أمريكا بين أفول الهيبة وبقاء الهيمنة
بقلم د.حسام شعيب/سورية
بعيداً عن الموقف من إيران سلباً أم إيجاباً، لم يعد خافياً على أحد ان الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تتجاوز في أهدافها الحقيقية والتوسعية مسألة تخصيب اليورانيوم أو حتى ترويض الساسة الإيرانيين على علاقات “جيدة” مع الولايات المتحده الأمريكية…
إن واقع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ما هي إلا محطة من محطات الاستراتيجية الأمريكية في مرحلتها الثالثة لاستكمال سيطرتها على العالم.
فالولايات المتحده الأمريكية التي تأسست للتو كدولة حديثه (1777م) أصبحت قوة عظمى مهيمنة عالمياً منذ القرن العشرين، مستندة إلى تفوق اقتصادي، عسكري، وتكنولوجي هائل، بالإضافة إلى نشر القيم الليبرالية الغربية…
الولايات المتحدة التي استفادت كدولة حديثة من تحالفات وخصومات سياسية وعسكرية خلال الحربين العالميتين وبعدهما، فاستطاعت ان تقود العالم من خلال نموذج يدمج بين القوة المادية ( العسكريه والاقتصادية ) والنفوذ الثقافي والسياسي من خلال الأفكار الليبرالية، رغم التحديات المستمرة لهذا الدور.
فامريكا التي استطاعت أن تشكل وتدعم مؤسسات دولية تتماشى مع سياساتها، واستخدمت القوة الناعمة تارة والصلبة تارة أخرى لإعادة تشكيل الواقع السياسي في مناطق مختلفة من العالم.
كما تمتلك الولايات المتحدة شبكة واسعة من القواعد العسكرية حول العالم، تُقدر بنحو 750 إلى 800 قاعده في أكثر من 80 دولة، مما يجعلها القوة العسكرية الأكثر انتشاراً عالمياً.
تتوزع هذه القواعد بشكل رئيسي في اليابان، ألمانيا، كوريا الجنوبية، تركيا، العراق، دول الخليج العربي.. وتتنوع مهامها بين القتال، الدعم، والمراقبة.
أما على مستوى النفوذ والتحكم الاقتصادي العالمي، فبعد النظام المالي العالمي والذي كانت الولايات المتحده الأمريكية جزءاً منه إبان الحرب العالمية الأولى، انقلبت نفسها الولايات المتحدة عليه مطلع السبعينيات من القرن الماضي، إذ لم يعد للدولار الأمريكي مقابل من الذهب، وباتت السيطرة على النفط بمشتقاته المختلفة، وانتشار القواعد العسكرية الأمريكية عاملان ساهما في سيطرة الدولار على النظام المالي العالمي، وتصدر التطور الصناعي والتحكم في الموارد الحيوية…
وبنظرة فاحصة على الحروب والنزاعات والتوترات السياسية بين الدول والشعوب، ندرك للوهلة الأولى كيف تقف الإدارات الأمريكية المتعاقبه وراء الكثير منها..، حيث باتت الاستراتيجية الأمريكية بأساليبها المتبعة في التحضير لخوض الحروب، أو من خلال توجيه ضربات موجعة لاعدائها تتضمن باغلبها طريقتين عمل واسلوبين مترافقين:
الاول إما عن طريق تضخيم قوة العدو وخطره، بالإعلان عن حجم قدراته وامكاناته وتهديداته للاستقرار الإقليمي وتهديداته للاستقرار الاقليمي والدولي، والأمن القومي الأمريكي، مما يؤمن لها غطاءً شعبياً داخلياً، وغطاءً سياسياً (الكونغرس) ، وغطاء عسكرياً في (البنتاغون) ، وحشد تحالف مؤيد اقليمي ودولي من خارج الأمم المتحدة.
الثاني: عن طريق اعتماد لغه ومسار دبلوماسي يرتكز على شروط تفاوضية صعبة التنفيذ ومعقده، بهدف إخضاع الهدف واجباره على على الخضوع لأحد الأمرين: إما الخوف من العمل العسكري والاستسلام للشروط التفاوضيه الأمريكية.
أو في حال رفض الهدف لهذه الشروط تُظهر أمريكا للراي العام المحلي والدولي بأنها حاولت إنهاء الأزمة من خلال التفاوض الدبلوماسي والخصم هو من رفض، مما يبرر لجوءها إلى الخيار الاول وهو (الحرب).
والسرديه التاريخية قديماً وحديثاً شاهدة على اعتماد الامريكي لهذه الاستراتيجية، واليوم ينتهج الامريكي نفس الاستراتيجية في مباحثاته مع إيران في باكستان، والتي هي تحت عنوان: ( المقاربه في الملف النووي الإيراني)، ولكن الاستراتيجية الأمريكية في أهدافها الحقيقية اعمق وأبعد من المعلن في مباحثات باكستان، إذ أن الصراع الحالي ليس مجرد (حرب) أمريكية إسرائيلية على إيران، إذ أن الأكيد في الصراع الخفي الأكبر اليوم هو بين أمريكا والصين.
حيث تشكل الصين الهاجس الأكبر للولايات المتحدة في السياسة الخارجية والاقتصادية والأمنية، وقد اتخذت هذه الهواجس منحى أكثر صرامة خلال فترات إدارة الرئيس دونالد ترامب، حيث يركز ترامب على معادلة (أمريكا أولاً)، ويرى أن الصين مسؤولة عن تضخم الأسعار، وتآكل القاعدة الصناعية الأمريكية، ويسعى إلى اجبارها على صفقات تجارية تصب في مصلحة واشنطن، حتى لو أدى ذلك إلى توتر العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين.
باختصار: تعتبر الولايات المتحدة في عهد ترامب ان الصين تشكل تهديداً وجودياً للرفاه الاقتصادي والقيم الديمقراطية الأمريكية، مما يدفعها نحو سياسة احتواء ومواجهة اقتصادية وتقنية شاملة.
وهو ما يفسر الصراع العالمي الدائر اليوم هو صراع الممرات البحرية أو ما يُعرف ضمن الاستراتيجية الأمريكية بالسيطره على سواحل العالم، أو حواف العالم AL-Reem Land بعد أن استطاعت الولايات المتحدة فرض هيمنتها على center of the world مركز العالم، Heart -the world قلب العالم .
وتلفت مصادر ” أن السبب يعود إلى كون 90% من التجارة العالمية تمر عبر البحر، كما أن الممرات البحرية مساحتها ضيقة، وبالتالي يمكن السيطرة عليها عسكرياً، ومن يقوم بذلك يسيطر على النفط والغاز، سلاسل الإمداد والتجارة العالمية ”
“وتولي الولايات المتحدة الأمريكية أهمية خاصة لهذه الممرّات كون استراتيجيتها كانت تقوم ومنذ الحرب العالمية الثانية بالسيطرة على طرق التجارة العالمية”. من هنا وبحسب المصادر فإن “قواعدها العسكرية تنتشر قرب هذه الممرات وتحديداً عند الخليج العربي، البحر الأحمر، البحر المتوسط، المحيط الهندي وشرق آسيا بهدف حماية التجارة العالمية، ومنع أي من القوى الأخرى من السيطرة على الطرق البحرية والحفاظ على النظام العالمي المرتبط بالدولار”.
لا شكّ أن بكين قلقة اليوم من كلّ ما يحدث كون اقتصاد الصين يعتمد على استيراد الطاقة من الشرق الأوسط، وتصدير السلع الى أوروبا وأمريكا وكلّ ذلك يمر عبر ممرات بحرية يمكن للبحرية الأمريكية التأثير عليها، ومن هذا المنطلق أطلقت في وقت مبكر مبادرة الحزام والطريق وهدفها انشاء طرق برية، موانئ، سكك حديد وخطوط طاقة لتقليل الاعتماد على الممرات البحريّة التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأمريكية.
إلا أن الاستراتيجية الأمريكية تلقت صدمة في مواجهتها مع إيران، تمثلت في سقوط أكثر من 373 جريحاً من جنودها، وفجوة بين التقديرات الاستخباراتية والواقع الميداني، بالإضافة إلى تصاعد مخاطر المواجهة البحرية الشاملة التي فرضتها إدارة ترامب، مما يجعلها مقامرة اقتصادية وعسكرية كبرى قد ترتد على الداخل الأمريكي، حيث تتحدى إيران بصلابة ولم تنجر للمفاوضات بشروط الولايات المتحدة.
هذه المواجهة التي أسقطت هيبة الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً، لاسيما أن خصوم واشنطن سيرون في هذه المواجهة فرصة قد لا تتكرر في استنزاف الولايات المتحدة الأمريكية، وإبعاد المخاطر عن التجارة العالمية ومصادر الطاقة والممرات البحرية الاستراتيجية…
هذا التطور يعزز احتمالات تكبّد الولايات المتحدة خسائر أكبر من المُعلن، مما يضع البيت الأبيض تحت ضغط محلي ودولي متزايد.
د.حسام شعيب