سبب واحد لمشاكل منطقتنا .
كامل سلمان
الحروب الجارية حالياً والحروب التي جرت سابقاً في منطقتنا هي نتيجة طبيعية لمعتقداتنا في الحكم ، مشاكلنا سببها واحد هو وجود التنظيمات العقائدية التي تستحوذ على السلطة وتسعى إلى ترجمة شعاراتها وأهدافها إلى الواقع فتصطدم بمعوقات تضطرّها إلى القمع والاضطهاد لشعوبها واشعال الحروب ضد الدول الأخرى ، وهذه الظاهرة تتكرر باستمرار ولم تستوعب نتائجها شعوب وحكام دول المنطقة ، فقد صارت جزءا من طبيعة حياة هذه المجتمعات ، وجود العقول التي لا تفقه من الحياة سوى أن تناصر عقيدة على حساب المعتقدات الأخرى هي أصل العلة ، هذه الطامة الكبرى ستجعل من شعوب المنطقة تتدحرج إلى أسوأ وضع قد يعيشه البشر على وجه الأرض .. أن وجود نظام الحكم الأيديولوجي في أي بقعة من بقاع الأرض كفيل بإشعال المنطقة التي تقع فيها تلك البقعة بالحروب والويلات ، ولسوء حظ شعوب منطقتنا أنها لا تتخلص من ظاهرة الأنظمة العقائدية ، ما أن يختفي نظام عقائدي في مكان ما يظهر نظام عقائدي أخر ليعيد نفس السيناريوهات من حروب وقتل ودمار ، فلو تمعنا جيداً في باقي المجتمعات حول العالم التي تخلو من الأنظمة العقائدية سنلاحظ ببساطة أختفاء الصراعات والحروب الدموية ، فهذه أوربا وهذه أمريكا اللاتينية وأفريقيا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وجنوب شرق آسيا وحتى دول الخليج العربي تكاد تخلو من الأنظمة العقائدية فهي بعيدة كل البعد عن الحروب تعيش حلاوة الحياة بسلام وأمان . نظام الحكم الأيديولوجي له دورة حياة تبدأ بالصراع الداخلي والقمع ثم تتحول إلى الحروب الإقليمية وقد تصل للحروب العالمية ثم يصيبها الخزي ثم تندحر . من يعتقد بأن الحروب هي صناعة الإستعمار والإمبريالية فهذه كذبة سوقوها لعقولنا كي نؤمن بمناهجهم المتخلفة ونؤمن بشعاراتهم المزيفة . الناس الذين يعيشون تحت ظل الأنظمة الأيديولوجية يتحولون إلى كائنات متوحشة تكره الحياة وتكره الصدق وتحب الموت وتضحي بما عندها لأجل معتقداتها . هنالك حقيقة نلمسها جميعاً بوجود النظام العقائدي نجد هروب ولجوء الملايين من الناس إلى دول المهجر التي هي الملاذ الآمن للخلاص من جحيم الموت ونلمس أيضاً نزوح الملايين من مكان لأخر داخل البلد الواحد بسبب التطهير العرقي أو التطهير الديني فتنتشر ظواهر الاغتصاب وسبي النساء والمقابر الجماعية والكراهية والأمراض النفسية ، وداخل النظام نفسه تنتشر المحسوبية والفساد المالي والإداري والسجون والمعتقلات . كل هذه الظواهر السيئة نراها ونلمسها ولا نتجرأ أن نقول هذه هي النتائج المرجوة لوجود الأيديولوجية في السلطة ، فهذه الأيديولوجيات تعمل على تسخير أموال وممتلكات الدولة في خدمة أهدافها وتعمل على تسخير الطاقات لغسل أدمغة الناس وترويضهم وجعلهم دمى تتحرك تحت إمرة العقيدة . مجتمعاتنا لديها فرصة سانحة أن تكون أفضل من بقية المجتمعات لو تخلصت من تسلط الأنظمة العقائدية وتخلصت من أدران الماضي وتخلصت من الأيدلوجيات الباحثة عن السلطة ، لسنا أقل ذكاءً ولا أقل قدرة من باقي شعوب الأرض فلماذا تسحق كرامة شعوبنا كل مرة بنفس الطريقة ؟ فما ذنب الشاب الذي بدل أن يصبح طاقة علمية لخدمة بلده يصبح مجاهداً في سبيل عقيدته وما ذنب المرأة التي بدل أن تصبح مربية فاضلة تصبح أرملة تلطم وتنوح وتستجدي الطعام لصغارها ، وما ذنب الطفل الذي بدل أن يكون ملاكاً يستمتع بجمالية الحياة يصبح يتيماً مشرداً ضحية للإغتصاب والمخدرات والضياع ، هذه كلها نتائج وفاتورة لشيء ارتضيناه لأنفسنا عندما ركضنا وراء العقائد بشكل أعمى . الحرية والحياة الحرة الكريمة التي نبحث عنها موجودة ولكننا لا نراها وإذا رأيناها رفسناها بأقدامنا دون وعي وإدراك ، مشكلة النظام العقائدي ليست فقط في دمج العقيدة بالدولة بل إنها تعمل على جلب أسوأ الناس وأقلهم تعليماً ليكونوا قادة على المجتمع وتفسح المجال لحثالات المجتمع كي يتحكموا بمصير الناس ويجعلون الغالبية العظمى من الناس رهينة لسلوكياتهم المتطرفة . هذا هو التشخيص الذي علينا أن ندركه إذا أردنا البحث عن سر مشاكلنا التي لا تنتهي . نحن لا تنقصنا العقول الإبداعية ولا تنقصنا الاموال ولا تنقصنا القوة ولا تنقصنا العزيمة ولكن تنقصنا أن نفهم أين العلة ، ينقصنا التمعن قليلاً بحجم مصيبتنا ونخرج من هذه المستنقعات النتنة التي ورثناها وتمسكنا بها ، أظن بأننا مررنا بكثير من التجارب التي تقول لنا هذه هي علتكم فأن لم نتعلم من تجربة واحدة فقد مررنا بتجربتين وثلاثة وعشرة ولقد أعطتنا الدنيا من التجارب ما لم تعطه لغيرنا فماذا نبغي أكثر كي نتعلم ؟ . السيناريو متشابه حين تظهر أيديولوجية تستعطف الناس وتداهن مشاعرهم ثم يصلب عودها فتتسلط وتسوق الناس إلى المصائب ثم تزول مهانة بلا رجعة فيحتفل الناس ويفرحوا بزوالها ثم يعيدون نفس السيناريو وبنفس الأسلوب مع بروز أيديولوجية أخرى وكأن الأيديولوجية الحاكمة كتاب فُرض علينا لا مناص منها ، فقد تعودونا الانقياد والطاعة ، والمقصود هنا الأيديولوجيات الباحثة عن السلطة والتي يُخيل لنا بأنها تعيد لنا تأريخنا المجيد . الادراك الخاطىء لمفهوم الحياة وإدارة الحياة مازلنا نجهلها ، فنحن أصبحنا أناس ميتون في أجساد حية ونظن بأنفسنا خيرا .
سبب واحد لمشاكل منطقتنا