التقابل الأيديولوجي (الجذور الفقهية والسياسية لعداء الفكر الصهيوني للمذهب الإمامي)

​بقلم: حسين شكران العقيلي
27 آذار 2026
​تُمثل العلاقة الجدلية بين الفكر الصهيوني والمذهب الإمامي الاثني عشري واحدة من أعقد صور التقابل الأيديولوجي في التاريخ المعاصر؛ والأيديولوجيا هنا ليست مجرد آراء عابرة، بل هي النسق الفكري الشامل والمنظومة القيمية التي تشكل رؤية الإنسان للعالم وتحدد بوصلته في الصراعِ، إذ لا يقف هذا العداء عند حدود التدافع السياسي أو النزاع الجيوسياسي المحدود،
بل يمتد بجذوره إلى عمق المرتكزات العقائدية والبنى الفلسفية التي يقوم عليها كلا الطرفين كأيديولوجيتين متصادمتين في الجوهر. فبينما يرتكز المشروع الصهيوني على مفاهيم الاستعلاء القومي والإحالة التاريخية الموظفة سياسياً، نجد أن المذهب الشيعي يطرح منظومة (كربلائية) عابرة للحدود، تجعل من رفض الظلم ومقاومة الاستكبار ركناً ركيناً في ممارستها الفقهية والاجتماعية. إن القلق الصهيوني من الفكر الشيعي لا ينبع فقط من القوة المادية، بل من (الوعي العقدي) الذي يؤسس له الفقهاء والمجتهدون؛ وهو وعي يرفض شرعية الكيان الغاصب استناداً إلى مبادئ العدالة الإلهية والحقوق الإنسانية المسلوبة.
​ولا يشكل هذا العداء مجرد موقف عابر، بل هو صدام مع منظومة فقهية تؤصل لـ (حرمة الخضوع للظالم)، حيث يمنح نموذج الإمام الحسين (ع) في الوجدان الشيعي مناعة ذاتية ضد مشاريع الاستلاب الهوياتي. ومن وجهة نظر الفقه الإمامي، فإن إقامة العدل ومقارعة الجور هي تكليف شرعي يفسر القلق الصهيوني من تحول الفقه إلى (مواجهة وجودية) ترفض الاعتراف بشرعية أي كيان يقوم على اغتصاب الحقوق. كما ينظر العقل الصهيوني بريبة بالغة إلى مفهوم (الانتظار) في الفكر الشيعي، فخلافاً للقراءات السطحية، يطرح المذهب الإمامي (الانتظار الإيجابي) كعملية إعداد مستمر وبناء للقوة المادية والمعنوية، مما يضرب في صميم الرواية الصهيونية القائمة على تزييف التاريخ.
​ويبرز هنا الدور المحوري للمرجعية الدينية في صياغة (قواعد المقاطعة)، حيث تستند الفتاوى التي تحرم التعامل مع الكيان الصهيوني إلى قواعد فقهية رصينة مثل قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) وقاعدة (نفي السبيل) المستمدة من الآية الكريمة (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً). هذا التأصيل حوّل القضية الفلسطينية إلى قضية (حق وباطل) شرعية، مما جعل المنطقة عصية على مشاريع (التطبيع). وفي المقابل، اعتمدت الدوائر الصهيونية استراتيجية (الشيطنة) وتفتيت النسيج الإسلامي لعزل المذهب الشيعي وتصويره ككيان غريب، وهنا تبرز أهمية (الكود الإنساني) في الكتابات المعاصرة التي تسعى لاستخراج القيم الكونية من التراث الإمامي كنموذج عالمي للتحرر.
​إن هذا العداء هو في جوهره عداء لكل فكر يمتلك القدرة على قول (لا) في وجه الهيمنة. إن استشراف المستقبل يؤكد أن الصراع لن يحسم فقط في ميادين المواجهة العسكرية، بل في ساحات الوعي والفكر والقانون. إن المذهب الإمامي، بما يمتلكه من مرونة اجتهادية وعمق فلسفي، قادر على تقديم مرافعة حقوقية دولية تفضح زيف الادعاءات الصهيونية. ويبقى الرهان على قدرة الباحثين والمفكرين في إبراز هذا (التضاد القيمي) ليس كصراع طائفي، بل كحركة تحررية إنسانية كبرى تهدف إلى استعادة كرامة الإنسان وصيانة حقوقه تحت سقف العدالة الإلهية والتشريعات الوضعية المنصفة.
​وفي المحصلة، فإن هذا التقابل بين الفكر الإمامي والمنظومة الصهيونية يضع الباحث الأكاديمي أمام مسؤولية مضاعفة؛ إذ لم يعد كافياً توصيف الصراع في أبعاده التقليدية، بل بات من الضروري الانتقال نحو (تأصيل حقوقي) يستند إلى مدرسة أهل البيت (ع) لتقديمها كأطروحة عالمية لمواجهة الاستكبار. إن القدرة على استخراج (الكود الإنساني) من النصوص الجعفرية وتحويلها إلى مرافعة قانونية دولية، هي الوسيلة الأنجع لكسر طوق (العزلة الهوياتي) الذي يحاول الفكر الصهيوني فرضه. وبذلك، يتحول البحث العلمي من مجرد ترف معرفي إلى أداة تحررية تساهم في صيانة الكرامة البشرية، وتثبت أن صراع الحق ضد الباطل هو صراع وجودي يستدعي يقظة فكرية وحضوراً فاعلاً في محافل القانون الدولي والمنصات الرقمية المعاصرة، لتظل (كلمة العدل) هي العليا في وجه كل محاولات التزييف والتسلط.