من كتاب قراءات في التشكيل

الفيض اللوني وغزارة المعنى في النص البصري

رياض الدليمي

مخيّال العبث وأسطرّة التكوّين في تشكيلات فؤاد حمدي

يعد التخادم في التجارب الفنية بين الفوضى والتفكيك لخلق آليّة اشتغال فني تجريبي لا تخلو من مجازفة بحثية يشوبها الكثير من عوامل النجاح والاخفاق ، فخلق جدلية الفوضى والعبث تعد أنظمة وتقنيات مدروسة بعناية وصولا الى تفكيك المعاني والأفكار والمبادئ والأسس لإنتاج خطابا حداثيا يتلاءم مع الحركة الجنونية لعالم التقنات والتكنلوجيا والحركة الكوكبية المتسارعة المجنونة ، ثمة مهمة ليست باليسيرة ويشوبها مخاطرا جمّة ، وهذا ما يسعى اليه الفنان العراقي فؤاد حمدي .

لذا أن القارئ لأعمال الفنان فؤاد حمدي ( عراقي التولد ومغترب في بلاد الثلج ) سيتوجس كثيرا ويتأمل هذه التجربة بحذر والتي تمتد لعقود من الزمن ويبحث عن الدوافع والأسباب التي ألت لأن يخوض في مثل هذه المقامرة الفنية ويقف عند ناصيتها ويتمعن مفرداتها البصرية مليا .

ان قضية التنقل بين المدارس الفنية وفق جدول زمني يعدّ أمرا طبيعيا يخضع الى اشتراطات زمنية وحياتية وثقافية تتبلور منها تجارب الفنان ، لاسيما أن الفنان في بحث دائم ودوامة التجريب للإفادة والتنوع من خلال الاطلاع على التجارب الفنية التي سبقته ، فيسعى الى الدروس الاكاديمية لانضاج التجربة والرؤية وما سيؤمن به من الاساليب التي تتناسب مع فكره وآلياته وجذوره ومرجعياته البيئية والثقافية والتاريخية .

نحن ازاء تجربة فنية ثرية عميقة بتجريباتها ومنجزها الثرّ فقد تمكنت من شق طريقها الى العالمية ولكن لم يكن الطريق معبدا ومفروشا بالورد ، لكنها قد جابهت الكثير من العثرات والصعاب ألا وهي تجربة الفنان فؤاد حمدي .

فؤاد حمدي درس الفن وجاب البلدان واطلع على التجارب المحلية والعالمية ليكوّن لنفسه حصيلة من التجارب والرسم بكل الاساليب الفنية المعتادة ، ومن بعد ذلك توقف ليأخذ استراحة وليعمل تغذية راجعة (Feedback ) ويتفحص تجاربه هذه وليرى ويشخّص ويقوّم مسيرته ، انه يبصر ويتصور ويعي السلّمة التي وصل اليها ، فهنا يقرر هل منجزه هذا قد حقق طموحاته وأحلامه ؟ وهل هذه الاساليب الفنية قد خدمت مشروعه الفني ؟

الرائي والمطّلع على تجربة ( حمدي ) سيكتشف أنه يسعى الى تهديم الرتابة والاكاديميات والمعقول والانتقال الى حقبة اللامعقول والعبث ووفق رؤى واعية ومحنكة من الفهم الى طبيعة اللحظة الزمنية التي يعيشها وفق مراحله العمرية والحياتية والتنقل الدائم ما بين القارات وهذه تشكل مناف له ، وحسب الفهم الفرويدي وتفسيره للواعج العقل الباطن بين حالتي الوعي واللاوعي التي يعيشها الفنان السريالي فقال : إن (( ما لفت نظره في أعمال السرياليين هو “وعيهم وليس لا وعيهم، فأعمال الفنانين السرياليين تبدو لنا منظمة ودقيقة للغاية على الرغم مما فيها من غرابة ولامعقولية، وهذا النشاط الخلاق لا يمكن أن يتم دون تدخل حيز الوعي من (الأنا)”. )) ، وايضا بالوقت ذاته تمثل مراحل اكتشاف وتجارب غنية تضيف الى عندياته الشي الكثير . (الفن يجب أن يفاجئ الواقع) .

عوالم فؤاد حمدي السريالية تجمع ما بين الواقع واللا واقع (Reality and unreality ) في آن واحد ، فهو يؤسطر ( من الأسطورة The legend ) الواقع ليحيله الى عالم سحري متخيل فنتازي بمسرحة عبثية دالّة على عدة مفاهيم ومعان علقت بوعيه وأحلامه وذاكرته ، فهو يتخذ من المكان المحاصر بالجدران والسقوف والأدراج والسلالم والاقفاص والأنفاق مسرحا لتكويناته وألوانه والدراما والأحداث الي تترجم أخيلته وصراعاته النفسية والوجودية والفكرية وحكاياه وانثيالات أفكاره وكوابيسه ، انها احتدامات نفسية وفكرية حادة وشاقة تؤرق كاهله ، فهي كوابيس اعتاد التعايش معها بيقظته ومنامه ، لقد هيمنت على شخصه وآرقته ، لذا قد تداخلت لديه الأزمان النهار بالليل والصحو والمنام والأمكنة التي استوطنت خاطره أو الأمكنة التي اغترب فيها وهذه مأساة وتراجيديا حقيقية ليست مصطنعة ، لذا أن السريالية (Surrealism ) ومعانيها هي الواقع اليومي الذي يعيشه (حمدي ) ، انها محنة فؤاد حمدي كما عاشها من قبله ((محنة سقراط وهيباتيا و الحلاج و لوركا وكافكا وابن سينا وابن المقفع )) ومحنة أي مبدع مجتهد ومبتكر وصاحب قضية ومشروع ((فغالبا ما يعاكس المثقفون ما هو سائد، إذ إنهم لا يستكينون للأجوبة الجاهزة والمتداولة. وبالتالي، فإنهم يقوّضون دعائم المألوف. بل إن هذا المألوف يصبح نمط حياة، فالعادات والتقاليد المتوارثة عن الآباء والأجداد تصبح مع مرور الزمن مقدسات، ويصبح من الصعب مساءلتها أو وضعها موضع شك أو ريبة)) .

أعمال فؤاد حمدي خاضت تجارب عدة ما بين الحذر التجريبي الى حالة التجذر واليقين ، فترسم ملامحها التكوينية وسماتها وفق تدرج تاريخي مدروس ، فقد مرّت من مرحلة التدرج اللوني والشكلي التقليدي الى مراحل التمرد والفوضى المقننة والعبث لكسر السائد ، أي – الانتقال من المرحلة التقليدية الى ما بعدها – وفق فكر تنويري واع وممنهج بشكل مدروس وناضج وخبرة طويلة وعميقة لتترك بصمتها التي تمثل هوية الفنان وتحمل أسمه ولن يجد المتلقي جهدا بالتعرف على هوية لوحات حمدي وبدون قراءة امضاءته على لوحته ، فشكلت علامة فارقة في تاريخ الفن العراقي ((العبثية” تعني الشعور بالطوارئ الجذرية لكل الأشياء الموجودة: أي الشعور بأن كل شيء قد يكون على خلاف ما هو عليه لأنه لا توجد خطة أو غرض نهائي يمكن تبرير الأشياء وفقًا له )) ، وتسعى تجربته أن تترك بصمة عالمية ولكنها تخطو بخطوات متمهلة دون عجالة لكي لا تسقط في وحلّ التقليد والتشويه والتسطيح ( الفن مرآة يرى فيها المرء وجهه هو) .

مسرح فؤاد حمدي التشكيلي وسطوحه تجده أنيقا ومهندسا بتقنيات لوّنية وحسابية خوارزمية بآليات اشتغال محنكة ، تكاد لا تميز بين الخطوط الرقمية أو الخطوط التي خطتها فرشاته بألوانه الزيتية والأكريليك ، فيشعر الرائي الى لوحات هذا الفنان وكأنها صورا فوتوغرافية حيّة منفذة على ورق ناصع البياض وقماشة الحرير أو اغلفة تحفيّة أو مطبوعة على جدران معدنية أو جبسية أو سيراميك ، وهذه تقنيات فنية اخراجية ماهرة ومحترفة تخلق الدهشة في نفوس مشاهديها وقصدانية من لدن الفنان لتجذب وتسحر المتلقي .

تشعر وتلمس من خلال تجسيد أعمال فؤاد أنها مشغولة بنفس اكاديمي كلاسيكي ليحافظ على روح ألوانه وأشكاله وفضاءات مسرحه أي – فضاء اللوحة – لتعكس مهنيته وحرفيته العاليتين لتخلق نصا بصريا مدهشا ، كما يقول بيكاسو (أتقن القواعد كمحترف، حتى تتمكن من كسرها كفنان) .

ثمة عنصر يحافظ عليه الفنان في جلّ أعماله هو التوزان بين حالات التشظي والعبث لمجسماته وفضاء اللوحة والهرمونية التي يلجأ اليها في ألوانه الصاخبة والمتباينة والمتناقضة لتعبّر عن الصخب الداخلي والانفعالي الذي يعيشه ، وهذه المجازفة اللونية في جمع التباينات اللونية تحتاج الى الحذر وعدم النشوز في السلّم الذوقي للألوان لتعطي لحنا لونيا وشكليا ومعرفيا يطرب الذائقة وتصهر المتلقي فيها ، ويبدو ودون لبس هذا ما قد تحقق في أعمال حمدي ، فهو عازف ماهر للأداء اللوني والشكلي والهندسي فتعيش مع لوحاته أجمل الأنغام والترانيم والغناء ، فقد عزف ألحان الجراح والألم والهموم ولحظات الاغتراب التي يعيش محنته بوصفه مثقفا ومنتجا للإبداع الخلقي الفني .

فؤاد حمدي ابن سلالة الطين والحضارات الرافدينية الخصبة بأبعادها المعرفية ومنجزها الفني الذي توزع على مساحات جغرافية امتدت على أصقاع الأرض في مشارقها ومغاربها فيجاهد ليطرح فنه وهو حامل ارث الأجداد الى أرض الغربة ، فيمتلك خزينا ثقافيا ألهم العالم بأسره من خلال حضارات العراق القديمة ، فلن يحتاج الى أية وسيلة تعرفية بهويته فقد سبقه منجز أجاده دون تعب والمعرف لا يعرف لهذا جاءت أعماله بخصوصيتها وهويتها وانتمائها وفق النسق التراثي والارث الفني الشرقي الذي مازال ماثلا في عقول ونفوس سكان الأرض لما تمتلك هذه الفنون من ريادة والتي مازالت تدهش وتبهر العالم بشقيها الجمالي والثقافي وتحمل من الأسرار التي لا تنضب في غموضها في أزمان كانت الشعوب تعيش عصر البدائية والوحشية مقارنة بالإنسان الرافديني الذي أسس مسلّاته ونظّم حياته وقوننها واكتشف كل ما يسهم في تأسيس دولة ومناخات عيش تقف صلبة بوجه المخاطر ، واكتشف العلوم والوسائل والأدوات لتمكنه من صنع شخصية دولة وشخصية انسان متحضر ومتفوق مبدع .

ان اسلوب فؤاد حمدي له خصوصيته في تجسيد بصرياته وأمكنته ومقاربتها على السطح البصري وفي منظورها البعدي وزوايا الرؤيا ، وكأنها شخوصا مسرحية تؤدي أدوارها على المسرح ووزعت في أركان وأمكنة عدّت سلفا بعناية وبطريقة اخراجية درامية مع تحديد نقاط الانارة واللعب بتقنيات الضوء والظل وفق متطلبات المشهد الصوري لتشير الى المشاهد بشارات وعلامات وايماءات دلالية للثيّم التي تعبّر عن انفعالات وارهاصات كاتب ومنفذ السيناريو لهذا النص ( فؤاد حمدي ) وتخلق حوارات بين هذه الشخوص والأشكال والألوان وبايقاع صاخب يتناسب مع جسامة الفكرة وحدة الحوار وهوّل الفكرة ، فيحاول الفنان هنا مخرج المشهد البصري أن يسلط الضوء على مشهديّة أجزاء معينة من أشلاء جسدية لتخلق حالة الحميمية والحب أو التنافر والصراع والاختلاف والضجر والصراخ ، أو قد تكون بعض الشخوص متروكة صامتة منسيّة على الأدراج المكتبية أو على السلم أو على الطاولات وتحتها أو تعشعشت في الكوّات لدلالة عن العزلة والخوف من المجهول والضياع وفقدان الأجوبة عن الوجود وما بعده .

وهنا تختلف تجربة حمدي عن تجارب البلجيكي رينيه ماغريت بالاخراج الفني للوحة وتوظيف الأمكنة والألوان والهرمونية والنسق الثقافي لكلا الفنانين .

فؤاد حمدي يدون تاريخ العراق بشقيه الانساني والحدثي وماتمخض من هذا التاريخ المأساوي بكل عنفوانه ومآسيه ، فهو مدوّن وشاهد على العصر الذي تكالبت فيه قوى مرئية وغير مرئية لتنهش من جسد الوطن وتعزل العراقي عن الفعل الانساني والحضاري لتبقيه أسير العزلّة والقوقعة في خانات التاريخ لتضع حوله الحواجز والقضبان ، لإدراك هذه القوى خطورة انسان صنع خمس حضارات التي أسست مناهج الحياة والسياسة والمعارف والفنون .

فؤاد حمدي بوصفه فنانا كانت خطوطه الحادة والمهندسة اشارات وعلامات تشير الى التراتب والتراكم الزمني الحضاري التي تمكنه ادواته الحضارية هذه ان يفلت من قبضة الحصار الثقافي والحياتي ، ليؤكد أن الشعوب الحيّة لا يمكن لأية قوى أن تكبح جماح ابداعها وفعلها الحضاري وما يدلل على ذلك ألوان الطيف الشمسي التي وظفها في جلّ أعماله ، وهي اشعاع أمل ونبراس وثورة وتمرد على ماكنة القتل والتجويع التي مورست ضد الانسان العراقي وهو يعيش في عصر التكنولجيا والمفاهيم الانسانية الجديدة التي زعمت ان الانسان قيمة عليا ، فهو هنا من خلال أعماله يدحض هذه النظريات وهذه المقولات وهذه المواثيق الكاذبة .

الفن لدى حمدي قضية وليست ترفا ومعروضات وفن فرّجة وتأمل بل خطابا انسانيا جماليا ومدونات عصر .

لهذا يمكننا دحض الأفكار والطروحات التي تتناول تجربة فؤاد حمدي بأنه يتماه أو يقلد تجاربا عالمية ومحلية ، لأنه ابن سلالة عريقة القدم التي اكتشفت وابتكرت الفنون بأغلب مذاهبها واساليبها قبل ان تتقونن وتتمنهج ،وما المدارس الفنية الحديثة ماهي الا تأسيسات بنيت واستمدت أفكارها من الفن الرافيديني أو باقي حضارات الاقليم الزاخر بالفنون والعلوم .

ان مسؤولية الفنان الملتزم الواعي تحتم عليه أن لا يقطع الصلة بين الماضي والحاضر ، فلابد من تشييد جسور ما بين الحداثة وما قبل الحداثة وما بعدها وخاصة ان الفكر والتقنيات في صيرورة دائمة وعلى تواصل واتصال وليست على قطيعة ، لأن المنجز الانساني على صلة وصل ما بين المنجز القديم والحديث ، وما يقال عن تجربة فؤاد حمدي بأنها تجربة قلدت التجارب الفنية التي سبقته أمثال (( الايرلندي فرانسيس بيكون ومارغريت الرسامة المكسيكية فريدا كاهلو و البلجيكي رينيه ماغريت )) هي قراءات شخصية ووجهات نظر رغم أن هذه التجارب المهمة في التاريخ الفني الحديث تركت بصمة ابداعية خالدة .

رياض الدليمي