د. فاضل حسن شريف
جاء في منتدى جامع الائمة في خطب الجمعة للسيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره: الامر الاخر الذي اريد الاشارة اليه: اننا جربنا جيلا بعد جيل وخاصة في هذه القرون المتأخرة ان المرجعية، ان الانسان يصفه مرجع ليس بسبب اصله وانما بيد الله سبحانه وتعالى والاسباب تمشي بمشيئة الله لكن مع ذلك الله تعالى هو العماد في ذلك “إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ” (القصص 56) في اية اخرى “لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ” (الانفال 63) شيء آخر: وهو ان الموت والحياة يتحكم في ذلك، انا بنائي اصير مرجع ولكنه اموت ورسالتي لم تطبع او رسالتي قيد الطبع هل ممكن اصير مرجع ؟ “وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ” (سبأ 54) يعجبه يصير مرجع ما يصير مرجع لانه يموت لو جاء عزرائيل يأخذ روحه فهل هذا فيه نقاش؟ لاحظوا.. فانما تتعين المرجعية بمشيئة الله سبحانه وتعالى وهذا موجود في السابق واللاحق وليس لأحد التحكم فيه اطلاقا. النقطة التي اود الاشارة اليها: ان للمرجعية أسلوبان معروفان الآن تقريبا من الواضحات المعلنة وانا اشرت اليها في بعض الخطب السابقة. استطيع ان اسمي أحدهما اسلوب السكوت والانعزال والآخر أسلوب النشاط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هالشكل. حبيبي لماذا جماعة من المراجع ومن الناس ومن تابعي المراجع اتخذوا أسلوب السكوت؟ لا يوجد اي شيء الا الحفاظ على حياتهم. غير يريد يحفظ حياته كعد وسكت وترك ما هو في ذمته لعله بعلم او بغير علم انا ما ادري انشاء الله محمولين على الصحة. يحافظ على حياته فماذا حصل الان؟ عبرة جدا لطيفة ان هذين المشايخ قدس الله أسرارهم كانا من هذا الصنف من صنف الساكتين مع ذلك ماذا كانت النتيجة ؟ هل حفظت حياتهم؟ الساكت قتل والناطق بقي. سبحان الله.. هل أفاد الساكتين سكوتهم ما افادهم. الموت مما لا بد منه سبحان الله.. من لم يمت بالسيف مات بغيره كما يقول الشاعر. فمن هذه الناحية الانسان يقصر فيما يمكنه من أداء وظيفته الشرعية؟ في سبيل الحفاظ على حياتي؟ امام الله انت مسؤول لا يمكن التجاوز عن ذلك. النقطة الاخرى التي اود الاشارة اليها: تقريبا بل تحقيقا اريد ان اخاطب مقلدي الشيخ الغروي قدس سره. يقول المثل لا ينبغي أن يلدغ المؤمن من جحر مرتين، كثير من التقليد كان بغير حجة شرعية كان بحجة شرعية ناقصة، كان بهوى نفسي كان لمنفعة دنيوية، لا ينبغي أن تتكرر هذه المأساة مرة ثانية. طبعا البقاء على تقليد الميت بدون اجازة الحي غير مجزي فحينئذ حذار أن يكون تقليدكم الجديد بدون حجة شرعية. التقليد دين الانسان كانما تصح به العبادات والمعاملات وينجو به الانسان في يوم القيامة فاذا كان مهمل او مستعملا للدنيا او لشيء غير الاخلاص لله سبحانه وتعالى شيله. اتقوا الله حق تقاته وقوموا تقليدكم لا يغرنكم الغرور. فمن هذه الناحية لا ينبغي أن يلدغ المؤمن من جحر مرتين او عشر مرات، الانسان رشيد والله ناطيه عقل وناطيه دين وناطيه ورع ويعرف الله موجود وجهنم جواه والجنة كدامه مع ذلك يأخذها المسألة بسيطة وبسرعة مع العلم انه لم يخلق للدنيا وإنما خلق للاخرة.
جاء في كتاب فقه الاخلاق للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره: التفكر في الخلق: هو من الأمور التي حثَّ عليها القرآن الكريم كثيراً، وهو فقهياً من المستحبات المؤكدة، التي لها آثارٌ وضعيةٌ جليلةٌ ومحمودة، وحيث لم يعزل له الفقهاء مكاناً في فقههم، ناسب ذكره في مقدمة العبادات. وقد حثَّ عليه القرآن الكريم بأساليبَ مختلفةٍ عديدةٍ، نذكر منها: أولاً: الحثُّ على التفكير كقوله تعالى: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً). وقد ورد قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) خمسة أو ستة مراتٍ في القرآن الكريم إلى غير ذلك من الآيات. ثانياً: الحثُّ على التفقه، كقوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ). وغيرها كثير. ثالثاً: بعنوان الآيات، وهي الآيات الأنفسية والآفاقية، يعني ما يكون داخل النفس وفي خارجها من العجائب، وقد ورد لفظ (آية) في القرآن أربعاً وثمانين مرة ولفظ (الآيات) مئـةً وثمانيـةً وأربعين مرة. رابعاً: الحثُّ على النظر، كقوله تعالى: (أوَ لم يَنظرُوُا فيِ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرض)، وغيرها. خامساً: الحثُّ على البصر أو الأبصار، كقوله تعالى: (وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) مع شجب التعامي وعدم استعمال البصر (أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَ) وقوله:( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا. سادساً: الحثُّ على استعمال العقل. قال سبحانه: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا. وقد تكرر قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون)، وما في مضمونه القريب حوالي ثماني مراتٍ في القرآن الكريم. كما شجب القرآن إهمال العقل وعدم استعماله في آياتٍ عديدةٍ، منها قوله تعالى: (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُون). سابعاً: الحثُّ على استعمال اللبِّ وهو العقل، وأن يكون الفرد من ذوي الألباب. وقد ورد قوله:( أُولُو الأَلْبَابِ) ستَّ عشرة مرة. منها قوله تعالى: “هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ” (غافر 54). ثامناً: ذكر الآيات الكونية واحدةً واحدةً، كنزول المطر وإنبات الزرع وخلق الحيوان وخلق الجنين والليل والنهار والرعد والبرق والحليب وأنواع الفواكه والخضر، وغير ذلك في آياتٍ كثيرةٍ لامجال لاستقصائها. تاسعاً: شجب الأعراض وهو عدم الإلتفات إلى الآيات الكونية والتهاون في أمرها، كقوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. وقد ورد لفظ (مُعْرِضُونَ) و(مُعْرِضِينَ) تسع عشرة مرةً في القرآن الكريم. عاشراً: الحثُّ على المعرفة، كقوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا). حادي عشر: الحثُّ على استهداف اليقين، أو حصوله لدى الفرد، نتيجة للنظر والتفكر كقوله تعالى: (وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ وشجب حالة عدم اليقين كقوله تعالى:بَلْ لا يُوقِنُونَ). وقوله سبحانه: (وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُون). ثاني عشر: الحثُّ على السير في الأرض والتجول فيها لأجل حصول العبرة منها، كقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا)، وقوله سبحانه: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِين). وقد تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم، حوالي أربع عشرة مرة، منها سبع مرات بصيغة الأمر: (سِيرُوا). ثالث عشر: الحثُّ على أخذ الإعتبار أو العبرة من الآيات الكونية كقوله: فاعتَبرُوا يا أوليِ الـأبصار وقوله: (إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً)، وغيرها. رابع عشر: الإنذار بالعذاب لمن ترك التفكير والإعتبار به، كقوله تعالى: (الّذِينَ كَذَّبُوا بآياتِنَا يَمَسهم العَذابُ بمَا كَانُوا يَفسُقُونَ) وقوله: (رَبّنَا مَا خَلَقتَ هذَا باطِلاً سُب.
جاء في كتاب رفع الشبهات عن الانبياء عليهم السلام للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره: الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم: قال تعالى: “وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (الزمر 65). ظاهر الاية الكريمة ان هذا الايحاء المرعب موجه الى الرسول صلى الله عليه واله وسلموالى الانبياء من قبله عليهم السلام. فاذا قلنا بعصمتهم عليهم السلام.أصبح هذا الايحاء لغوا ً أعوذ بالله من الفهم الساذج. فبماذا ترفعون عنا هذه الشبهة. الجواب: بسمه تعالى: هذا تحذير وهو موجود لكل أحد وهو في منزلة الانبياء بمنزلة الوحي ويمكن القول بانه ثابت في المرتبة السابقة على العصمة رتبة لا زماما ً اذ لولاه لما كانت العصمة وهذا يكفي لدفع اللغوية.
عن كتاب الصوم للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره: في معنى الهلال من الناحية المعنوية: والإستهلال هنا هو المحاولة الجادَّة لرؤية الدرجة الضعيفة من الإيمان في أوَّل وجوده، أو من اليقين في أوَّل حدوثه، توخياً من الفرد للعطاء الجديد من الله سبحانه وتعالى، مهما كان قليلاً، وهذا ما يحسُّ به وجداننا في باطن النفس، وليس برؤية العين الإعتيادية بطبيعة الحال. وكذلك يستمرُّ الفرد المؤمن يراقب نموَّ الهلال، والنور الإيمانيَّ في نفسه، وتحصل له البهجة بذلك، قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس 58). والبدرالإيمانيُّ في داخل النفس، بعد حصوله وتكامله، لا يكون قابلاً للأفول والنقصان، بل هو بدرٌ مستمرٌّ وخالد وليس كالقمر الإعتياديِّ يعود صغيراً في كلِّ شهر، لأنَّ القمر الإيمانيَّ إنما هو من درجات الجنة و (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة) وقال: (خَالِدِينَ فِيها اَبَداً) (المائدة 119)، وقال: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) (ق 35). إلا أننا مع ذلك لا نعدم الفهم الرمزيَّ للتضاؤل التدريجيِّ إلى حدٍّ يصل إلى المحاق كالقمر الطبيعيّ. وذلك: أنَّ درجات التكامل الإيمانيِّ لا متناهية فإذا وصل الفرد إلى حصول البدر في نفسه، استحقَّ لا محالة الخطوة التي بعدها، وهي الإقتباس من الشمس مباشرةً، من المعين الحقيقيِّ للعطاء الإلهيّ. وبمقدار ما تقدم الفرد في هذه السبيل، فإنَّ أهمية البدر السابق في نفسه تتضاءل تدريجاً، ويصبح ملتفتاً بكله إلى نور الشمس، ومعطياً له الأهمية الواقعية القصوى. وبذلك يتضاءل البدر إلى أن يزول، بمعنى زوال أهميته تماماً، بإشراق الشمس في نفس الفرد عوضاً عن البدر. وبذلك يحصل المحاق، لأنَّ الشمس الحقيقية إذا أشرقت على القلب، لا يبقى للأنانية أيُّ وجود، بل تمحى وتمحق لا محالة. قال تعالى: (فَمَحَونَا آيةَ الَلّيلِ وَجَعَلنَا آيةَ النَهارِ مُبصِرةً) (الاسراء 12). ونستطيع أن نفهم من آية الليل: القمر، لا الليل نفسه، كما نستطيع أن نفهم من آية النهار: الشمس، لا النهار نفسه. وقال تعالى:(وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (الشورى 24). ومما له ربطٌ بهذا الصدد من الآيات قوله تعالى: “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ” (الزمر 68-69). ويستمرُّ السياق القرآنيُّ نفسه، إلى أن يقول جلَّ جلاله: “وَسِيقَ الَّذِينَ اَتَقُوا رَبهُّمْ إلى الجَنةِ زُمَراً حَتّى إذا جَاؤُها وَفُتِحَتْ أبوابُها وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيكُم طِبتُمْ فَادْخُلُوهَا خالِدِينَ * وَقَالُوا الحَمدُ لله الذِي صَدَقَنَا وَعدَهُ وَأوَرثَنَا الأرض نَتَبَوَّأ مِنَ الجَنَةِ حَيثُ نَشَاءُ فَنِعمَ أجر العَامِلِينَ” (الزمر 73-74).
جاء في کتاب ما وراء الفقه للسيد محمد محمد صادق الصدر عن كتاب القضاء: وعن مناقب محمد بن يوسف الكنجي مسنداً عن ابي صالح قال: جلس جماعة من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتذاكرون، فتذاكروا الحروف واجمعوا ان الالف اكثر دخولا في الكلام. فقام مولانا امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام فخطب هذه الخطبة على البديهة، فقال صلوات الله عليه: حمدت وعظمت من عظمت منته وسبغت نعمته وسبقت رحمته غضبه وتمت كلمته ونفذت مشيته وبلغت قضيته، حمدته حمد مقر لربوبيته متخضع لعبودتيه، متنصل من خطيئته، معترف بتوحيده مؤمل من ربه مغفرة تنجيه يوم يشغل عن فصيلته وبنيه “يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته واخيه * وفصيلته التي تؤويه * ومن في الارض جميعاً ثم ينجيه” (المعارج 11-14) “يوم يفر المرء من اخيه * وامه وابيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرئ يوميذ شأن يغنيه” (عبس 34-37) . ونستعينه ونسترشده ونستهديه ونؤمن به ونتوكل عليه. وشهدت له تشهد مخلص موقن. فرته تفريد مؤمن متيقن ووحدته توحيد عبد مذعن. ليس له شريك في ملكه، ولم يكن له ولي في صنعه. جل عن مشير ووزير وعون ومعين ونظير، علم فستر ونظر فخبر وملك فقهر وعصي فغفر، وحكم فعدل، لم يزل وان يزول ليس كمثله شيء، وهو قبل كل شيء بعد كل شيء رب متفرد بعزته متمكن بقوته متقدس بعلوه، متكبر بسموه ليس يدركه بصر وليس يحيط به نظر. قوي منيع بصير سميع حليم حكيم رؤوف رحيم، عجز عن وصفه من يصفه وضل عن نعته من يعرفه، قرب فبعد وبعد فقرب. يجيب دعوى من يدعوه ويرزقه ويحبوه، ذو لطف خفي، وبطش قوي ورحمة موسعة وعقوبة موجعة، رحمته جنة عريضة مونقة، وعقوبته جحيم ممدودة “في عمد ممددة” (الهمزة 9) موبقة. وشهدت ببعثة محمد عبده ورسوله وصفيه ونبيه وخليله وحبيبه، صلي عليه ربه صلاة تحظية وتزلفه وتعليه وتقربه وتدنيه. بعثه في خير عصر وحين فترة وكفر، رحمة لعبيده ختم به نبوته ووضح به حجته فوعظ ونصح وبلغ وكدح. رؤوف رحيم بكل مؤمن رضي ولي زكي عليه رحمة وتسليم وبركة وتكريم من رب غفور رحيم قريب مجيب. وصيتكم جميع من حضر بوصية ربكم وذكرتكم سنة نبيكم. فعليكم برهبة تسكن قلوبكم وخشية تذري دموعكم وتقية تنجيكم قبل يوم يذهلكم ويبليكم. يوم يفوز فيه من ثقلت وزن حسنته وخف وزن سيئته. لتكن مسألتكم وملقكم مسألة ذل وخضوع وشكر وخشوع وتوبة ونزوع وندم ورجوع. وليغتنم كل مغتنم منكم صحته قبل سقمه وشبيبته قبل هرمه وكبره، وفرصته وسعته وفرغته قبل شغله وغنيته قبل فقره وحضره قبل سفره. من قبل ان يهرم ويكبر ويمرض ويسقم ويمله طبيبه ويعرض عنه حبيبه وينقطع عمره ويتغير لونه ويقل عقله. قيل قولهم: هو موعوك وجسمه منهوك. قبل جدة في نزع شديد وحضور كل قريب وبعيد. قبل شخوص بصره وطموح نظره ورشح جبينه وخطف عرنينه وسكون حنينه وحديث نفسه وبكى عرسه ويتم منه ولده وتفرق عنه عدده وصديقه وقسم جمعه وذهب بصره وسمعه وكفن ومدد، ووجه وجرد وعري وغسل ونشف وسجي وبسط له وهيء، ونشر عليه كفنه وشد منه ذقنه وقمص وعمم ودع عليه وسلم وحمل فوق سريره وصلي عليه ونقل من دور مزخرفة وقصور مشيدة وحجر منجدة، فجعل في ضريح ملحود وضيق مرصود بلبن منضود مسقف بجلمود. وهيل عليه عفره وحثى عليه مدره وتحقق حذره ونسي خبره، ورجع عنه وليه وصفيه ونديمه ونسيبه، وتبدل به قريبه وحبيبه. فهو حشو قبر ورهين قفر يسعى في جسمه دود قبره ويسيل صديده على صدره ونحره، يسحق برمته لحمه وينشف دمه ويرم عظمه، حتى يوم حشره ونشره، فينشر من قبره وينفخ في صوره ويدعى بحشره ونشره. فثم بعثرت قبور وحصّلت سريرة صدور “أفلا يعلم اذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور” (العاديات 9-11) وجيء بكل نبي “وجيء بالنبييين والشهداء ” (الزمر 69) وصدّيق وشهيد ونطيق وقعد للفصل رب قدير بعبده بصير خبير. فلكم من زفرة تعنيه وحسرة تقصيه في موقف مهيل ومشهد جليل بين يدي ملك عظيم بكل صغيرة وكبيرة عليم. حينئذ يلجم عرقه ويحصره قلقه. عبرته غير مرحومة وصرخته غير مسموعة وحجته غير مقبولة. تنشر صحيفته وتبين جريرته. حيث نظر في سوء عمله وشهدت عينه بنظره ويده وبطشه “يوم تشهد عليهم السنتهم وايديهم وارجلهم بما كانوا يعملون” (النور 24) “وما كنتم تستترون ان يشهد عليكم سمعكم ولا ابصاركم” (فصلت 24) ورجله بخطوه وفرجه بلمسه، وجلده بمسه، وتهدده منكر ونكير، وكشف عن حيث يصير، فسلسل جيده، وغلغل ملكة يده. وسيق يسحب فورد جهنم بكرب وشدة وظل يعذب في جحيم ويسقى شربة حميم تشوي وجهه وتسلخ جلده وتضرب زبنيته بمقمع من حديد، يعود جلده بعد نضجه “كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها” (النساء 56) كجلد جديد يستغيث، فتعرض عنه خزنة جهنم ويستصرخ فلم يجب، ندم حيث لا ينفعه ندمه. نعوذ برب قدير من شر كل مصير، ونسأله عفو من رضي عنه، ومغفرة من قبل منه، فهو ولي مسألتي ومنجح طلبتي. فمن زحزح عن تعذيب ربه جعل في جنته بقربه، وخلد في قصور مشيدة. وملك حور عين وحفدة( ) ، وطيف عليه بكؤوس وسكن حظيرة قدس في فردوس، وتقلب في نعيم، ويسقى من تسنيم “ومزاجه من تسنيم” (المطففين 27) وشرب من سلسبيل “عيناً فيها تسمى سلسبيلاً” (الانسان 18) قد مزج بزنجبيل “ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً” (الانسان 17)، فتم بمسك مستديم للملك مستشعر للسرور، ويشرب من خمور في روض مغدق ليس ينزف عقله. هذه منزلة من خشي ربه وحذر نفسه “ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي” (يوسف 53) وتلك عقوبة من عصى منشئه، وسولت له نفسه معصيته. فهو قول فصل وحكم عدل. قصص قص ووعظ نص. تنزيل من حكيم حميد نزل به روح قدس منير مبين من عند رب كريم على قلب نبي مهتد رشيد. وسيد صلت عليه رسل سفرة مكرمون بررة، عزت برب عليم حكيم قدير رحيم من شر عدو “ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً” (فاطر 6) لعين رجيم، يتضرع متضرعكم ويبتهل مبتهلكم ونستغفر رب كل مربوب لي ولكم. ثم قرأ امير المؤمنين علي عليه السلام: “تلك الدار الاخرة تجعلها للذين لا يريدون علواً في الارض ولا فساداً والعاقبة للمتقين” (القصص 83).