اقرؤوا التاريخ كاملا لا منقوصا لتصيبوا كبد الحقيقة!!
احمد الحاج جود الخير
لنتفق ابتداء على أن معظمنا لم يقرأ سوى ثلث التاريخ المريح بالنسبة له..الثلث المطابق لأفكاره وبيئته ومجتمعه وطائفته ومعتقداته ..الثلث المناسب لما تربى وترعرع ونشأ عليه منذ نعومة أظافره، ورضع من أثدائه صغيرا حتى شاب عليه كهلا مع أن الكل اليوم بحاجة ماسة الى قراءة الثلثين الآخرين المفقودين والمتواريين عن الأنظار عنده كليا أو جزئيا ليعمل على جمعها في بوتقة واحدة بغية تحليلها ونقدها مليا ككل لا يتجزأ عن كثب،غير ذلك فإن أكثرنا يعيش في خضم دوامة معرفية ناقصة ومفرغة عبارة عن مزيج من البنادق،والخنادق ، والأسلاك الشائكة ،وحقول الألغام، والثغرات، والعواصف التاريخية الغبارية، والزوابع الفكرية الرعدية، و”اللت والعجن” وكلها مخاض تاريخ قديم ومعاصر منقوص يقرأه ويرويه بعضنا ويتوارثه كابرا عن كابرا ، وبما يناقض ويتقاطع مع التاريخ الذي يرويه ويقرأه بعضنا الآخر وبما يجعل الولي الصالح الزاهد العابد عند هذا الطرف ،زنديقا بكل ما تعني الكلمة لدى الطرف الآخر، والعكس صحيح تماما ..ويجعل الحاكم العادل الشجاع الورع عند هذا الطرف ،هو ذاته الحاكم الظالم الماجن الجبان عند الطرف الآخر، وما هكذا تورد يا قارئ التاريخ الإبل ، وهذا هو عين ما توصلت إليه متأخرا، ولأن تصل الى الحقيقة متأخرا كما تقول الحكمة لهو خير من عدم وصولك الى جادة الصواب بتاتا، سوى ذلك ستظل أسير الصندوق المغلق ولن تغرد يوما بحرية خارج سرب القطيع المتقوقع على نفسه ، المنسحب على ذاته ،المصاب بداء تضخم الأنا ، وانتفاخ الذات !!
ونحن بحاجة ماسة لا أقول لإعادة كتابة التاريخ ( = وهي في بعضها محاولة لإعادة صياغته وتشكيل وقائع التاريخ واللعب بعداداته أكثر من محاولة إعادة كتابته موضوعيا ، لتأتي الكتابة الجديدة ، متوافقة مع أهداف وطموحات وغايات من يتولى إعادة كتابته في وقت ما لا أكثر ولا أقل ) ، وإنما لفهم وقائع التاريخ وتحليلها وتفسيرها جليا ومليا على مكث وتؤدة .
والحقيقة ،أن إشكالية”سرد التاريخ”على طريقة الحكواتية ( =القصه خون ) وجمع الغث والسمين كحاطب ليل ، من دون محاولة فهمه ولا تفسيره ولا نقده ولا تحليله ولا تفكيكه ، ولا حتى إثبات أحداثه أو نفيها، ولا محاولة استدعاء ما قبلها ،ولا استجلاء ما تزامن معها ، ولا استشراف ما بعدها ، قد صارت عبئا على التاريخ الإسلامي برمته خاصة ،وعلى التاريخ العالمي عامة لأن الكل وبينهم المؤرخون إنما يكتبون ويهمشون ويذيلون ويخوضون في ثلث التاريخ فحسب،ويهملون عمدا الثلث الثاني والثالث لذات الاحداث والوقائع التاريخية متهمين كتابها ” وهم مؤرخون أمثالهم أيضا: “بأنهم فجرة وكذبة ومتحاملون وفساق وزنادقة وعملاء وعدد ما شئت من نعوت وأوصاف سيئة ” مع أنهم قد كتبوا التاريخ بذات الأساليب والطروحات والوسائل التي كتبها من يزعمون الحيادية والموضوعية في كتابته ولا جديد تحت شمس كتابة التاريخ يُروى، ولا قديم فوق أديم ” فلسفة التاريخ وتفسيره ” يُعاد ..
الماركسيون يكتبون التاريخ ويفسرونه انطلاقا من النظرية المادية وصراع الطبقات…المؤرخون القوميون يفسرونه ويكتبونه قوميا وإثنيا وشوفينيا …الرأسماليون يفسرونه ويكتبونه امبرياليا وليبراليا وجيو سياسيا …النازيون والفاشيون يكتبونه ويفسرونه عنصريا …المؤرخون الإسلاميون إلا ما رحم ربك يكتبونه ويفسرونه وما زالوا ، لا أقول اسلاميا – حاشا وكلا – وانما مذهبيا وطائفيا وبما تمخض عن خمسة تواريخ وليس تاريخا واحدا لكل واحد منها كتبه وكتابه : ” تاريخ يكتبه ويفسره مؤرخو وطبالو وبواقو الاخ الاكبر وفقا لعبارة جورج اورويل في روايته 1984= الحاكم ” ،
و” تاريخ يكتبه ويفسره مؤرخو وطبالو المعارضة السياسية ” .
و” تاريخ يكتبه ويفسره ويفلسفه مؤرخو وطبالو وبواقو ما بعد الانقلاب والتغيير والإطاحة بالنظام – أي انقلاب وأي تغيير وأي نظام وفي أي زمكان – بمعنى وكمثال بأن التاريخ الذي كتبه العباسيون هو غير التاريخ الذي دونه الأمويون والعكس صحيح….التاريخ الذي كتبه القرامطة والعبيديون والفاطميون والإسماعيليون النزاريون ، وصنوهم الاسماعيليون المؤيديون هو غير التاريخ الذي دونه العباسيون والعكس صحيح…التاريخ الذي كتبه العثمانيون هو غير التاريخ الذي كتبه الصفويون ، والعكس صحيح وهلم جرا ، وهكذا دواليك ، حتى كتابة السطور ، والكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا ، ولن يفهم التاريخ ..وليس بوسع أحد تفكيكه وتفسير أحداثه ..ولا نقده ..ولا تحليله لاستخلاص العبر والعظات واسقاطها على الواقع المعاش بكل موضوعية ، ما لم يصار ابتداء وقبل الشروع بإعادة كتابته وتفسيره وفلسفته الى اعتماد التاريخ عند هذا ، مع اعتماد نقيضه المغاير تماما ، والمخالف كليا ، المماثل له في القوة ، ولكن المعاكس له في الاتجاه ذاك ..هنا فقط سيحلل التاريخ موضوعيا ولا أقول حياديا إذ لا حياد في الطبيعة البشرية والكل يتعصب لرأيه ومذهبه ودينه وطائفته ومعتقده ،شئنا ذلك أم أبينا ..ولكن للحصول على تفسير عقلاني ومنطقي وموضوعي للتاريخ على الأقل وبما يمكننا من استشراف مستقبلنا من خلاله وعدم الوقوع في أخطاء الماضي البعيد والقريب، وتلافي تكرارها مجددا لأن التاريخ وكما تفضلت جنابك الكريم في مقال سابق ،هو حاضر ومستقبل بكل ما تعني الكلمة من معنى ونحن جميعا نمضي الى التاريخ قدما ولا نهرب منه ، أو نغادر أعتابه قط ، فكل ما جرى ويجري وسيجري على البشرية من قبلنا ، يجري علينا حذو القذة بالقذة مع اختلاف الازمنة والمطالع والأماكن والمظاهر فحسب مقابل اتحاد المدخلات والمقدمات، ومثلها النتائج والمخرجات ، والنتيجة هي ” أمم وحضارات وممالك سادت ثم بادت ” حيث عن اليمين آثارهم وقصورهم، وعن الشمال مقابرهم وعظامهم وقبورهم”وكفى بالتاريخ واعظا في حال فهمه وتفسيره وتحليله بعقل ثاقب ، وبعين مبصرة تتحرى الدقة بعيدا عن الازدواجية والانتقائية والمزاجية والعصبية .
والخلاصة هي :
إن قراءة التاريخ ونقده وتحليله وتفكيكه وتفسيره موضوعيا تحتاج الى جمع التاريخ كاملا ، التاريخ الأول الذي دونه الحاكم + التاريخ الثاني الذي دونته المعارضة + التاريخ الثالث الذي كتبه المستعربون والمستشرقون + التاريخ الرابع الذي كتبه ذيول الحاكم بعد أن صاروا معارضة عقب سقوط النظام -أي نظام حكم في العالم عبر التاريخ – + التاريخ الخامس الذي كتبه المعارضون السابقون بعد أن صاروا في سدة الحكم بعد سقوط أي نظام ..لأن طريقة وأسلوب وأحكام وزوايا كتابتهم للتاريخ الجديد ستتغير بدرجة 180، وأولها أنهم سيتهمون كل من سيعارضهم وينقلب أو يتظاهر ضدهم ويخرج عليهم ، مستقبلا بعد أن صاروا حكاما ، سواء بلسانه ..أو بقلمه ..أو شاهرا سيفه بأنهم من الخوارج ومن أعداء الدين والمذهب والوطن الخ ..مع أنهم ووفق توصيفهم الجديد هذا كانوا بدورهم من أعتى الخوارج أيام المعارضة …بل وبتوصيفاتهم العجيبة تلك قد برروا ما فعله سلفهم بمعارضيه عندما كان حاكما …لأنهم قد اقتبسوا ما كان يجتره ويثرثره وصاروا يجاهرون به على رؤوس الأشهاد …
و لن يفهم التاريخ ولن يجيد قراءته ولا تحليله من لم يتجرد مقدما من خلفياته السياسية ومن عصبياته ومن انتماءاته القومية والمذهبية والفكرية والاثنية في كتابته مرحليا وجزئيا لحين الانتهاء من كتابته على أقل تقدير .
وعلى كل دارس للتاريخ وناقد ومحلل ومفكك له إمعان النظر مليا في ماضي وفكر المؤرخ وحاضره، لأن من المؤرخين من قد بدل ثوبه وفكره وانتماءه مرارا وتكرارا، وعليه أن يعلم مقدما متى كتب المؤرخ تاريخه وبأي فكر وعقلية دونه ..هل بعقلية المعارضة السياسية ، أم بعقلية الحاكم والقصر ؟!
ولست معنيا هاهنا بما يعرف بوجوب طاعة ولي الامر وعدم الخروج عليه، ولا بلحوم العلماء والحكماء مسمومة ، لأن من ينوي تحليل التاريخ موضوعيا كما هو فعليه أن يساوي في بحثه التاريخي بين الحاكم بمعية بطانته ووعاظه وطباليه وحاشيته ومؤيديه من جهة، وبين المعارضة السياسية بمؤيديهم ووعاظهم وطباليهم من جهة أخرى، غير ذلك فإنه سيظل أسيرا لثلث التاريخ فحسب ولن يغادر صناديقه المغلقة ، ولن يغرد خارج سرب أقفاصه المحكمة قط وسيعيد اجترار الماضي كما أرضعه ولقنه هو ، لا كما وقع وحدث بالفعل .
مدونو التاريخ وكتابه ولا غرو في ذلك هم كثر ،وبالتالي فإن دراسة طبيعة حياتهم وبيئاتهم ومجتمعاتهم السيكولوجية والايديولوجية والسوسيولوجية والانثروبولوجية والميثولوجية والنوستاليجية ووو، مهمة جدا لتقييم كيف كتبوا تاريخهم ولماذا …
و يجب أن لا يهمل مفسر ومتفلسف التاريخ ومحلله وناقده ، صناع التاريخ البتة ، وأنا – وأعوذ بالله تعالى – من كلمة أنا قد بدأت فعليا بكتابة سلسلة بعنوان “صناع التاريخ ” اكتشفت خلالها بأن “أكثر من صنعوا التاريخ هم الايتام ، فهؤلاء إن أحسن رعايتهم وتربيتهم وتعليمهم فسيصنعون تاريخا حسنا وإيجابيا أمثال عمر المختار ، الشافعي ، ابن حنبل ، السخاوي، الغزالي، المتنبي، ابن حجر، طارق بن زياد،حافظ ابراهيم ، وغيرهم من ألوف مؤلفة ، علما بأن ثلاثة من أولي العزم من الرسل كانوا أيتاما : ” موسى وعيسى ومحمد ،عليهم أفضل صلاة وتسليم”..والعكس صحيح في حال أهملت المجتمعات رعاية اليتيم فسينجب لنا هذا الإهمال والإغفال عمدا أو سهوا أو جهلا عشرات المستبدين والطغاة والمتجبرين ومن الطراز الاول ليصنعوا التاريخ البشري سلبا على مدار قرون طويلة أمثال ” هتلر ، وجنكيز خان ، ستالين ، ايفان الرهيب ، صدام” ووعدد ما شئت ..ولا يفوتنا التذكير ببوذا ، و كونفوشيوس ، دافينشي ، غاندي، سيمون بوليفار، ستيف جوبز، ارسطو،وكلهم كانوا أيتاما ، ولنتفق بعد ذلك كله على فقرة مهمة جدا في كتابة التاريخ وتفكيكه وتحليله ونقده ، بعنوان شامل هو ” اليتم وصناعة التاريخ ” أو ” كيف صنع اليتم تاريخ البشرية ” ..
يليها ” المعاقون ” بدنيا ، حسيا ، ذهنيا ، نفسيا ” وصناعة التاريخ سلبا أو ايجابا ، والاسماء كثيرة جدا ..فثلاثة أرباع قياصرة واباطرة روما كانوا يعانون من اعتلالات ذهنية ونفسية وبعد البحث والتقصي عن أسباب الظاهرة تبين أن هؤلاء كانوا يأكلون طعامهم ويعاقرون خمرهم ويشربون ماءهم بأواني وأقداح وملاعق مصنوعة أو مطلية بمواد ملوثة بالزئبق والرصاص وبما أثر على جهازهم العصبي وعلى قدراتهم الذهنية والعقلية حتى أن نيرون كان قد احتفل بعيد ميلاده من أعلى شرفة قصره وهو يغني ويعزف القيثارة بعد أن أحرق نصف روما احتفالا بالمناسبة …!!
يليها “الأسرى والمعتقلون وسجناء الرأي والمطاردون ظلما وعدوانا وصناعة التاريخ : ” سفيان الثوري ، السرخسي ، ابو حنيفة ، سيد قطب ، احمد بن حنبل ، السنوار، مالكوم اكس ، نيلسون مانديلا ، احمد ياسين ، زيد بن علي ” وهو مؤسس المذهب الزيدي ” ، محمد النفس الزكية ، وعدد ماشئت .
يليها ” الأيامى والعزاب وصناعة التاريخ ” بعد أن اكتشفت بأن أشهر صناع التاريخ سلبا أو ايجابا كانوا عزابا ولم يتزوجوا قط : “العقاد ، الطبري ، الزمخشري ، النورسي ، النووي ، ابن تيمية ، عبد الكريم قاسم ، المعري ، الرصافي ، جبران خليل جبران ،مي زيادة ،بتهوفن، ابن النفيس ،اسحاق نيوتن، السلطان قابوس ، بوتفليقة وغيرهم بالمئات .
يليها ” أرامل صنعن التاريخ” والقائمة طويلة ، لعل شجرة الدر إحداهن ..
يليها ” عبيد صنعوا التاريخ ” و” مهاجرون صنعوا التاريخ ” و” مكفوفون صنعوا التاريخ ” و” فقراء صنعوا التاريخ ” ” حرفيون صنعوا التاريخ ” و” مكتشفون ومخترعون صنعوا التاريخ ” وقوائمهم طويلة جدا .
ولاشك أن الهدف المرجو والغاية المتوخاة من هذه السلسلة ومن ذلكم التصنيف ولكي نكون بالصورة هو محولة بيان والتنبيه على أن ” التاريخ إنما تصنعه انعطافات كبرى ، وظروف قاهرة ، وأناس في زمكانات معينة بتأثيرات جغرافية وفكرية ومجتمعية وبيئية ودينية وأخلاقية وسياسية ، بل وحتى مناخية وكارثية نحو ” زلازل ، براكين ، أعاصير ، سيول ، فيضانات ، مجاعات ، نزوح ، تهجير ، ” ، لابد من أخذها جميعا بنظر الاعتبار عند دراسة التاريخ لتفكيكه وتحليله ونقده وتفسيره ، وبالتالي فعلى المستوى الشخصي وكلما تضخمت قوائم وزادت أعداد الأيتام في كل من سوريا والعراق والسودان والصومال وليبيا واليمن ولبنان مع انعدام الرعاية المجتمعية والحكومية جزئيا أو كليا فبإمكاني كباحث في التاريخ ومحاولة تفسيره ، أن استشرف مسبقا وبالقياس على ما مضى من دروس التاريخ وعبره ووقائعه ومجرياته،بأن أعدادا لا تحصى من الفاسدين والمستبدين والجانحين والطغاة والعملاء والخونة والمنحرفين المستقبليين سيكون مرعبا ومخيفا سيظهر بين ظهراني هذه المجتمعات وبما لا تحمد عقباه البتة ..والعكس صحيح .. اودعناكم أغاتي