ازدواجية المعايير الأمريكية بين إيران والعراق

ازدواجية المعايير الأمريكية بين إيران والعراق

قراءة في فشل الضغوط على طهران وسرعة إسقاط بغداد

بقلم: د. رياض الدليمي

منذ أكثر من أربعة عقود، تعتمد الولايات المتحدة سياسة متعددة الأدوات تجاه إيران، شملت العقوبات الاقتصادية، والضغوط العسكرية، والحصار السياسي، والتفاوض غير المباشر، أملاً في تغيير سلوك النظام الإيراني أو تعديل مساره الأيديولوجي. لكن النتائج العملية أثبتت أن هذه السياسات لم تحقق أهدافها الأساسية، بل ربما أسهمت أحياناً في تعزيز النزعة العقائدية داخل النظام الإيراني وزيادة نفوذه الإقليمي.

المبعوث الأمريكي السابق والخبير في شؤون الشرق الأوسط ، بريت (Brett McGurk) أشار في أكثر من مناسبة إلى أن سياسة “الضغط الأقصى” لم تدفع إيران إلى التراجع، بل جعلتها أكثر اندفاعاً في سياساتها الإقليمية، وأكثر تمسكاً بقياداتها المتشددة. كما أقرّ مسؤولون أمريكيون بأن العقوبات لم تغيّر سلوك طهران الإستراتيجي، وأن إيران استمرت في دعم حلفائها الإقليميين وتوسيع نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

وفي العراق تحديداً، يبدو تأثير إيران أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فبعد أكثر من عشرين عاماً على الاحتلال الأمريكي للعراق، ما تزال الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً وعسكرياً واسعاً، بل إن بعض هذه القوى تحولت إلى جزء من البنية الرسمية للدولة. وهذا يكشف حجم الإخفاق الأمريكي في إعادة تشكيل العراق وفق الرؤية التي رُوِّج لها عام 2003.

المفارقة التي تستحق التوقف والتأمل، أن دول الخليج العربي التي تطالب اليوم بمنح إيران المزيد من الوقت والفرص للتفاوض مع الولايات المتحدة، هي ذاتها الدول التي لم تدعم منح العراق فرصة حقيقية لتجنب الحرب عام 2003. بل إن بعضها شارك سياسياً وإعلامياً ولوجستياً في تهيئة الأجواء للحرب على بغداد، تحت ذرائع ثبت لاحقاً أنها كانت مضللة، وعلى رأسها أسلحة الدمار الشامل التي لم يُعثر عليها أبداً.

لقد اتُّخذ قرار غزو العراق بسرعة مذهلة، رغم أن بغداد كانت آنذاك تحت حصار خانق ورقابة دولية مشددة، ورغم وجود فرق تفتيش أممية داخل الأراضي العراقية. ومع ذلك لم يُمنح العراق الوقت الكافي لاستكمال المسار الدبلوماسي، ولم تُعطَ الأولوية للحلول السياسية. أما اليوم، فإن الأصوات ذاتها تتحدث عن أهمية “التريث” و”إعطاء فرصة للحوار” مع إيران، رغم أن الأخيرة تمتلك نفوذاً عسكرياً وإقليمياً واسعاً يفوق بكثير ما كان يمتلكه العراق عشية الغزو.

هذا التناقض يطرح سؤالاً مشروعاً حول طبيعة المعايير التي تحكم السياسات الدولية في المنطقة: لماذا يُفرض التفاوض الطويل مع إيران رغم توسع نفوذها الإقليمي، بينما لم يُمنح العراق فرصة مماثلة؟ ولماذا كان الخيار العسكري سريعاً وحاسماً ضد بغداد، في حين يتم التعامل مع طهران بمنطق الاحتواء والتفاوض الممتد؟

الواقع أن التجربة أثبتت أن الحروب لا تبني استقراراً دائماً، وأن إسقاط الدول بالقوة يفتح أبواب الفوضى والتدخلات الخارجية. فالعراق بعد الاحتلال أصبح ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية، وكان المستفيد الأكبر من انهيار الدولة العراقية هو إيران نفسها، التي تمدد نفوذها داخل العراق بصورة غير مسبوقة.

إن مراجعة هذه الحقائق لا تهدف إلى تبرئة الأنظمة أو تبرير أخطائها، بل إلى كشف ازدواجية المعايير في السياسات الدولية، وإلى التذكير بأن الشعوب العربية دفعت أثماناً باهظة نتيجة قرارات الحرب والتدخل الخارجي. كما أن التجربة العراقية ينبغي أن تكون درساً استراتيجياً لكل المنطقة: فالتدخل العسكري قد يغيّر الأنظمة، لكنه لا يضمن بناء الدول، بل قد ينتج فراغاً تستفيد منه قوى أكثر تشدداً ونفوذاً.

واليوم، بينما تتكرر الدعوات إلى الحوار مع إيران، يبقى السؤال التاريخي المؤلم قائماً: لماذا لم يُمنح العراق الفرصة ذاتها؟