محدّدات ألفلسفة الكونيّة ألعزيزيّة بإختصار :
بقلم العارف الحكيم عزيز حميد مجيد:
ألمبدأ الأساسي الذي يُحدّد عماد و جوهر (فلسفتنا الكونيّة) يشمل التفسير العلميّ (الفلسفي ) لظاهرة ألوجود, يعني سبب الوجود من خلال ألعِلل الأربعة الأساسيّة و التي يُمكن إعتبارها التفسير ألمنطقي المُرادف لـ (نظرية المعرفة الكونيّة) و التي تعتبر ختام الفلسفة, وهي 4 علّل كمحدّدات تُفسّر ببيان و اضح سبب وجود الكون و الإنسان و الغاية منها و هي:
– العلة الشكلية
– العلة الماديـة
– العلة الفاعلية
– العلة الغائيـة
هذه العلل العلمية ترتبط مباشرة بآلدّليل النقلي الذي ورد في الحديث القدسي(1) : [لولاك يا أحمد ما خلقت الأفلاك و لولا عليّ ما خلقتك و لولا فاطمة ما خلقتكما], حيث يُبيّن هذا آلنّص ألدّليل الغيبي النقليّ التي تتوافق مع العلل الفلسفية ألعقلية لتوضيح السبب الغائي في قضية خلق الكون و المجرات و ما فيها كدليل كوني لتشكيل هيكلية فلسفتنا, بآلطبع هذه العلة الغائية التي وردت أيضا في القرآن و حديث الكساء .. تستبطن علل أخرى ضمنية ترتبط في نهاية المسير بالمعشوق الأزلي كغاية الغايات من خلال ذوبان العاشق في المعشوق تعالى.
أما الدليل العقليّ العلمي و المنطقي فلا بُد من إثباته عبر ذكر المثال أدناه كمقدمة لبيان و توضيح الدّليل العقلي الذي يُحتّم وجوب و جود ألعلل الأربعة في كلّ شيئ مخلوق صغيراً كان أو كبيراً جماداً كان أو نباتاً أو حيواناً: فلو أخذنا بنظر الأعتبار بناء مدرسة على سبيل المثال, فأننا نرى وجود أربعة علل تُحدّدها على النحو كآلتالي :
أولاً – العلة المادية: و تتحدد بمسألة المواد التي تشكل بناء المدرسة و إستكمال بنائها كإستخدام السّمنت و التراب و الحديد و الماء و الألمنيوم و الطابون و ما إلى ذلك.
ثانياً – العلّة الشكلية؛ و تتحدّد في كيفية تحديد شكل البناية و مظهرها الخارجي و الزخارف و مساحة البناء و الغرف و القاعات و الممرات و الأبواب و الشبابيك و الألوان المستخدمة , ليتحدد الشكل و المظهر الذي يليق بجمالية تلك البناية.
ثالثاً – العلة الفاعلية؛ و تتعلق بآلأيدي العاملة و الأختصاصات المهنية و الأجهزة المستخدمة لبناء المحل و إعداده بآلشكل اللائق, فلا بد من وجود المهندس المختصّ و الفنيين و العمال و البنائين و الأجهزة المطلوبة في عملية البناء.
رابعاً – العلة الغائية وتتحدّد بآلغاية النهائية و سبب تأسيس المدرسة بعد إستكمال العلل الثلاثة الآنفة, و آلسؤآل هنا هو: لماذا و ما الغاية العامة من بناء المدرسة؟
و الجواب؛ يتلخّص بتعليم و أعداد الطلاب لخدمة المجتمع, لذا لا بد من معلم يعلم هؤلاء الطلبة طريق الحق, و بوجود آلمعلم الذي سيربي و يُعلم التلاميذ مختلف العلوم و آلأحكام اللازمة تكتمل العلّة الغائية على أمل تحقيق الهدف المنظور بواسطة الفاعلين لتحقيق الغاية, فلولا المعلم لما كانت هناك فائدة من كل الخطواط و المراحل و العلل الثلاث التي عرضناها آنفاً.
هذا مثال عام و بسيط و واضح لجميع المستويات من الأبتدائية و حتى الجامعة لتقريب المفهوم و تبسيط المعنى بما يناسب عقول الناس و مستوى المثقفين و المفكرين و الأكاديميين و حتى المختصين لفهم (فلسفة الفلسفة الكونية) بوضوح كما وضوح الكون أمامنا من خلال العلل في وجود الأشياء أو الأحداث مهما كانت صغيرة أو كبيرة من الذرة و حتى المجرّة فلا بُدّ من تعريقها و تطبيق تلك العلل عليها وآلتي بدونها لا يُمكن أن يكون لها وجوداً حقيقياًّ لموجود في الوجود مهما كان صغيراً أو كبيراً فآلذرة هي أصغر جزء في الوجود؛ تحكمها العلل الأربعة, كما المجرّة وصولاً للكون والوجود بأكمله!
فما هي تأثير العلاقة التداخليّة للعلل الأربعة مع وجود هذا الكون و الخلق و بآلأخص هذا البشر كأمّة وسطاً من بين الأمم التي خلقها الله سابقاً أو التي تعيش معنا الآن من دون رؤيتهم عبر ذبذبات وقوى خاصة بها تشاركنا في الحياة من دون رؤيتها و التماس معها كآلجن و غيرها, بعد ما ثبتَ علمياً بأنّ هذا الوجود مُستحدث و له بداية و نهاية!؟
لذلك لو أردنا معرفة حقيقة الوجود, لا بُدّ من تطبيق تلك (العلل الأربعة) الآنفة عليها للتأكد من دورها و فاعليّتها, و لنبدأ ؛
أولاّ: بآلعلّة ألشكلية؛ و تتحدّد كما أشرنا في المثال الأول البسيط؛ بالجوانب ألجمالية الظاهرية – الشكلية كما يظهر في (بناء شكل المدرسة) حيث يصيبك الذهول و أنت تتأمل كيفية صنع و شكل مكونات الكون بإشكاله و ألوانه و مداراته و حركته و جباله و سهوله و أنهاره و غيرها من التضاريس المتعلقة بآلكواكب و السيارات بحسب الوظيفية التي وجد لأجلها لتأدية واجباتها, فآلجبال تعمل كأوتاد للأرض كي يسكنها المخلوقات و سيدها الأنسان, حيث تتكأ على قاعدة عريضة و رؤوس شبه محدبة و مدببة في عنان السماء كي تنحدر المياة من فوقها بسرعة للأرض و لا تعيق تجمع البراكين و الأمطار و الثلوج التي تسقط عليها للأستفادة منها في الزراعة و السقي , و هكذا الحال مع المدارات التي تحيط بآلافلاك بهيئة دائرية أو شبه دائرية لتحديد مسيرها و سرعتها و هكذا المجرات و الكواكب الأخرى كل منها بحسب وظيفتها التي وجدت لأجلها فمداراتها تعتبر كآلطرقات الأرضية التي تربط تلك الوحدات و إتجاهاتها مع بعضها في نظام كوني مناسب يكمل بعضه بعضاً .. نسبة الخطأ فيها صفراً .. و الجميل أن السرعات الكونية الهائلة للكواكب و المجرات حول بعضها البعض و التي تسبب قوة الطرد المركزية هي المسؤولة على دقتها و حفظ توازنها و إبقائها على حالتها التي يظن الناس بأنها ثابثة لا تتحرك و لا تدور حول نفسها و حول المجرات الأخرى والتي تُسبب الفصول الأربعة و الليل و النهار و تنظيم درجات الحرارة و غيرها من القضايا التي بتوافقها و تأثيراتها المتبادلة تسبب الثمار و الزرع و المحاصيل و الفواكه لتأمين حياة الحيوان و الأنسان, و قضايا أخرى ليست محل البحث هنا!
كل ذلك لأجل تأدية مهامها بدقة و فاعلية لتكون صالحة و مناسبة لأستقرار و معيشة المخلوقات عليها, كآلبشر على الأرض!
ثانياً: العلة المادية؛ و تشمل المكونات الأربعة و دورها تتحدّد في تكوين المواد و المعادن التي تشكلت منها الأرض و الكواكب والمجرات, حيث أساس جميع مكونات الأرض و الأفلاك تعود لتلك المكونات الأربعة؛ و هي :
– الماء
– الهواء
– المعادن
– ألنار
و هذه المكونات الأساسية التي تشكل محتوى المخلوقات و المجرات و مكوناتها المادية.
ثالثاً: ألعلّة الفاعليّة؛ بمعنى من الذي أوجد بفعله هذا الوجود؟
حيث لا بُدّ من وجود خالق عظيم عليم قادر على خلق و ضبط و تقدير تلك الموجودات و المجرات و الأكوان و الأقمار و النجوم و الشمس , خصوصا المسافات و سرعة الحركة و الدوران و قوة الجذب و الأتجاهات التي تدور و تتحرك فيها تلك المكونات التي لا يمكن لأي جهاز قياس أو عقل خارق أن يتوصل لها, كما لا يمكن لأية قوة ضبط أو إيقاف أي خلل لو إختلت الأفلاك بمقدار مليمتر واحد حيث ستقلب أوضاع العالم و الوجود,و تُحطم كل شيئ في لحظات, و من هذا يمكنك أن تتصور لبعض الحدود قدرة و علمية و عظمة الله تعالى الخالق الذي من الصعب تصوره لا خلقه من قبل موجود آخر بحسب علمنا بآلموجودات الأخرى المخلوقة و المحدودة أساساً.
لذلك لا بد من وجود فاعل قادر خبير و عالم بلا حدود يمكنه صنع و حساب و ضبط و تقدير المقادير و السُّرع و الكيفيات, من هنا يكون وجود الفاعل واجباً لا بد منه و إلا لما كان هناك و جود حقيقي للأرض والكواكب والمجرات وما عليها من المخلوقات!
لكن .. ما الهدف من وجود الوجود و المخلوق و مكوناتها .. خصوصا الأنسان و الكواكب و النجوم و الأفلاك المتشابكة في المجرات و الدروب الوسيعة جداً و التي جميعها تعمل بنظام غاية في الدقة لأنجاز أعمال كونيّة لخدمة الأنسان؟
رابعاً: العلة الغائية؛ لم يبق أمامنا في الأخر إلا بيان الهدف و العلة الغاية من خلق الخلق و الوجود و العلة الغائية التي تُفسّر علة وجود كل تلك المخلوقات بجانب السماوات و الأرض .. و إلا فأنّ فلسفة الوجود طبقا للعلل الثلاثة الأولى ستفقد معانيها و سيُبطل وجودها الحقيقي المرتبط بهذا الكون, رغم إنها مجتمعةً تؤدي عملاً كونيا عظيماً أوضحها العمل بتنسيق واعٍ و عالٍ في سبيل نمو المحاصيل و الثمار و الغذاء و تربية المواشي عن طريق التربة بمساعدة ضوء الشمس و المناخ المناسب للحصول على الثمار و الفواكه كغذاء للأنسان لأدامة الحياة .. لكن لماذا العيش و إدامة الحياة؟ من حيث لا يمكن أن يقتنع العاقل بأنهُ خُلِقَ للعمل وجمع المال لأجل الأكل والنوم فقط مع توالي الأيام و الليالي, لذلك لا بد من هدف مقدس, فما هو ذلك؟
بإختصار .. تنحصر(الغائية) في إرسال الأنبياء و الرّسل لهداية الناس بالتعبد لله تعالى لا لغيره حتى لو كانت النفس الخطيرة نفسها .. لكن إلى أين و كيف و لماذا و ما هو السرّ الخفي وراء تلك العبادة التي تتجاوز مسألة الصلاة و الصوم بلا شك و بخلاف ما يعتقد بها العلماء خطأً؟
فآلرسالات المرسلة للناس و للمخلوقات الأخرى عن طريق الوحي أو الرؤى في النوم أو عن طريق الألهام, تتجاوز مسألة تعليمهم العبادات التقليدية التي يُحدد كيفيتها الفقهاء التقليديون فقط لعدم حاجة الله للعبادة أصلاً و أولاً و لضعف الدليل بذاته؟
إذن :
لا بد من وجود مسألة حساسة أكبر من ذلك بكثير .. كشفتها (الفلسفة الكونية العزيزية) كآخر مراحل الفلسفة في العالم و لأول مرة .. إذ لا يمكن أن تنحصر العلة الغائية لهذا الوجود العظيم بإرسال الرُّسل لأبلاغ الناس مباشرة عن وجود الله و وجوب توحيده فقط .. فهذا لعمري تفسير جاهليّ مبتور و ناقص لا فائدة و لا غاية فيه ..
من حيث أن آلآية التي تقول: [ما خلقت الجن و الأنس إلا ليعبدون] إنما يعني أولاً بأنّ (العبادة) تعني (المعرفة), و تعني أيضا بكون العبادات الشخصيّة مُجرّد مقدمة و تمهيد للعبادة الحقيقية المتكاملة العظمى, و هي التشبّع بآلصّفات ألألهية الكونيّة التي تودي إلى إشباع (ألنفوس) بآلمحبّة و العشق و الخير التي سيفيضها على العباد و الناس إن كان قد ألهمها التقوى و الخير و الأخلاق الفاضلة, من أجل وحدة و سعادة المجتمع و تآلفه مع بعضه البعض بآلمحبة و الأحترام والتعاون .. و إلا بغير هذا الهدف؛ لا معنى و لا فلسفة للعبادة و إحياء الطقوس الدينية مهما عظمت أو مهما واظب عليها الناس كافة مسلمين و يهود و نصارى و غيرهم عليها!
و هنا يبرز سؤآل هامّ هو:
لأجل ماذا ننشر ألمحبة!؟
الجواب هو: لأجل تكامل الأنسان و نضوجه, فآلأشجار تتكأ على الأرض لنموها و عطائها , بينما الأنسان يتكأ على المحبة لنموّه و إبداعه, و لا تنسى أخي الباحث و الفيلسوف بأن الله تعالى نفسه أختار لنفسه صفة (الرّحمة) من بين ألف صفة ذُكرت في دعاء الجوشن الكبير .. بل تمعن أنه تعالى إضافة لذلك ؛ قد كرّر كلمة (الرحمة) مرّتين كتأكيد للمعنى دون غيرها!
فهل هذا يعني الكثير .. الكثير بآلنسبة لدور المحبة و الأحترام و الأدب في الوجود, و أنها صفة ثابتة غير مخلوقة و كما أعتقد البعض من العلماء, في معرض بيانهم لحقيقة القرآن بأنه مخلوق أم أصيل!؟
لكن القضية هنا هو : كيف نُحقق نشرها و علاقتنا مقطوعة مع أصل و منبع المحبة بشكل مباشر سوى عبر عبادات و حركات موقوته كل يوم من دون وجود البوصلة , فيوم كانت العلاقة مباشرة أيام الرسالة(صدر الأسلام) أو بعدها أو ما قبلها خلال دورة الأنبياء ؛ لم يتحقق المطلوب الألهي من عملية الأبعاث و الأرسال رغم إن ربنا الرحمن الرحيم بعث أكثر من 124 ألف نبي و مرسل مع اوصيائهم, فكيف يمكن أن يتحقق اليوم و نحن نسمع فقط بوجود أنبياء أُرسلوا من قبل الله ثم إستشهدوا فإنقطع خبرهم عن الناس, و يتحكم بنا الظالمين و الأحزاب و الدكتاتورية بكافة صنوفهم و معادنهم!؟
فهل من الممكن تحقق المطلوب مع هذا الأنقطاع و هذا الوضع خصوصا و قد علمنا بأنه لم يتحقق الأمن و السلام و الأمان و الخير حتى زمن الحضور!؟
هذه الأسئلة هامة و لم يستطع الفلاسفة ناهيك عن العلماء من حلّها أو الجواب عليها بسهولة و شفّافٍية, لكننا سنحاول بفضل الله!
بداية ليعلم أهل النظر المعنيين ؛ بأستحالة تحقق السعادة و المعرفة الحقيقية للبدء بآلأسفار الكونية في مجتمع طبقاتي و ظالم يحكمه الأثرياء و أصحاب الرواتب و المناصب و الحقوق و النثريات الخاصة و العامة بإيحاء من الشيطان مباشرة و التي يعادله النفس , ذلك أنه من أهم الشروط التي يجب توفرها في مجتمع آمن و سعيد هي العدالة و الوصول والأتحاد مع أصل الوجود بعد تحقق المساواة و العدالة و المحبة بين الجميع بلا طبقات و إمتيازات خاصة و عامة, لذلك حين حكمنا على النظام الغربي كما الشرقي بآلفشل كان السبب الرئيس هو الفوارق الطبقية الكبيرة و المقيتة بين الطبقات المختلفة خصوصا بين الأغنياء و الفقراء!
أما حكومات الشرق فآلحالة فيها أسوء لأنهم يفتقدون كل شيئ و إن كانوا يدّعون الدِّين و الأنسانية و التحزب لله و الدعوة و ما إلى ذلك, خصوصا في الأعلام و التظاهرات, حيث لا يوجد مصداقاً حتى الحد الأدنى منه و من العدالة على أرض الواقع خصوصا في المعيشة, بسبب النهب و الفساد و الظلم و الذي أخطره باسم الدين و الدعوة و الوطنية و ما إلى ذلك!
لذلك فأن الشرق أيضا لا يمكن أن يصل حتى لأبواب السعادة يوما ًما لم يتمّ تطبيق مبادئ (الفلسفة الكونية العزيزية المستنبطة في جانبها الوافعي على فلسفة الحكم العلوي) و التي لا يعلم لحد هذه اللحظة علماؤهم و أكاديمييهم مبادئ تلك الفلسفة التي تعتبر خلاصة نتاج العقل البشري إلى جانب النقل في الفلسفات العالمية و الأديان السماوية التي ظهرت للآن!
فليس من المنطق و المعقول أن يهتدي اليهود الذين هم سادة الدّنيا اليوم و قد إنقطعوا عملياً عن السماء خصوصاً بعد وفاة موسى (ع) قبل 2500 عام و إعتقادهم بأن السيطرة على العالم يتمّ من خلال القوة بالسيطرة على إقتصاد الناس و لقمة عيشهم.
كما لا يمكن أن يُؤمن المسيحيون بآلله و يطبقون آلعدالة بين الجميع و هم أنفسهم لم يهتدوا للطريق الصحيح خصوصاً بعد الفراق الطويل الذي سبّب نسيان القيم و المبادئ تقريباً سوى ما يذكرونه و يحيونه في مناسبة رأس السنة الميلادية لأحياء ذكرى ولادة السيح المسيح ساعة في الكنيسة, حيث إنقطعوا عن تعاليم المسيح(ع) بعد صعوده للسماء بأمر الله تعالى , و يكفيك أن تعرف بأن مجموعة صغيرة فقط آمنت به بعد بعثته و شهادة أمّه و أخته و قد زرتهم بنفسي في كنائسهم أثناء وجودي في الغرب .. و أخيراً حصروا ذلك الدِّين الروحي الذي إختلط فيه آلحق مع الباطل في بقعة جغرافية مساحتها 40 كم2 بإيطاليا بدولة الفاتيكان و أغلقوا الباب عليه ليقرؤا الفاتحة عليه للأبد ..
فهل بإمكانهم إيجاد الحل مع هذا الوضع؟
بل كيف يمكن الخلاص أولاً من هذه المعظلة لتطبيق و تنفيذ (العلة الغائية) بشكل صحيح في هذا الوجود و حال الناس و الدّين الذي وحده منقذ الناس يعيش هذا التناقض و التبدل و آلأنحراف والفساد مع الفهم الخاطئ و الناقض لمبادئه بسبب مظالم الهيكل الأداري و القساوسي و تأثير المستكبرين وتسلطهم على منابع الطاقة ولقمة الخبز؟
هنا يأتي الحديث القدسي الذي أشرنا له في مقدمة البحث لأستحكام و لإستكمال الحلّ الأمثل كدليل و منهج فلسفي كوني للخلاص من المآسي و الفوارق الطبقية و العنصرية التي حلّت بآلبشرية, فالدولة العادلة لا يمكن ان تتحقق و بآلتالي (الغاية من الخلق)؛
إلا من خلال نهج الأئمة الكونيّ و حكومة خاتمهم الأمام المهدي(ع) ألذي سيُعيد تطبيق حكومة جدّه الأمام علىّ(ع) الذي محى الطبقيّة تماماً و كان يعيش و يتقاضى راتباً كراتب أفقر الناس ولا يملك حتى بيتاً, بينما كان يترأس 50 دولة ضمن حدود الأمبراطورية الأسلامية, لكن حتى الشيعة اليوم تنكروا لذلك بل و غيّروا تلك المبادئ الكونية لمصالحهم و أحزابهم وووو.
فآلدِّين الأسلاميّ المعتدل وحده يعتبر خاتم الأديان لأنه يجمع مبادئ نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد(ع) و من سبقهم, و هو وحده يُؤمن بآلعدالة و المساواة بين الجميع بلا فوارق و إمتيازات حقوقية و عرقية و أجتماعية, لكنه وصل مرحلة يرثى لها بسبب التكفيريين الذين كَفّروا حتى الثلة المؤمنة المقاومة التي آمنت بالأسلام المعتدل الداعي للوحدة والتعارف والمحبة وعمل الخير لجميع الناس, فكيف يُمكن مع هذا الحال أن تتقدم البشرية والمجتمع الأسلامي, خصوصا لو علمنا بأن القوى الأستكبارية في (المنظمة الأقتصادية) ما فتئت تحارب تلك القيم الأنسانية بغطاء الديمقراطية من خلال الدسائس والمؤآمرات وآخرها كانت (داعش) في مقابل (المقاومة)!؟
يقول الفيلسوف (هنري كاربون)(2) المُعاصر للسيد الطباطبائي و الذي أعلن ولائه لأهل البيت(ع) بإعتبارهم يُمثلون الأسلام الأنساني ألرّحيم المعتدل آلذين بسببهم خلق الله الوجود كعلة غائية؛ [بأن الديانة الصحيحة التي يُمكن الأطمئنان لها كحلقة وصل سليمة مع الله, هي الديانة الأسلامية التي تؤمن بوجود الأمام المهدي(ع) كواسطة حيّة بين الخالق و المخلوق بعد إنتهاء و شهادة جميع الأنبياء و خاتمهم الرسول محمد(ص) ألذي أوصى بوجود 12 إماما من بعده سيقومون بأمر الرسالة, و ما عليكم إلا الأنتصار لهم]!
و يضيف ذلك الفيلسوف بآلقول: [أنّ اليهود إنقطعوا عن الله بموت موسى(ع) و كذا المسيحيين بعد رحلة عيسى(ع), و هكذا الرسول محمد(ص) الذي كاد أن يقضي لولا إكمال النهج من قبل اهل البيت(ع) كإثني عشر خليفة من بعد فترة الأنبياء(ع) لأقامة حكم الأسلام بإشراف الأمام المهدي(ع) الذي سيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جوراً].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ألأحاديث القدسية هي تلك الوصايا و التعليمات الخاصة التي خصّها الباري تعالى بآلرّسول في صدر الرسالة الأسلامية, و مرتبتها بين القرآن و الحديث, و لها إعتبار خاص بين جميع علماء المذاهب سنة و شيعة و غيرهما.
(2) (هنري كاربون) فيلسوف غربيّ و رئيس قسم الألهات و الأديان عاصر آلفيلسوف روجيه(رجاء) غارودي الذي ترأس قسم الفلسفة في جامعة السّوربون أيضا و هي من أفضل خمس جامعات أكاديمية في العالم و يحتل المركز الأول في علم الألهيات و الأنسانيات, تخصّص في الدّراسات الشّرقية و الأديان و كتب مائتي بحث (أكاديمي) لا (تراكمي) كما هو حال “علماؤنا” في الشرق, يعرف قيمتها العُلماء آلمُختصّون و الفلاسفة فقط, كما ترجم الكثير من الكتب الأسلاميّة للفرنسية و الانكليزية, و أتْقَنَ عدّة لغاتٍ منها؛ ألعربيّة حتى مَلَكَ فيها نظر, و تَعَمّق بدراسة جذور المذاهب الأسلاميّة بشغفٍ في مصر 4 سنوات, ثمّ آلمغرب ألعربيّ سنتين, ثمّ سنة في آلحجاز ثم العراق و إطّلع من قرب على مذاهب و ثقافة آلمسلمين و مستوياتهم و تعاملهم و نمط حياتهم, و كانتْ محطته الأخيرة إيران حيث إلتقى كبار آلعلماء فيها, منهم الفيلسوف الفقيه (محمد حسين الطباطبائي) الذي يُعتبر أحد أكبر مهندسي ألحكومة الأسلاميّة ألمعاصرة, و فاقَ بعلومه زميله السّيد الخوئي بدرجات في السّتينات و بشهادات موثقة منهم الفيلسوف مرتضى المطهري, لكنّهُ ترك النّجف و آلزّعامة المرجعيّة التقليدية التي كانت له بلا منازع حتى أثناء وجود السيد الحكيم, ليستقرّ بمدينة قم التي قضى فيها 5 سنوات متواصلة لتفسير القرآن كاد أنْ يفقد بسببه بصره لولا عناية الأمام الحسين(ع) حفيد رسول الأسلام محمد(ص) الذي مَسَحَ على عينه في رُؤيا صادقة فأعادِ بصره و لم يلبس بعدها (النّظارات) حتى آخر العمر .. فكان ثمرة تلك الجهود الكبيرة تفسير (ألميزان) ثورة في عالم آلمعرفة و آلفلسفة و آلأجتماع و آلتّأريخ لأحتوائه نظريّات و بحوث جديدة تحتاج لدراسات أكاديمية عليا موسّعة و معمقة لفهمها!
و لكن ما هي قصة هذا الفيلسوف الكبير (ألطباطبائي) مع الفيلسوف الكبير (كاربون)؟
بعد مُناظرات مُعمّقة له حول الأديان وفلسفة خلق الأنسان مع الفيلسوف محمد حسين الطباطبائي؛ قال كاربون بعد أسفار علمية معمّقة في بلاد المسلمين و العالم و منها الدول العربية :
[إنّ (التّشيع) لمذهب أهل البيت هو المنهج آلأمثل الذي يحفظ و يضمن للأنسان إتصاله المباشر و بحيوية رابطة الهداية بين الله (الخالق) و بين الأنسان (المخلوق), و هذه الولاية قائمة حيّة للأبد و ما إنقطعت حتى يومنا هذا, فآليهودية أنهتْ العلاقة الواقعيّة بين الله و آلعالم الأنسانيّ في تشخيص النبي موسى(ع), ثمّ لم تُذعن بعذئذٍ بنبوة السّيد المسيح(ع) و النّبيّ محمد(ص), ثمّ إنقطعت تلك الرّابطة المذكورة بعد وفاة موسى(ع), و المسيحيّة هي الأخرى توقفت أيضاً بآلعلامة المذكورة عند السيد المسيح(ع), أمّا أهل (السُّنة) من المسلمين بجميع مذاهبهم فقد توقّفوا بآلعلاقة المذكورة عند وفاة النّبيّ محمد(ص) و بإختتام النبوة به, و لم يَعُد ثمّة إستمرار في رابطة العلاقة الحيّة – على مستوى الولاية – بين (الخالق) و (الخلق), و بقي (التّشيّع) هو المذهب الوحيد الذي آمن بجميع الرسالات و ختمها بنبوة محمد(ص) و آمن في الوقت نفسه بـ (آلولاية), كعلاقة دائمة لتستكمل خط الهداية الألهيّة و تسير به بعد النبي(ص) و ستبقى للأبد عن طريق الأمام الثاني عشر الذي مازال حياً ينتظر الأمر الألهي لنجاة البشرية].
و يضيف الفيلوسف (كاربون)؛
[ما تَحَصّلَ لي من خلال ذلك في نهاية المطاف .. و لطبيعة أسفاري و بحوثي العلميّة الأختصاصيّة في الأديان و المذاهب .. كوني مستشرقاً مسيحياً بروتستانيّاً هو؛ (أنّه يجب النظر إلى حقائق الأسلام و معنوياته من خلال (الشيعة) ألّذين يتحلّون برؤية منطقية حيّة و مُعمّقة و واقعية و متواصلة مع الله عن طريق آلأسلام الذي عايشته مع الفيلسوف الطباطبائي].
و بعد ختام لقاآته التأريخية العلمية التي أمتدت لسنوات من السعودية ثمّ مصر ثم المغرب ثم إيران أخيراً؛ أشهر إسلامه عام 1978م حسب ما صرح بذلك آية الله العظمى صاحب تفسير الميزان وعاد إلى فرنسا لينشغل بآلترجمة و التأليف كقرينه (روجيه غارودي) الذي سجنه النظام الفرنسي 4 سنوات و يقال قام بقتله, و ختم كاربون رحلته في هذا المجال بآلقول:
[لقد بذلتُ جهدي على قدر ما أستطيع لتعريف العالم الغربيّ بمذهب التّشيع على النّحو الذي يليق به و يتسق مع واقعية هذا المذهب .. و سأبقى أبذل الجهود في هذا الطريق].
من أبرز كتبه؛ (ألأسلام في إيران, مشاهد روحية و فلسفية), و قد تأثّر به الكثير من علماء الغرب, منهم الفيلسوف فرانسوا توال ألذي أكّد بدوره ألقول :
[سيبقى العالم الأسلامي مبهماً لنا سواءاً بشكله السّياسي أو الجيوبوليتكي أو بشكل حوار الأديان إذا كنا لا نعرف ألتّشيع].
جاء هذا التقرير الهام بعد ما عَرَفَ الغرب(المستشرقين) الأسلام عن طريق المذاهب الأخرى و أعتقدوا بأن الأسلام يتمثل بتلك المذاهب, ألتي بنووا على أساسها نظرتهم و علاقاتهم و تقيمهم للشرق و للدّين الأسلامي بآلذّات طوال القرون الماضية, و لكن بعد ما إطّلعوا على منهج أهل البيت(ع) خصوصاً بعد نجاح الثورة الأسلامية و تأسيس أوّل دولة شيعية في العالم تحمل راية المحبة و السلام و الحرية و العلم, تغيير موقفهم وإنفتحت أمامهم آفاقاً رحبة أخرى كما ظهر من كلام فلاسفتهم, و الخير ما شهد به الآخرون.
(روجيه غارودي), فيلسوف فرنسي كبيرو رئيس قسم الفلسفة في السوربون عاصر الفيلسوف المستشرق (هنري كاربون), أراد التعرف على الأسلام من خلال العلماء الذين وصلوا درجة الفلسفة .. بعد ما سمع ببروز فيلسوف فقيه في النجف / العراق, و حين وصل مطار بغداد سأل المسؤوليين فيها أيام نظام صدام عام 1978م عن الفيلسوف (محمد باقر الصدر), فقال جلاوزة المخابرات الصدامية؛ (لا نعرف شخصا ًبهذا الأسم), و لكنه – غارودي – أصرّ بأنهُ عالم موجود و يعيش في مدينة النجف و إن طلبة عراقيين و باحثيين من طلبته في فرنسا أعطوه العنوان و التفاصيل و له مؤلفات علمية مشهورة, فكيف أنتم تجهلونها و تنكرون وجوده, و هكذا أصر عليهم للذهاب إلى النجف, لكن (المخابرات العراقية) دبّرت له مكيدة بعد وصوله النجف, حيث جمعوا – بعد ما إتفقوا مسبقا – بعض المعممين التقليديين من الحوزة النّجفية من وعاظ السلاطين بعد التنسيق مع رجال الأمن الذين كانوا متعشعشين في الحوزة التقلديّة التي كانت تعادي نهج الفيلسوف محمد باقر الصدر و الأمام الراحل, و شهدوا أمام (غارودي)؛
بعدم وجود شخص فيلسوف أو عالم بهذا الأسلام في مدينة النّجف!؟
و رجع إلى بغداد حزيناً متألماً ثمّ إلى فرنسا متحيرأً و متعجباً من جهل و ظلم العراقيين, حيث قال معلقاً على حالهم حسب ما نقل عنه: [ما رأيتُ نظاماً و شعباً كآلشعب العراقي يُعادي الفلاسفة و المفكريين]!