حسين الذكر
( ثمة حاجة ملحة لقليل من الجنون فان الحياة التقليدية مملة ) .. هكذا ابلغ نيتشه زرادشت وهو يوثق وحيه الخاص لبناء مدينة السوبرمان كاعلى قيمة للقوة يمكن ان يبلغها الانسان المهيمن على سبيل الاستطاعة لفرض نظام صارم يعيد فيه تنظيم فوضى الواقع الذي سيبقى عصي الانصياع رافضا متمرد سبل الثبات في ظل ليل ونهار وتعاقب بناء وانهيار .
الكاتب الاديب عباس لطيف نسخة عراقية معرقة في الانتماء والتتلمذ حد الاشتراب من خابط النهرين عطشا وذوق ورغما .. ليتكامل في صورة مثقف يعيش عصر تولستوي حالما متاملا متالما يصلي ماشيا محرابه في قلبه وقبلته سكنت راسه يستدل الطريق عبر دلالات لم يمخرها عباب البحر ولم تمزقها عواتي الداهيات المصفرة ولا حوادث الزمان المغبرة .. ظل مخلصا لحب ابى الا ان يترجمه الى حياة بعد ان ركب موج المخاطر وتحمل كسر الخواطر وتحدي المشاق في سبيل الاخلاص للتجربة وليس النجاة فحسب .. فقوارب عابري المحيط تسير بهدى الامال العريضة لا بخرائط دليلة وهنا تكمن علية التمرد الصامت والسير الحالم سيما لمن اختمر التجربة الانسانية وعاش فصولها ونمى بين مطباتها وتخلص من خشية مخالبها معبيء بنوايا لا يريد من ضفافها الا الحقيقة وان بدت اعجازية ..
( العروج الى شيراز ).. تفاصيل مع انها سردية حكائية تشبه قصص الاولين لكنها تتلى بطريقة الاستذكار والتاسي على ما جرى ودار .. – في الاقل بجانبها المتعلق بالحرب الثمانينية – اما اقحام التبريزية كمدرسة صوفية او طريقة تعبدية او عشقية روحية .. ما زالت تخضع للنقد وتقرا من وجوه مختلفة كل حسب مرجعيته وثقافته ويقينياته غير المتقنة .. تمثل التفاتة ذكية وحرفة مهنية نجح الكاتب بتوظيف ادبها وروحانياتها ونهجيتها – وان لم تكن واضحة المعالم – بمعزل عن اللف والدوران الروحي .. الذي سيبقى حصري – انها من امر ربي – في زخم فواصل المعارك وضجيج حقبة سياسية ما زالت وستبقى جرح غائر في الجسد والذاكرة .
( معراج عباس لطيف ) .. قاموس يحمل الكثير من التعاريف والمعان لعشاق التاريخ الحديث ومن فاتهم التزود بادب المعارك وحال العراقيين عامة وشبابهم خاص ايام ذلك الوجع والحصار الروحي والاقتصادي الذي ضرب العراقيين بمقتل واثاره الى اليوم باقية موجعة .. فضلا عن رحلة مفعمة ( برقصة السمو ) كما كان يسميها العارفون على طريقة التبريزي والشيرازي ومن سار على منهجهم ونهل من سيرتهم .. اذ كانوا يتيحوا الشرب والسكر والرقص … في دائرة ضيقة تسمى العروج الى السماء .. بمعزل عن ادراك معان تلك السماء او تخيل شيء من صورها المستنسخة في البال عبر كتب الغابرين وسير الموثقين .
( البيت المتناقض هو الاقدر على المقاومة والتقدم على عكس البيت الذي يضم نسخ مكررة يبقى متلبس روتينية غارقة باحلامه السابتة ) ..
( بعد تخرجي من الجامعة وجدت نفسي بين جبهات القتال .. كمن اقلع من الجنة وتم رميه بالنار )
( لكثرة ما قرا واطلع تم جنونه فاودع في مشفى خاص لمن فقدوا عقولهم بسبب القراءة وصعوبة العيش )
( لقد ابتليت في بيئة ونظام يعد اي خروج عن التقاليد والسنن على انه مروق وهرطقة توجب التحريم والمحاربة حد الموت ان استوجب ذلك )
( السير بلا معنى قد يجعل الانسان قادر على الامساك بالفراغ في لحظة فراغ مقيتة ومؤذية ) .
( تحول كراج النهضة الى مركز عسكري لا نرى فيه الا سير الصبر وانموذجية التحمل والخشية والاسى والدموع والشروع نحو الجحيم .. حتى تحول لاحقا الى ذاكرة ممقوتة لا يتحمل تجرع مراراتها المرور بذلك المستنقع الآسن ) .
( اللقاء المستحيل في الحب .. كان حافظ ينتظر لقاء حبيبته نبات شاخ فيما كانت ليلى تشكل عشق الكاتب .. كلاهما ينتظر حلما يعد عسير التحقق برغم عيشهما في زمكانيين وبيئتين مختلفة وظروف متشابهة ) ..
( المدينة لا تصنع الشر بذاتها ولكن السلاطين والمنافقين والبلهاء والحمقى … هم سبب شر وشقاء اهل المدن ) .
( الحظ لا يتفق مع العقل واغلب الاذكياء يعيشون حياة بائسة تتحكم بهم الاقدار الغريبة .. فهل يكون الحظ ايضا على غير وفاق مع الطيبين ) .
هذه بعض محاور خاض بها الكاتب وجادت قريحته بمخاضات تمحورت حولها وقريبا او بعيد عنها .. لكنها لم تخرج من حصيلة انسان صالح يسير باتجاه مستقيم رسمه له الله على لسان اوليائه والعلماء من خلال نظرياتهم والعلوم بتقنياتها والحضارة عبر انموذجيتها .. ليصطدم بآخر طالح صنعه الدجالون المستترون بالدين والمستثمرين في المشاعر والمؤدلجين بعقول متحجرة والموظفين عمدا كسلال سيف في صدر الامة ومؤجندين طوعا او قسرا لخدمة سياسات لا يمكن لها ان تتم الا عبر منهجية الخراب وتعميم القتل والفساد والاطاحة بالانسان سيما الصالح منه .
هكذا سارت فصول ووريقات العروج ( العباسي اللطيفي ) نحو شيراز بحثا عن مدرسة ومذهب شمسي جديد لعله يحترز فيه مما يعاني من وقاحات وادعياء الواقع سواء في بغداد او اي بقعة اخرى من العالم الارضي في زمن العولمة او العصر الحجري .
الحب كان عنوانا جميلا وفواصلا تستبطن الرغبة والشهوة مجهولة المصير او باطنة الوعي … ورغبة الامل وتقدم العقل في المسير في ظل معارك طاحنة خاضها الكاتب حتى بلغ مجمع بيت الحبيب ( ولو بعد خراب البصرة ) … لكنها حتما ليس النهاية ولا يمكن ان يسدل ستار الحب والكراهية عند عتبة باب الجنة ولا بمخارج لهيب اهل النار .. فثمة حياة تدور ونحن معها ندور وكل حين تعرض علينا فرص جديدة جديرة بالحياة مع ان فرص الموت في كثير من الاحيان تعد اسرع .. !