د. فاضل حسن شريف
في خطبة الجمعة للشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر: من الاسرار الالهية التي لا يطلع عليها الا خاصة الخاصة ولكن فهمها ممكن يكون على عدة وجوه منها: اولها: ان كون الحسن والحسين من رسول الله صلى الله عليه واله واضح لانتسابهم بالنسبة الحقيقية وكذلك انتساب الزهراء الى رسول الله صلى الله عليه واله واضح لانتسابها بالنسبة الحقيقية. واما كون النبي منهم فباعتبارهم سببا لنشر دينه وعلو الإسلام بجهادهم وجهودهم بما فيهم الحسين عليه السلام بتضحياته العظيمة والجليلة في واقعة الطف التي لولاها لمات دين الإسلام وانمسخت شريعة الله فقد احياها سلام الله عليـه بمقتله وشهادته وبهذا صدق ان رسول الله صلى الله عليه واله من الحسين لان استمرار دينه حقيقة بسببه وكذلك الباقون من اصحاب الكساء علي وفاطمة والحسن عليهم السلام بمشاركاتهم المهمة في نصرة الدين. ثانيا: انه لا تكون طاعة الا بطاعة الادنى فلا تكون طاعة النبي الا بطاعة الحسين. وكذلك لا تكون طاعة الائمة عليهم السلام الا بطاعة العلماء والحوزة ولا تكون طاعة الحوزة الا بطاعة الوكلاء والمبلغين وهكذا فتكون طاعة الوكلاء هي طاعة الحوزة وطاعة الحوزة هي طاعة المعصومين وطاعة المعصومين هي طاعة رسول الله وطاعة رسول الله هي طاعة الله تعالى. فيكون من ضمن ذلك بل من اهم تطبيقاته ومصاديقه هو ان طاعة رسول الله صلى الله عليه واله بطاعة الحسين عليه السلام او قل ان طاعة الحسين هي طاعة رسول الله ومنه قوله تعالى: “مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ” (النساء 80). ثالثا: ان هذا الحديث (حسين مني وانا من حسين) مبني على المجاز والمجاز صحيح في اللغة بل هو الاتجاه الاغلب فيها وهو الاتجاه الاجمل فيها والادق تعبيرا والاكثر حسنا ادبيا حين لا يقوم التعبير الحقيقي به وذلك لمدى التقارب والتعاطف الواقعي بين رسول الله صلى الله عليه واله وهؤلاء الاربعة الباقون من اصحاب الكساء عليهم السلام بما فيهم الحسين عليه السلام. ومن مميزاته وصفاته الخاصة سلام الله عليـه ما روي فعلا في مصادرنا ومعاش فعلا في اذهاننا ان الله تعالى جعل العلم من ذريته والاستجابة تحت قبته والشفاء في تربته. وكل هذه الامور قطعية ومجربة ما عدا ما خرج بدليل كما يعبرون لوجود المانع الشديد عن تطبيق هذه القاعدة على بعض الافراد بحيث يكون تطبيقها مخالفا للحكمة والا فمقتضى القاعدة تطبيقها على الجميع من المستحقين من البشر باستجابة الدعوة تحت قبته والشفاء من تربته. وهنا ينبغي الاشارة باختصار إلى انه ليس كل دعاء فهو مستجاب وان الله تعالى قال: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ” (غافر 60) الا ان هذا لا ينطبق حسب الرغبة والشهوة ودعاوى النفس الامارة بالسوء بل لا ينطبق الا عندما يعلم الله سبحانه بصدق الدعاء وصدق النية وصدق التوجه وصدق الانقطاع الى الله سبحانه وعندئذٍ حاشا لله عز وجل ان يخلف وعده بالإجابة فاذا انضم الى ذلك بعض الامور الرئيسية المهمة عند الله عز وجل كما في الدعاء تحت قبة الحسين عليه السلام كان ذلك اولى بالاستجابة واعظم للأجر واعلى في الدنيا والاخرة. والمعروف ان هذه الامور الثلاثة قد وهبت للحسين عليه السلام من الله سبحانه بازاء شهادته وتضحيته العظيمة التي لا مثيل لها في التاريخ البشري. مضافا الى امور اخرى كثيرة من اهمها درجات الاخرة التي نسمع عنها في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه واله: (لك مقامات لن تنالها الا بالشهادة). وقد مشى سلام الله عليـه في هذا الطريق بهمة وطيبة قلب ولم يقصر طرفة عين.
جاء في کتاب ما وراء الفقه للسيد محمد محمد صادق الصدر: استعمالات الكذب في القرآن الكريم: وحيث عرفنا للكذب اصنافاً مختلفة وتطبيقات متعددة فينبغي لنا ان نطل اطلالة على القرآن الكريم لنجد أي هذه المعاني قد استعملها. وينبغي ان نلتفت هنا الى اننا نفحص عن “مادة” الكذب او مفهومه في القرآن الكريم، باي صيغة او تعريف كان كالمصدر او الفعل الماضي او غيرهما. كما ينبغي ان نلتفت ان بعض الاستعمالات القرآنية قابلة للحمل او الفهم في اكثر من معنى من المعاني السابقة، الا اننا ينبغي ان نحملها على اقرب المعاني العرفية واحداً كان او متعدداً. فقوله تعالى: “فكذبت وهو من الصادقين” (يوسف 26) يراد به المفارقة وعدم التطابق بين الوقل والواقع. وكذلك قوله: “فصدقت وهو من الكاذبين” (يوسف 26) وكذلك قوله تعالى: “ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون” (البقرة 10) وقوله سبحانه: “ولا تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام” (النحل 116) وقوله عز من قائل: “وان يك كاذباً فعليه كذبه” (غافر 28). واما قوله تعالى: “والله يشهد ان المنافقين لكاذبون” (المنافقون 1) فهو للمفارقة بين الاعتقاد والقول كما قلنا. وان كان قولهم مطابقاً للواقع بدليل قوله تعالى: “والله يعلم انك لرسوله” (المنافقون 1). واما قوله تعالى: “بما اخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون” (التوبة 77) فهي من الكذب في الوعد. أي المفارقة بين الوعد وتطبيقه. اذا فهمنا من الكذب في هذه الاية، ما ارتبط بالوعد المشار اليه فيه، والا كان لها معنى اخر. وقوله تعالى: “ما كذب الفؤاد ما رأى” (النجم 11) نفي المفارقة بين العلم والمعلوم. وان ما علمه الفؤاد من الامور والظواهر الكبرى كان مطابقاً للواقع. ولم يكن مخالفاً له. وقوله تعالى: “وجاؤوا على قميصه بدم كذب” (يوسف 18) ظاهره الاولي انه ليس بدم بل صبغ احمر يراد به الايهام بالدم. ولذا قال: انه “دم كذب” للمفارقة بين واقعه وبين المقصود منه للفاعلين. وهو الايهام بالدم. ولكن الظاهر من السياق العام للاية في قصة يوسف عليه السلام ان الايهام كان هو الايهام بقتل يوسف وان الدم دمه. في حين كان على القميص دم شاة او أي حيوان اخر. فالمفارقة التي اقتضت التعبير بالكذب كانت من هذه الجهة. ويمكن الجمع بين المعنيين من حيث انهم اوهموا بدم يوسف عليه السلام بجعل الصبغ على الثوب وليس دماً اخر. واما قوله تعالى: “ناصبة كاذبة خاطئة” (العلق 16) فالناصية تعبير اخر عن الفرد نفسه. والفرد قد يكون كاذباً وخاطئاً فعلا. عن كتاب القضاء: انه سأله راس الجالوت. فقال: ما وصل الاشياء؟ فقال علي عليه السلام: هو الماء، لقوله تعالى: “وجعلنا من الماء كل شيء حي” (الانبياء 30). قال: وما جمادان تكلما؟ فقال عليه السلام: هما السماء والارض “قالتا اتينا طائعين” (فصلت 11). وقال: وما شيئان يزيدان وينقصان، ولا يرى الخلق ذلك. فقال عليه السلام: الليل والنهار. الى ان قال: وما الذي يتنفس بلا روح، فقال عليه السلام: “الصبح اذ تنفس” (التكوير 18). قال: وما شيء يزيد وينقص؟ فقال: القمر. وما شيء لا يزيد ولا ينقص؟ قال: البحر. قال: وما شيء ينقص ولا يزيد؟ قال: العمر.
عن كتاب القضاء: وعن مناقب محمد بن يوسف الكنجي مسنداً عن ابي صالح قال: جلس جماعة من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتذاكرون، فتذاكروا الحروف واجمعوا ان الالف اكثر دخولا في الكلام. فقام مولانا امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام فخطب هذه الخطبة على البديهة، فقال صلوات الله عليه: حمدت وعظمت من عظمت منته وسبغت نعمته وسبقت رحمته غضبه وتمت كلمته ونفذت مشيته وبلغت قضيته، حمدته حمد مقر لربوبيته متخضع لعبودتيه، متنصل من خطيئته، معترف بتوحيده مؤمل من ربه مغفرة تنجيه يوم يشغل عن فصيلته وبنيه “يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته واخيه * وفصيلته التي تؤويه * ومن في الارض جميعاً ثم ينجيه” (المعارج 11-14) “يوم يفر المرء من اخيه * وامه وابيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرئ يوميذ شأن يغنيه” (عبس 34-37) . ونستعينه ونسترشده ونستهديه ونؤمن به ونتوكل عليه. وشهدت له تشهد مخلص موقن. فرته تفريد مؤمن متيقن ووحدته توحيد عبد مذعن. ليس له شريك في ملكه، ولم يكن له ولي في صنعه. جل عن مشير ووزير وعون ومعين ونظير، علم فستر ونظر فخبر وملك فقهر وعصي فغفر، وحكم فعدل، لم يزل وان يزول ليس كمثله شيء، وهو قبل كل شيء بعد كل شيء رب متفرد بعزته متمكن بقوته متقدس بعلوه، متكبر بسموه ليس يدركه بصر وليس يحيط به نظر. قوي منيع بصير سميع حليم حكيم رؤوف رحيم، عجز عن وصفه من يصفه وضل عن نعته من يعرفه، قرب فبعد وبعد فقرب. يجيب دعوى من يدعوه ويرزقه ويحبوه، ذو لطف خفي، وبطش قوي ورحمة موسعة وعقوبة موجعة، رحمته جنة عريضة مونقة، وعقوبته جحيم ممدودة “في عمد ممددة” (الهمزة 9) موبقة. وشهدت ببعثة محمد عبده ورسوله وصفيه ونبيه وخليله وحبيبه، صلي عليه ربه صلاة تحظية وتزلفه وتعليه وتقربه وتدنيه. بعثه في خير عصر وحين فترة وكفر، رحمة لعبيده ختم به نبوته ووضح به حجته فوعظ ونصح وبلغ وكدح. رؤوف رحيم بكل مؤمن رضي ولي زكي عليه رحمة وتسليم وبركة وتكريم من رب غفور رحيم قريب مجيب. وصيتكم جميع من حضر بوصية ربكم وذكرتكم سنة نبيكم. فعليكم برهبة تسكن قلوبكم وخشية تذري دموعكم وتقية تنجيكم قبل يوم يذهلكم ويبليكم. يوم يفوز فيه من ثقلت وزن حسنته وخف وزن سيئته. لتكن مسألتكم وملقكم مسألة ذل وخضوع وشكر وخشوع وتوبة ونزوع وندم ورجوع. وليغتنم كل مغتنم منكم صحته قبل سقمه وشبيبته قبل هرمه وكبره، وفرصته وسعته وفرغته قبل شغله وغنيته قبل فقره وحضره قبل سفره. من قبل ان يهرم ويكبر ويمرض ويسقم ويمله طبيبه ويعرض عنه حبيبه وينقطع عمره ويتغير لونه ويقل عقله. قيل قولهم: هو موعوك وجسمه منهوك. قبل جدة في نزع شديد وحضور كل قريب وبعيد. قبل شخوص بصره وطموح نظره ورشح جبينه وخطف عرنينه وسكون حنينه وحديث نفسه وبكى عرسه ويتم منه ولده وتفرق عنه عدده وصديقه وقسم جمعه وذهب بصره وسمعه وكفن ومدد، ووجه وجرد وعري وغسل ونشف وسجي وبسط له وهيء، ونشر عليه كفنه وشد منه ذقنه وقمص وعمم ودع عليه وسلم وحمل فوق سريره وصلي عليه ونقل من دور مزخرفة وقصور مشيدة وحجر منجدة، فجعل في ضريح ملحود وضيق مرصود بلبن منضود مسقف بجلمود. وهيل عليه عفره وحثى عليه مدره وتحقق حذره ونسي خبره، ورجع عنه وليه وصفيه ونديمه ونسيبه، وتبدل به قريبه وحبيبه. فهو حشو قبر ورهين قفر يسعى في جسمه دود قبره ويسيل صديده على صدره ونحره، يسحق برمته لحمه وينشف دمه ويرم عظمه، حتى يوم حشره ونشره، فينشر من قبره وينفخ في صوره ويدعى بحشره ونشره. فثم بعثرت قبور وحصّلت سريرة صدور “أفلا يعلم اذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور” (العاديات 9-11) وجيء بكل نبي “وجيء بالنبييين والشهداء ” (الزمر 69) وصدّيق وشهيد ونطيق وقعد للفصل رب قدير بعبده بصير خبير. فلكم من زفرة تعنيه وحسرة تقصيه في موقف مهيل ومشهد جليل بين يدي ملك عظيم بكل صغيرة وكبيرة عليم. حينئذ يلجم عرقه ويحصره قلقه. عبرته غير مرحومة وصرخته غير مسموعة وحجته غير مقبولة. تنشر صحيفته وتبين جريرته. حيث نظر في سوء عمله وشهدت عينه بنظره ويده وبطشه “يوم تشهد عليهم السنتهم وايديهم وارجلهم بما كانوا يعملون” (النور 24) “وما كنتم تستترون ان يشهد عليكم سمعكم ولا ابصاركم” (فصلت 24) ورجله بخطوه وفرجه بلمسه، وجلده بمسه، وتهدده منكر ونكير، وكشف عن حيث يصير، فسلسل جيده، وغلغل ملكة يده. وسيق يسحب فورد جهنم بكرب وشدة وظل يعذب في جحيم ويسقى شربة حميم تشوي وجهه وتسلخ جلده وتضرب زبنيته بمقمع من حديد، يعود جلده بعد نضجه “كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها” (النساء 56) كجلد جديد يستغيث، فتعرض عنه خزنة جهنم ويستصرخ فلم يجب، ندم حيث لا ينفعه ندمه. نعوذ برب قدير من شر كل مصير، ونسأله عفو من رضي عنه، ومغفرة من قبل منه، فهو ولي مسألتي ومنجح طلبتي. فمن زحزح عن تعذيب ربه جعل في جنته بقربه، وخلد في قصور مشيدة. وملك حور عين وحفدة( ) ، وطيف عليه بكؤوس وسكن حظيرة قدس في فردوس، وتقلب في نعيم، ويسقى من تسنيم “ومزاجه من تسنيم” (المطففين 27) وشرب من سلسبيل “عيناً فيها تسمى سلسبيلاً” (الانسان 18) قد مزج بزنجبيل “ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً” (الانسان 17)، فتم بمسك مستديم للملك مستشعر للسرور، ويشرب من خمور في روض مغدق ليس ينزف عقله. هذه منزلة من خشي ربه وحذر نفسه “ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي” (يوسف 53) وتلك عقوبة من عصى منشئه، وسولت له نفسه معصيته. فهو قول فصل وحكم عدل. قصص قص ووعظ نص. تنزيل من حكيم حميد نزل به روح قدس منير مبين من عند رب كريم على قلب نبي مهتد رشيد. وسيد صلت عليه رسل سفرة مكرمون بررة، عزت برب عليم حكيم قدير رحيم من شر عدو “ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً” (فاطر 6) لعين رجيم، يتضرع متضرعكم ويبتهل مبتهلكم ونستغفر رب كل مربوب لي ولكم. ثم قرأ امير المؤمنين علي عليه السلام: “تلك الدار الاخرة تجعلها للذين لا يريدون علواً في الارض ولا فساداً والعاقبة للمتقين” (القصص 83).
جاء في كتاب فقه الاخلاق للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره: التفكر في الخلق: هو من الأمور التي حثَّ عليها القرآن الكريم كثيراً، وهو فقهياً من المستحبات المؤكدة، التي لها آثارٌ وضعيةٌ جليلةٌ ومحمودة، وحيث لم يعزل له الفقهاء مكاناً في فقههم، ناسب ذكره في مقدمة العبادات. وقد حثَّ عليه القرآن الكريم بأساليبَ مختلفةٍ عديدةٍ، نذكر منها: أولاً: الحثُّ على التفكير كقوله تعالى: “وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً”. وقد ورد قوله: “إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” خمسة أو ستة مراتٍ في القرآن الكريم إلى غير ذلك من الآيات. ثانياً: الحثُّ على التفقه، كقوله تعالى: “انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ”. وغيرها كثير. ثالثاً: بعنوان الآيات، وهي الآيات الأنفسية والآفاقية، يعني ما يكون داخل النفس وفي خارجها من العجائب، وقد ورد لفظ “آية” في القرآن أربعاً وثمانين مرة ولفظ “الآيات” مئـةً وثمانيـةً وأربعين مرة. رابعاً: الحثُّ على النظر، كقوله تعالى: “أوَ لم يَنظرُوُا فيِ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرض”، وغيرها. خامساً: الحثُّ على البصر أو الأبصار، كقوله تعالى: “وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ” مع شجب التعامي وعدم استعمال البصر “أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَ” وقوله:” لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا. سادساً: الحثُّ على استعمال العقل. قال سبحانه: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا. وقد تكرر قوله: “إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون”، وما في مضمونه القريب حوالي ثماني مراتٍ في القرآن الكريم. كما شجب القرآن إهمال العقل وعدم استعماله في آياتٍ عديدةٍ، منها قوله تعالى: “وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُون”. سابعاً: الحثُّ على استعمال اللبِّ وهو العقل، وأن يكون الفرد من ذوي الألباب. وقد ورد قوله:” أُولُو الأَلْبَابِ” ستَّ عشرة مرة. منها قوله تعالى: “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لِأولِي الأَلْبَاب”. ثامناً: ذكر الآيات الكونية واحدةً واحدةً، كنزول المطر وإنبات الزرع وخلق الحيوان وخلق الجنين والليل والنهار والرعد والبرق والحليب وأنواع الفواكه والخضر، وغير ذلك في آياتٍ كثيرةٍ لامجال لاستقصائها. تاسعاً: شجب الأعراض وهو عدم الإلتفات إلى الآيات الكونية والتهاون في أمرها، كقوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. وقد ورد لفظ “مُعْرِضُونَ” و”مُعْرِضِينَ” تسع عشرة مرةً في القرآن الكريم. عاشراً: الحثُّ على المعرفة، كقوله تعالى: “وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا”. حادي عشر: الحثُّ على استهداف اليقين، أو حصوله لدى الفرد، نتيجة للنظر والتفكر كقوله تعالى: “وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ وشجب حالة عدم اليقين كقوله تعالى:بَلْ لا يُوقِنُونَ”. وقوله سبحانه: “وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُون”. ثاني عشر: الحثُّ على السير في الأرض والتجول فيها لأجل حصول العبرة منها، كقوله تعالى: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا”، وقوله سبحانه: “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ” (غافر 21). وقد تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم، حوالي أربع عشرة مرة، منها سبع مرات بصيغة الأمر: “سِيرُوا”. ثالث عشر: الحثُّ على أخذ الإعتبار أو العبرة من الآيات الكونية كقوله: فاعتَبرُوا يا أوليِ الـأبصار وقوله: “إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً”، وغيرها. رابع عشر: الإنذار بالعذاب لمن ترك التفكير والإعتبار به، كقوله تعالى: “الّذِينَ كَذَّبُوا بآياتِنَا يَمَسهم العَذابُ بمَا كَانُوا يَفسُقُونَ” وقوله: “رَبّنَا مَا خَلَقتَ هذَا باطِلاً سُب