د. فاضل حسن شريف
ان القراءة الصحيحة للقرآن الكريم هي ما تواتر نقله عن النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم، ومنها علامة (م) تفيد لزوم الوقف، وعلامة (قلى) تفيد أولوية الوقف، وعلامة (ج) تفيد جواز الوقف والوصل، وعلامة (صلى) تفيد أفضلية الوصل، وعلامة نقاط التعانق التي يفضل الوقف على واحدة منها دون الاخرى.
قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة “وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا (قلى: الوقف أولى) كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ” (البقرة 167)، “إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ (ج: جواز الوقف) إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” (البقرة 173)، “لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ (قلى: الوقف أولى) أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ” (البقرة 177)، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى (ج: جواز الوقف) فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ (قلى: الوقف أولى) ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ (قلى: الوقف أولى) فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (البقرة 178)، “كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ” (البقرة 180).
علامة الوصل أولى (صلى) في المصحف الشريف تشير إلى جواز الوقف، لكن الاستمرار في القراءة (الوصل) أفضل وأولى للحفاظ على السياق والمعنى الدلالي. هي أحد رموز الوقف والابتداء التعليمية التي تدل على أن الوصل لا يفسد المعنى، بل يجمّله ويوضحه، وهو عكس علامة الوقف أولى (قلى). أهم النقاط المتعلقة بـ “الوصل أولى” (صلى): علامة الرمز: توضع علامة (صلى) في المصاحف لتدل على هذا الحكم. أمثلة: الآية “{وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (يونس 107). الغرض منها: توجيه القارئ إلى أن جملة ما بعد الرمز مرتبطة وثيقاً بما قبله، والوصل يربط المعاني. حكم الوقف عليها: يجوز الوقف عند علامة (صلى) إذا اضطر القارئ (لنفس أو غيره) ولا إثم في ذلك، فالوقف جائز، ولكن الوصل هو الأفضل والأولى.
علماء التجويد ان علامة جواز الوقف ولكن الوصل اولى (صلى). الوصل أولى يعني تلاوة الآية كلها دفعة واحدة بلا توقف عند عدم وجود علامات قال الله تبارك وتعالى في سورة البقرة “أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ (ج: جواز الوقف) فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (ج: جواز الوقف) وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ (ج: جواز الوقف) وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ” (البقرة 184)، “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (قلى: الوقف أولى) يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (البقرة 185)، “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ” (البقرة 186)، “أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ” اعرف حدود الله ولا تقترب منها وتوقف عند قراءتها لانها واقعة بين (قلى) “تلك حدود الله فلا تقربوها” (البقرة 187)، “يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (قلى: الوقف أولى) وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى (قلى: الوقف أولى) وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا (ج: جواز الوقف) وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (البقرة 189).
جاء في الخطاب القرآني عن الفصل والوصل وأهميّته في الدرس السياقي للكاتب خلود عموش: إنّ الروابط بين الجمل لا تجعل منها نصّا متماسكا، هذا ما أراد أن يقوله السكّاكي و لعلّ المثال الذي يضربه هو خير شاهد على ما نقول. المثال: زيد منطلق، و درجات الحمل ثلاثون، وكمّ الخليفة في غاية الطول، وما أحوجني إلى الاستفراغ، وأهل الروم نصارى، و في عين الذباب جحوظ، وكان جالينوس ماهرا في الطبّ، و ختم القرآن في التراويح سنّة، و إن القرد لشبيه بالآدمي. إنّ هذا النصّ سليم من حيث النحو والمعجم و الدلالة، إذا نظرنا إلى الجمل بمعزل عن سياقها، و لكن إذا نظر إليها كجزء من كلّ فإنّها لا تنسجم معه، و إذن فمسألة الوصل و الفصل ليست مسألة إتقان ذكر العاطف وتركه، بل إنّها مهارة معرفة اتّساق الخطاب و انسجامه أيضا. ومن المبادئ الأخرى التي تحكم الوصل تأويل اختلاف الأفعال الكلاميّة، و في هذه الحالة قد تكون الجملتان مختلفتين خبرا و طلبا مثلا، و لكنّ المقام يكون مشتملا على ما يزيل الاختلاف من تضمين الخبر معنى الطلب أو الطلب معنى الخبر. مثال: “إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54) أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ” (يس 53-59) . يذهب السكّاكي إلى أنّ قوله تعالى (و امتازوا اليوم) معطوف على” إنّ أصحاب الجنّة اليوم” لأنّ” المقام مشتمل على تضمينه معنى الطلب”. ويسمّي السكّاكي هذه الحالة التوسّط بين كمال الاتّصال و كمال القاعدة؛ فالخطاب في صورته السطحيّة من حيث اختلاف الأفعال الكلاميّة يفضي إلى الفصل حسب القاعدة، لكنّ تأويل هذا الاختلاف بالاستعانة بالمقام يؤدّي إلى الوصول بالخطاب إلى صورته العميقة فتصبح القاعدة هي الوصل.
قال الله جل جلاله في سورة البقرة “وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ (ج: جواز الوقف) وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (ج: جواز الوقف) وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ (قلى: الوقف أولى) كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ” (البقرة 191)، “وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ” (البقرة 193)، “وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ (ج: جواز الوقف) فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (ج: جواز الوقف) فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (ج: جواز الوقف) فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (ج: جواز الوقف) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ (قلى: الوقف أولى) تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ (قلى: الوقف أولى) ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (ج: جواز الوقف) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (البقرة 196)، “لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ (ج: جواز الوقف) فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ” (البقرة 198)، “كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ (ج: جواز الوقف) وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ (قلى: الوقف أولى) وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” (البقرة 213)، “أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ (قلى: الوقف أولى) أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ” (البقرة 214).
جاء في كتاب الوقف والابتداء في القرآن الكريم دراسة وتطبيقاً للمؤلف عبد الرسول عبائي: قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: “وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا” (المزمل 4). فسَّر نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية الكريمة المكوّنة من ثلاث كلمات تفسيراً جامعاً مانعاً واضحاً لا يقبل التأويل والتحليل، ولا يشتبه فيه اثنان، ولا يختلف عليه الثَّقلان، فيقول: (بيّنه تبياناً، ولا تنثره نثر البقل، ولا تهذّه هذَّ الشعر، وقفوا عند عجائبهِ، حَرّكوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدِكم آخِرَ السورة). فتبيانه، وعدم نثره كالبقل، ولا هذّه كالشعر، والوقوف عند عجائبه وتحريك القلوب به، ولا يكن همّنا الانتهاء حتى آخر السورة، كل هذه الفقرات الموجزة من الحديث النبوي الشريف تُبيِّن للمتأمل بجلاء كثيراً من علوم القرآن الأساسية، كالتجويد والتفسير وعلم الوقف والابتداء، والتدبر في معانيه، والتفكر في آياته لمعرفة أسراره وإدراك إعجازه. هذه الأمور هي التي تقودنا إلى التلاوة الحقّة التي يُريدها الله سبحانه وهي المعنيّة في تفسير الإمام الصادق عليه السلام للآية الشريفة: “الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ” (البقرة 121). إذ يقول عليه السلام: (يُرتّلون آياته، ويتفهّمون معانيه). فأهل البيت عليه السلام هم أول من اهتم بمعرفة القرآن وترتيله وتفسيره وبيان علومه، وها هو سيد الأوصياء وإمام المتقين علي عليه السلام يُبيّن بشكل واضح وصريح مفردة (التجويد) في تفسيره للآية الكريمة الواردة آنفاً: “وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا” حيث يقول عليه السلام: (الترتيل: هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف). فَجَعَل الوقوف الشِّقّ الثاني من الترتيل الذي أوله التجويد، وبهذا تتجلى بوضوح أهمية معرفة الوقوف في تلاوة القرآن الكريم، فالوقف والابتداء عِلمٌ قائمٌ بذاته، لا بد من معرفته والتخصص فيه، ومعرفة موارده ومواضعه لتكون التلاوة سليمة من العيوب، خالية من الشوائب، كما يريدها الله تعالى، وكما أنزل بها الوحي على صدر نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم. وللتخصص في هذا العلم الشريف، لا بُدَّ من الإحاطة بمعرفة المفردات القرآنية، والتفسير، وقواعد اللغة العربية، لتكتمل بذلك أركان علم الوقف والابتداء، ليتعاطف القارىء بكل وجوده وكيانه مع كلام الله، وبالتالي ليُصبح تأثيره كبيراً وفاعلاً على المستمع من خلال تأثره بالمفردة القرآنية الجميلة، لتتحقق الفائدة المرجوة من التلاوة الحقة والخاشعة، كما ورد في الحديث النبوي الشريف لما سُئل صلى الله عليه وآله وسلم عن أحسن الناس قراءة قال: (من إذا سمعتَ قراءتَه رأيتَ أنَه يخشى الله). وما كتابنا هذا، الموسوم بـ (الوقف والابتداء في القرآن الكريم دراسة وتطبيقاً) إلا محاولة جادة بذل فيها الأخ الكريم والأستاذ الفاضل الحاج عبد الرسول عبائي جهوداً موفقة أماط فيها اللثام عن مكنونات هذا العلم الظريف، من خلال دراسته وتطبيقاته، فجاءت الدراسة مباركة والتطبيقات مُبيِنة.