هندسة الفوضى / وسطاء بلا مفاتيح(الحلقة الثانية)

رياض الفرطوسي

في الأزمنة المستقرة، كان الوسيط يدخل الغرفة حاملاً مفاتيح الحل، أو على الأقل خريطة طريق تقود إليه. أما اليوم، فالوسطاء يتحركون في ممرات مغلقة، يطرقون أبواباً لا يملكون مفاتيحها، ويعرضون أفكاراً يعرفون مسبقاً أنها لن تمر كما هي.

المشهد لا يعاني من غياب الوسطاء، بل من فائضهم. كل طرف دولي يريد أن يكون حاضرًا في الصورة، لا حباً بالحل، بل خوفًا من الغياب عن لحظة إعادة رسم التوازنات. الوساطة هنا لم تعد فعلًا أخلاقياً أو سياسياً خالصاً، بل استثماراً استباقياً في شكل المنطقة القادمة.

الفرنسيون، على سبيل المثال، يتحركون بسرعة لافتة. يلتقطون المبادرات، يضيفون عليها، ويعيدون طرحها بلمسة أوروبية تقليدية، لغة ناعمة، وأفكار تبدو متوازنة على الورق. لكن المشكلة ليست في صياغة الأفكار، بل في قدرتها على الصمود أمام وقائع الميدان. بعض هذه الطروحات يُقابل بالتحفظ، وبعضها يُرفض بصمت، وكأن الجميع يقرأ النص نفسه لكن بنوايا مختلفة.

في الجهة الأخرى، يقف الأمريكيون على مسافة محسوبة بدقة. لا انسحاب كامل، ولا انخراط مباشر. حضورهم أشبه بظل ثقيل، يؤثر دون أن يظهر بوضوح. هم يدركون أن أي تدخل حاسم الآن سيعني تحمل كلفة سياسية وعسكرية في لحظة إقليمية مشتعلة أصلًا. لذلك يتركون الباب موارباً، يراقبون، يرسلون إشارات، لكنهم يتجنبون التورط الكامل.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس من يتوسط، بل من يملك القدرة على فرض نتيجة. الوسيط الحقيقي ليس من يجمع الأطراف حول طاولة، بل من يستطيع أن يقول لهم متى يجلسون ومتى ينهضون، وما الذي يجب أن يوقعوا عليه. وهذه القدرة، حتى الآن، لا تبدو متوفرة لأي طرف بشكل كامل.

في العمق، تبدو الوساطة كأنها تدور حول نفسها. أفكار تُطرح، تُناقش، تُعدّل، ثم تعود إلى نقطة البداية. كأن العملية برمتها ليست للوصول إلى حل، بل لاختبار حدود الممكن. كل طرف يرسل عبر الوسطاء رسائل مبطنة، يرفع سقفه، يختبر ردود الفعل، دون أن يلتزم بشيء.

ووسط هذا الدوران، يبقى عنصر حاسم غائباً، أو مؤجلًا، التوافق الدولي الحقيقي. لأن أي تسوية في هذه المنطقة لا يمكن أن تولد من رحم التناقضات الدولية نفسها. ما لم تتفق القوى الكبرى، أو على الأقل تتقاطع مصالحها عند نقطة معينة، ستبقى الوساطات مجرد حراك بلا نتيجة.

الأخطر من ذلك، أن هذا الفراغ في الوساطة الفاعلة يترك مساحة أوسع للميدان كي يتكلم. وكلما تأخرت السياسة، ارتفع صوت السلاح، وكلما ارتفع صوت السلاح، تقلصت خيارات السياسة.

هكذا، تتحول الوساطة من أداة لاحتواء الصراع إلى شاهد على توسعه. تتحرك، لكنها لا تمسك بالخيط. تقترح، لكنها لا تحسم. تحضر، لكنها لا تقود.

وفي هذا المشهد، يصبح السؤال أكثر حدة، هل نحن أمام وساطات تمهّد للحل، أم مجرد إدارة ذكية لوقت الحرب؟

الإجابة ربما لا تكمن في تصريحات الوسطاء، بل في مكان آخر تماماً، في النقطة التي يتقاطع فيها السقف السياسي مع القدرة الواقعية على فرضه.

هناك، حيث تبدأ المعضلة الحقيقية، وحيث يتكشف وهم الأهداف الكبيرة أمام صلابة الوقائع الصغيرة.

يتبع…