سلام عودة المالكي
د. سلام عودة المالكي
2026-03-18
لم تكن غابات فيتنام مجرد ساحة معركة، بل كانت المقبرة التي دُفنت فيها أسطورة “القوة التي لا تقهر” وأكدت على حقيقة “جغرافيا الانكسار” مستنقع استراتيجي للطغاة يحط من غطرستهم وجبروتهم. واليوم، يعيد التاريخ إنتاج مأساة أمريكية جديدة بملامح جيوستراتيجية أكثر تعقيداً؛ فبينما كانت “الأدغال” هي العدو الأول في السبعينيات، أصبحت “المضائق والجبال” الإيرانية هي المصيدة الحالية. إن المقاربة بين “سايغون” و”طهران” تكشف عن حقيقة مرة: القوة العظمى التي لا تتعلم من دروس التاريخ، محكوم عليها أن تغرق في رمال الخليج الملتهبة.
المقاربة الرئاسية: بين تخبط “جونستون” ومقامرة “ترامب”
ثمة تشابه مذهل بين الرئيس ليندون جونستون، الذي ورّط أمريكا في مستنقع فيتنام، والنهج الذي يتبعه ترامب تجاه إيران. كلاهما سقط في فخ “عقيدة التورط العبثي” المبنية على:
وهم الحسم السريع: المراهنة على أن الضغط العسكري أو الاقتصادي سيجبر الخصم على الانكسار فوراً، متجاهلين قدرة الشعوب على التكيف الطويل.
كما دفع جونستون بمئات الآلاف من الجنود إلى غابات مجهولة بناءً على تقارير مضللة، يندفع القادة العسكريون اليوم نحو مواجهة إيران بضغوط اللوبي الصهيوني، متجاهلين أن كلفة الحرب الشاملة ستعني نهاية الهيمنة الأمريكية السياسية والعسكرية والاقتصادية.
الفجوة بين الخطاب والواقع: تميز جونستون بخطابات “النصر القريب” بينما كانت التوابيت تعود لسايغون، وهو ما يتكرر اليوم بخطاب “العظمة” بينما تعجز الأساطيل عن حماية ناقلة نفط واحدة في مضيق هرمز أمام مسيرات إيرانية زهيدة الثمن.
الأزمات الداخلية: أدت حرب فيتنام لتمزيق المجتمع الأمريكي، واليوم تؤدي التزامات واشنطن المطلقة تجاه الكيان الصهيوني إلى شرخ غير مسبوق في الداخل الأمريكي، بين جيل شاب يرفض “الحروب بالوكالة” ونخبة سياسية غارقة في حسابات انتخابية ضيقة.
سوء تقدير الأيديولوجيا: التعامل مع نفوذ الخصم كتحرك ميكانيكي مجرد، وإغفال العمق القومي والعقائدي الذي يحول التضاريس (سواء كانت غابات أو جبال زاغروس) إلى حصون منيعة.
الاقتصاد العالمي: من استنزاف “الخزانة” إلى كسر “العمود الفقري”
إذا كانت فيتنام قد استنزفت خزينة واشنطن بـ 168 مليار دولار (تريليون دولار بمعايير اليوم)، فإن المواجهة مع إيران تهدد بزلزال اقتصادي كوني:
مضيق هرمز: “قنبلة الطاقة” التي هزت العالم
حوّل قرار إغلاق مضيق هرمز الصراع إلى أزمة وجودية عالمية فأصاب الشلل إمدادات الطاقة العالمية وضرب اقتصاد العالم بأسره، فإغلاق مضيق هرمز يعني “خناق الطاقة ” حبس 20% من إمدادات النفط وثلث الغاز المسال، مما قد يقفز بأسعار النفط إلى حاجز 150-200 دولار.
الركود التضخمي: على عكس فيتنام التي لم تكن مصدراً للطاقة، فإن الصراع الحالي يهدد بـ ركود تضخمي عالمي فوري، مما يضع أكثر من 2.2 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في مهب الريح.
أزمة الغذاء: شلل سلاسل الإمداد وتوقف صادرات الأسمدة عبر المضائق سيحول “أزمة الوقود” إلى “مجاعة عالمية”.
الرفض الدَّوْليّ: فشلت واشنطن في حشد تحالف دُوَليّ حقيقي؛ فالقوى الكبرى كالصين وروسيا رفضت الانتحار الاقتصادي والاتحاد الأوروبي أعلن رفضه المشاركة وكذلك الحال مع دول حلف الناتو واليابان وكوريا الجنوبية، فلا أحد يريد التورط من أجل حماية العربدة الصهيونية، مفضلة التفاهم مع “القوة الإقليمية الصاعدة” في طهران.
وحدة الساحات: “الفيتكونغ” بنسخة عابرة للحدود
إذا كان الفيتناميون قد اعتمدوا على “طريق هو شي منه” للإمداد، فإن إيران طورت “عقيدة وحدة الساحات”، وهي النسخة الحديثة والأكثر تطوراً من حرب الاستنزاف الدولية.
محور المقاومة كقوة ضاربة: لم تعد إيران تقاتل وحدها؛ فحلفاؤها في العراق، ولبنان، واليمن يشكلون “كماشة استراتيجية” تطوق المصالح الأمريكية.
اليمن.. “فيتنام البحر الأحمر”: أثبت الحلفاء في اليمن أن بإمكانهم شل حركة التجارة العالمية بأسلحة بسيطة، مما شتت القدرات البحرية الأمريكية وجعل “تأمين الملاحة” سراباً دون رضا الحوثيين التي لا تزال لم تدخل ساحة القتال.
الداخل الصهيوني: التفكك تحت وطأة الفشل
يواجه الكيان الصهيوني اليوم أزمة وجودية تتشابه مع انهيار الروح المعنوية لجيش فيتنام الجنوبية الموالي لواشنطن.
فقدان الثقة بالقيادة: يسود الشارع الصهيوني شعور بأن حكومته تضحي بالأرواح والاقتصاد من أجل “أهداف مستحيلة”، مما أدى إلى موجات هجرة عكسية وتدهور حاد في قيمة “الشيكل” نتيجة توقف الملاحة في إيلات وهرمز.
تآكل الردع: حطمت الصواريخ والمسيرات الإيرانية أسطورة “الملاذ الآمن”، و”القبب الحديدية” مما زاد من وتيرة الاحتجاجات الداخلية ضد سياسة “الحروب الأبدية” التي لم تجلب إلا الدمار والخراب.
الخلاصة: التاريخ لا يكرر نفسه حرفياً، لكنه يعيد تقديم الدروس بأسماء مختلفة. إن جبال إيران الوعرة ومضائقها الضيقة تمثل “فيتنام مائية وجبلية” لا تكتفي بإنهاك الجندي الأمريكي، بل تملك القدرة على شلّ عصب الحياة في العواصم الكبرى.
لقد أثبتت إيران وحلفاؤها أن الجغرافيا حين تتسلح بالإرادة الشعبية والإيمان والصبر تصبح أقوى من كل الأساطيل، معلنة فجر نظام إقليمي جديد تُكتب أسطره بمداد الثبات لا بإملاءات البوارج.