتكما. إن الله سميع لكل قول، بصير بكل شيء، لا تخفى عليه خافية. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى عن الحوار “قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ” إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ” (المجادلة 1) “قد سمع الله قول التي تجادلك” تراجعك أيها النبي “في زوجها” المظاهر منها وكان قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي، وقد سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأجابها بأنها حرمت عليه على ما هو المعهود عندهم من أن الظهار موجبه فرقة مؤبدة وهي خولة بنت ثعلبة، وهو أوس بن الصامت، “وتشتكي إلى الله” وحدتها وفاقتها وصبية صغارا إن ضمتهم إليه ضاعوا أو إليها جاعوا، “والله يسمع تحاوركما” تراجعكما، “إن الله سميع بصير” عالم.
وعن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى عن الحوار “قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ” ﴿المجادلة 1﴾ “قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها” ﴿المجادلة 1﴾ أي تراجعك في أمر زوجها عن أبي العالية “وتشتكي إلى الله” ﴿المجادلة 1﴾ وتظهر شكواها وما بها من المكروه فتقول اللهم إنك تعلم حالي فارحمني فإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا “والله يسمع تحاوركما” ﴿المجادلة 1﴾ أي تخاطبكما ومراجعتكما الكلام “إن الله سميع بصير” أي يسمع المسموعات ويرى المرئيات والسميع البصير من هو على حالة يجب لأجلها أن يسمع المسموعات ويبصر المبصرات إذا وجدتا وذلك يرجع إلى كونه حيا لا آفة به.
وردت كلمة يحاور ومشتقاتها في القرآن الكريم: الْحَوَارِيُّونَ الْحَوَارِيِّينَ يُحَاوِرُهُ بِحُورٍ حُورٌ وَحُورٌ تَحَاوُرَكُمَا لِلْحَوَارِيِّينَ يَحُورَ. جاء في معاني القرآن الكريم: حور الحور: التردد إما بالذات، وإما بالفكر، وقوله عز وجل: “إنه ظن أن لن يحور” (الانشقاق 14)، أي: لن يبعث، وذلك نحو قوله: “زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا، قل بلى وربي لتبعثن” (التغابن 17)، وحار الماء في الغدير: تردد فيه، وحار في أمره: تحير، ومنه: المحور للعود الذي تجري عليه البكرة لتردده، وبهذا النظر قيل: سير السواني أبدا لا ينقطع (المثل: سير السواني سفر لا ينقطع. اللسان: سنا)، والسواني جمع سانية، وهي ما يستقى عليه من بعير أو ثور، ومحاره الأذن لظاهره المنقعر، تشبيها بمحارة الماء لتردد الهواء بالصوت فيه كتردد الماء في المحارة، والقوم في حور أي: في تردد إلى نقصان، وقوله: (نعوذ بالله من الحور بعد الكور) (الحديث عن عبد الله بن سرجس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافرا يقول: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور، وسوء المنظر في الأهل والمال) أخرجه مسلم في الحج برقم (1343)، وابن ماجه 2/1279، والترمذي (العارضة 13/4)، والنسائي 8/272) أي: من التردد في الأمر بعد المضي فيه، أو من نقصان وتردد في الحال بعد الزيادة فيها، وقيل: حار بعد ما كار.
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى عن الحوار “قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ” ﴿المجادلة 1﴾ قال في المجمع،: الاشتكاء إظهار ما بالإنسان من مكروه، والشكاية إظهار ما يصنعه به غيره من المكروه. قال: والتحاور التراجع وهي المحاورة يقال: حاوره محاورة أي راجعه الكلام وتحاورا. انتهى. والمراد بالسمع في قوله: “قد سمع الله” استجابة الدعوة وقضاء الحاجة من باب الكناية وهو شائع والدليل عليه قوله: “تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله” ﴿المجادلة 1﴾ الظاهر في أنها كانت تتوخى طريقا إلى أن لا تنفصل عن زوجها، وأما قوله: “والله يسمع تحاوركما” ﴿المجادلة 1﴾ فالسمع فيه بمعناه المعروف. والمعنى: قد استجاب الله للمرأة التي تجادلك في زوجها وقد ظاهر منها وتشتكي غمها وما حل بها من سوء الحال إلى الله والله يسمع تراجعكما في الكلام أن الله سميع للأصوات بصير بالمبصرات.