جديد

آيات النفاق في القرآن الكريم (فما لكم في المنافقين فئتين)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ” (النساء 88) الفئة الطائفة، والإركاس الرد. والآية بما لها من المضمون كأنها متفرعة على ما تقدم من التوطئة والتمهيد أعني قوله ” مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً” (النساء 85)، والمعنى: فإذا كانت الشفاعة السيئة تعطي لصاحبها كفلا من مساءتها فما لكم أيها المؤمنون تفرقتم في أمر المنافقين فئتين، وتحزبتهم حزبين: فئة ترى قتالهم، وفئة تشفع لهم وتحرض على ترك قتالهم، والإغماض عن شجرة الفساد التي تنمو بنمائهم، وتثمر برشدهم، والله ردهم إلى الضلال بعد خروجهم منه جزاء بما كسبوا من سيئات الأعمال، أتريدون بشفاعتكم أن تهدوا هؤلاء الذين أضلهم الله؟ ومن يضلل الله فما له من سبيل إلى الهدى. وفي قوله “وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً” (النساء 88) التفات من خطاب المؤمنين إلى خطاب رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله إشارة إلى أن من يشفع لهم من المؤمنين لا يتفهم حقيقة هذا الكلام حق التفهم، ولو فقهه لم يشفع في حقهم فأعرض عن مخاطبتهم به وألقى إلى من هو بين واضح عنده وهو النبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله. قوله عز وجل “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ” (النساء 142).

جاء في تفسير الميسر: قوله عز وجل “فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا” ﴿النساء 88﴾ فما لكم أيها المؤمنون في شأن المنافقين إذ اختلفتم فرقتين: فرقة تقول بقتالهم وأخرى لا تقول بذلك؟ والله تعالى قد أوقعهم في الكفر والضلال بسبب سوء أعمالهم. أتودون هداية من صرف الله تعالى قلبه عن دينه؟ ومن خذله الله عن دينه، واتباع ما أمره به، فلا طريق له إلى الهدى.

وعن لتفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ” (النساء 88) نزلت هذه الآيات في خصوص المنافقين الذين بقوا في دار الكفر، ولم يهاجروا إلى المدينة بدليل قوله تعالى: ” حَتَّى يُهاجِرُوا” (النساء 88) لأن الهجرة إنما تكون من دار الكفر إلى دار الإسلام، وقبل فتح مكة كانت المدينة هي الدار الوحيدة للإسلام. وظاهر هذه الآيات صريح في أن حكم من نافق، وبقي في دار الكفر غير حكم من نافق وهو مقيم في دار الإسلام، لأن اللَّه سبحانه أمر بقتل أولئك وأسرهم، دون هؤلاء. وقبل أن ينزل هذا الأمر من السماء اختلف الصحابة، وانقسموا فئتين في حكم المنافقين الذين بقوا في دار الكفر: فئة ترى مقاطعتهم وعدم الاستعانة بهم في شيء، بل وإعلان الحرب عليهم، تماما كمن جاهر بالشرك وعداء المسلمين. وفئة ترى التساهل والتسامح، وان يعاملوا معاملة المسلمين. ويظهر ان النبي صلى الله عليه وآله سكت عن هذا الخلاف، حتى حسمه اللَّه بقوله: ” فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ” (النساء 88) أي لا ينبغي أن تختلفوا في أمرهم، بل عليكم أن تجمعوا قولا واحدا على عدم التساهل معهم بحال، وبيّن سبحانه السبب الموجب بقوله: ” واللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا” (النساء 88) أي رد حكمهم إلى حكم الكفار المحاربين من جواز قتلهم وسبيهم، لأنهم كالكافر المحارب، أو أشد ضررا بسبب بقائهم في دار الشرك الذي لا يستفيد منه إلا عدو الإسلام والمسلمين. قوله عز وجل “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ” (النساء 142)

جاء عن موقع الحوزة النفاق والمنافقون والوجه الآخر للكاتب حسين علي المصطفي: سمات المنافقين في القرآن: خصلة النفاق وإن (تكن مرفوضة ومذمومة، إلاّ أنها في الوقت نفسه ناشئة عن كمال الإنسان. أي، لما كان الإنسان من بين الحيوانات قد بلغ مرحلة أكثر تكاملاً، فقد أصبح أقدر علي التصنع والتظاهر، وما الحيوانات أو أكثرها بقادرة علي النفاق باستثناء بعضها الذي وصل من حيث الذكاء إلي مدي أبعد. ولكن ما من حيوان بقادر علي التصنيع مثل الإنسان، الذي يسبغ علي تصنّعه ألواناً من التعابير الأدبية، كالمخاتلة، والمخادعة، والمداهنة، وكلها ضروب من النفاق. أو يقال إنّ فلاناً يشارك الذئب طعامه، ويشارك الراعي بكاءه وما قولي إنّ النفاق ناشئ عن تكامل الإنسان، إلاّ لأننا نري أنه كما كان الإنسان أقرب إلي البداوة، كان أقل نفاقاً، والطفل في صغره لا ينافق، ولذلك نراه إذا كان في مجلس وقدّم إليه طعام يتناوله إذا كان راغباً فيه، بل وقد يستعجله بالبكاء إذا أبطأوا في تقديمه له. ولكن الكبير في مجلس كهذا، علي الرغم من رغبته الشديدة في تناول الطعام، فإنّه عندما يدعونه إليه يقول: لا أشتهي. هذه كذبة لا يقولها الطفل، كلما تقدم الإنسان في مضمار التمدن ازدادت قدرته علي النفاق ولم يكن الإنسان قبل ألف سنة يعرف من النفاق عشر معشار ما يعرفه اليوم). وأبرز ما في النفاق أنه مظهر من مظاهر خلق الكذب، بل إنّ القرآن الكريم يشير إلي أنّ الكذب هو شعار المنافقين، فيقول اللّه تعالي: “ومِنَ النّاس مَن يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هُم بمؤمنين * يُخادعون اللّه والّذين آمنوا وما يخدعُون إلاّ أنفسهم وما يشعُرُون” (البقرة 98). بيد أننا لدي التحليل نلاحظ أنه سلوك مركب يرجع إلي أنماط مرضية متعددة، فالجبن والطمع بالمنافع الدنيوية والحقد وخلق الكذب والتحايل كلها تتشكل وترجع إلي ما نسميه ب (الشخصية النفعية) أو بكلمة دقيقة (الشخصية الدورية) والتي يتميز صابحها بالتأرجح والتذبذب. وقبل أن ندخل في طرح هذه السمات نطرح سؤالاً مهماً: هل من الضروري أن نعرّف المنافق؟ الكل يعلم أنّ الإسلام واجه في عصر انبثاق الرسالة مجموعة لم تكن تملك مبادئ الإخلاص اللازم للإيمان ولا القدرة اللازمة للمعارضة وكانت هذه الشريحة المذبذبة نافذة في صفوف المسلمين، وكانت تشكل خطراً كبيراً علي الإسلام والمسلمين، وكان تشخيص هؤلاء صعباً بالنسبة للمسلمين، لأنهم يتظاهرون بالإسلام، ولهذا كان المنافق أسوأ حالاً من الكافر، لأنّ الكافر لا يحاول سلب معتقدات الآخر، والمنافق يسعي دائماً لإفساد المعتقدت. يقول تعالي: “وَدُّوا لو تَكفرُونَ كما كفرُوا فتكونُونَ سواءً فلا يتَّخذوا منهُم أولياء حتي يهاجروا في سبيل اللّه َ فإنْ تولّوا فخذوهُم واقتلوهُم حيث وجدتموهُم ولا تتّخذوا منهم وليّاً ولا نصيراً” (النساء 89). ويضاف إلي كل ذلك أنّ ظاهرة النفاق والمنافقين لا تختصّ بعصر صدر الإسلام، بل هي ظاهرة عامة تظهر بشكل وبآخر في كل المجتمعات، ومن هنا لابدّ للأمة المسلمة أن تعرف سماتهم وأوصافهم كما رسمه القرآن الكريم كي تحبط مكائدهم ومؤامراتهم.