الفرات يبتلع أبناءنا قبل أن تكبر أحلامهم

الفرات يبتلع أبناءنا…
قبل أن تكبر أحلامهم

بقلم✍️: سعد احمد الكبيسي
في رحلة الهروب من حرِّ الصيف اللاهب، ومن ساعات انقطاع الكهرباء الطويلة، ومن البيوت التي تحولت إلى أفرانٍ تحت وطأة القيظ، يتجه كثيرٌ من شبابنا وأطفالنا إلى نهر الفرات بحثاً عن نسمةِ بردٍ وماءٍ يخفف عنهم قسوة الأيام. لكنَّ هذا الملاذ الجميل يتحول في أحيانٍ كثيرة إلى فاجعةٍ جديدة، فنستيقظ بين يومٍ وآخر على خبر غرق شاب أو طفل أو أكثر، حتى أصبحت حوادث الغرق مشهداً مؤلماً يتكرر في مدننا.
إنَّ المؤلم ليس الغرق وحده، بل الشعور بأن هذه المآسي تتكرر بلا حلولٍ جذرية. فإلى متى يبقى شبابنا بين نار الحرِّ القاتل ومخاطر الأنهار؟ وإلى متى نفجع بأبنائنا بينما يعيش أبناء المسؤولين وكبار المتنفذين في بيئاتٍ تتوافر فيها وسائل الراحة والترفيه والأمان؟
إن حماية الأرواح مسؤولية الجميع، وتوفير أماكن ترفيه آمنة، وتحسين الخدمات الأساسية، ونشر الوعي بمخاطر السباحة في المناطق الخطرة، لم يعد ترفاً بل ضرورةً ملحّة. فكلُّ شابٍ نفقده غرقاً هو خسارةٌ لوطنٍ بأكمله، وكلُّ أمٍّ تبكي ولدها على ضفة الفرات هي جرحٌ جديدٌ في قلب العراق.
لكن حسبنا ان من أعظم ما يواسي القلوب عند نزول المصائب أن يتأمل المؤمن في بشارات الوحي وأنوار السنة النبوية، فقد أخبر النبي ﷺ أن الغريق من الشهداء، قال: الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وذلك لما يلقاه من شدة وكرب وآلام عظيمة، جعلها الله سببًا لرفع الدرجات وتكفير السيئات.
وقد ذكر الإمام النووي أن هؤلاء المذكورين في الحديث إنما نالوا هذا الفضل لما يقاسونه من شدة الألم وعظم المشقة.
فالغريق يواجه في لحظاته الأخيرة ألوانًا من الكرب لا يكاد يحيط بها الوصف:
* اضطراب النفس واضطراب الجسد.
* شدة الاختناق وانقطاع أسباب النجاة.
* الخوف الفطري الذي يعتري الإنسان عند مواجهة الهلاك.
* المعاناة المتتابعة حتى خروج الروح.
فإلى كل أبٍ فقد ولدًا، وإلى كل أمٍ ثكلت فلذة كبدها، وإلى كل زوجة أو أخ أو قريب فقد حبيبًا غرقًا؛ اعلموا أن رحمة الله واسعة، وأن هذه المصيبة ليست نهاية المطاف، بل بابٌ للأجر والرجاء. فأحسنوا الظن بالله، وأكثروا الدعاء لفقيدكم، وتذكروا قوله تعالى:﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.