الكاتب : حسين شكران العقيلي
٢٦ آذار ٢٠٢٦
في تاريخ الفلسفة السياسية والأخلاقية، ظل مفهوم (العدل) عصياً على التطبيق الشامل، وتأرجح في الوعي البشري بين التنظير المثالي والواقع المصلحي.
إلا أن المتأمل في مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يجد نفسه أمام نموذج فريد، حيث لا يمثل العدل لديه مجرد وظيفة عابرة للحاكم، بل هو (قانون كوني) وضرورة وجودية لا تستقيم الحياة بدونها، ولا يصح الإيمان إلا بالانحياز التام لها.
ينطلق الإمام في تعريفه للعدل من قاعدة فلسفية عميقة تتجاوز مجرد المساواة الظاهرية؛ فهو يرى أن (العدل يضع الأمور مواضيعها) .
هذه الرؤية تمثل هندسة دقيقة للمجتمع تضمن إعطاء كل ذي حق حقه بناءً على الاستحقاق والجهد، بعيداً عن ضجيج المحسوبيات أو اعتبارات العرق والطبقة. وفي هذا الميزان العلوي، يتحول العدل إلى (سائس عام) يحفظ توازن القوى، ويمنع تغول طرف على آخر، محققاً بذلك السلم المجتمعي بمعناه الأسمى.
إن ما يميز هذه الرؤية هو صبغتها (الإطلاقية) ؛ فالعدل عند أمير المؤمنين ليس انتقائياً ولا يخضع لظرفية الزمان أو المكان، إنه مبدأ لا يتوقف عند موادة الصديق ولا يتراجع أمام خصومة العدو. ويتجلى ذلك بوضوح في عهده الخالد لمالك الأشتر، الذي يعدّ اليوم وثيقة حقوقية عالمية تسبق زمانها بقرون، حيث أرسى فيها قاعدة التعامل مع الرعية على أساس الإنسانية المشتركة، مفرقاً بين: (إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق) ، ليجعل من كرامة الإنسان محوراً يدور حوله الحق الإلهي والوضعي.
هذا العدل المطلق لم يكن مجرد تنظير بارد في بطون الكتب، بل كان ممارسة حية كلفت الإمام الكثير في صراعاته السياسية؛ فقد رفض المساومة على حساب الحقوق العامة، وأبى أن يشتري الولاءات بإنقاص نصيب الفقراء، مؤكداً بصلابة أن (العدل أوسع) فالضيق الحقيقي في نظره يكمن في الظلم والجور، أما الحق فهو الميدان الرحب الذي يتسع للجميع دون استثناء.
لقد ربط الإمام علي بين (أخلاق الحاكم) وجوهر (عدالة الحكم) ، فلم يكن يرى العدل نصوصاً قانونية جافة، بل ورعاً ذاتياً يمنع صاحب السلطة من استغلال نفوذه. فالحاكم في مدرسته هو أول من يخضع للمساءلة، وأول من يواسي الناس في ضيق عيشهم. هذا التلازم هو ما أعطى لمفهوم العدل في رؤيته صبغة الخلود، وجعل من صوته صدىً دائماً للإنسانية الباحثة عن الإنصاف في كل عصر.
إننا اليوم، وفي عالم تعصف به التناقضات، أحوج ما نكون إلى استعادة هذه البوصلة العلوية.
إن العدل المطلق في رؤية الإمام علي (عليه السلام) ليس إرثاً غابراً للاستذكار، بل هو منهاج حيّ وقابل للتطبيق لبناء دولة المؤسسات والكرامة. فالحق في هذه المدرسة لا يقبل التجزئة، والعدل الحقيقي هو ذاك الذي لا يميل مع الهوى، ولا ينكسر أمام سطوة القوة، ليبقى الميزان مستقيماً أبد الدهر.
ميزانٌ لا يميل ( فلسفة العدل المطلق في رؤية الإمام علي (ع))