صحيفة نيويورك تايمز: واشنطن تجمّد التعاون الأمني مع بغداد وتدخل مرحلة تصعيد جديدة

أعضاء من كتاب حزب الله خلال موكب عزاء في بغداد لأحد رفاقهم الذي قُتل بغارة أمريكية إسرائيلية

إيهاب مقبل

نشرت صحيفة نيويورك تايمز يوم الثلاثاء 21 أبريل نيسان الجاري، تقريرًا بعنوان “الولايات المتحدة تكثف ضغوطها على العراق لينأى بنفسه عن إيران”، تناولت فيه تصاعد التوتر بين واشنطن وبغداد في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك النفوذ بين واشنطن وطهران داخل الساحة العراقية. ولم يقتصر التقرير على عرض الوقائع، بل حمل في طياته رسائل سياسية متعددة، مباشرة وأخرى ضمنية، تعكس طبيعة الصراع الدائر وحدود قدرة العراق على المناورة بين طرفين متنافسين.

الضغوط الأمريكية وأدواتها المباشرة
يبرز في التقرير بشكل واضح أن أمريكا الشمالية تسعى إلى دفع العراق نحو اتخاذ موقف حاسم ضد إيران، متجاوزة بذلك مرحلة التوازن التي حاولت بغداد الحفاظ عليها لسنوات. فالمطلب الأمريكي لم يعد ضمنيًا أو قابلًا للتأويل، بل أصبح صريحًا ويتمثل في تفكيك الفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بطهران. وفي هذا السياق، جاء التأكيد الأمريكي الحاد: “الولايات المتحدة لن تتسامح مع الهجمات على مصالحها، وتتوقع من الحكومة العراقية اتخاذ جميع الإجراءات فورًا لتفكيك الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران”.

ولتحقيق هذا الهدف، لم تكتفِ واشنطن بالتصريحات، بل لجأت إلى أدوات ضغط عملية، أبرزها تعليق الدعم الأمني والتمويل، وهو ما يعكس تحولًا في طبيعة العلاقة بين الطرفين من شراكة أمنية إلى علاقة مشروطة. كما أشار التقرير بوضوح إلى أن: “علّقت الولايات المتحدة تعاونها وتمويلها لأجهزة الأمن العراقية”.

هذا التحرك يكشف عن رسالة أعمق، مفادها أن الدعم الأمريكي لم يعد منفصلًا عن السلوك السياسي، بل أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بموقف العراق من إيران. بمعنى آخر، الأمن بات أداة لإعادة تشكيل القرار السياسي العراقي، وهو ما يعكس تحولًا في الاستراتيجية الأمريكية في التعامل مع بغداد.

وفي الوقت ذاته، يحمّل التقرير الفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بإيران مسؤولية التصعيد، حيث يشير إلى أن: “ميليشيات مدعومة من إيران أعلنت مسؤوليتها عن عدد من هذه الهجمات”. وهو ما يبرر، من وجهة النظر الأمريكية، حجم الضغوط المفروضة على العراق.

هشاشة الدولة العراقية وتعقيد القرار الداخلي
بعيدًا عن الرسائل المباشرة، يكشف التقرير ضمنيًا عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الدولة العراقية نفسها. فهو يلمّح إلى أن العراق لا يمتلك استقلالية كاملة في قراره، بل يخضع لتوازنات داخلية معقدة تتداخل فيها القوى الرسمية مع الفاعلين المسلحين غير الرسميين. ويتجلى هذا المعنى في العبارة التحليلية الواضحة: “حدود الدولة العراقية نفسها غير واضحة.”

هذه العبارة تختصر واقعًا سياسيًا معقدًا، حيث تتداخل السلطة الرسمية مع نفوذ الفصائل المسلحة العراقية، ما يجعل تنفيذ أي قرار سيادي، مثل تفكيك هذه الجماعات، أمرًا بالغ الصعوبة، بل وربما محفوفًا بالمخاطر.

إرث الغزو الأمريكي وصعود النفوذ الإيراني
يستحضر التقرير بشكل غير مباشر نتائج الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، مشيرًا إلى أن البلاد لا تزال تعاني من تداعيات ذلك الحدث حتى اليوم. فقد أورد أن العراق: “لا يزال يعاني من آثار عميقة واضطرابات شبه مستمرة منذ الغزو الأمريكي”.

وهذا التوصيف يحمل نقدًا ضمنيًا للسياسة الأمريكية، إذ يشير إلى أن التدخل العسكري لم يؤدِ إلى بناء دولة مستقرة، بل أسهم في إضعافها وخلق فراغ استراتيجي. هذا الفراغ استغلته إيران بفعالية بحسب الصحيفة، حيث يؤكد التقرير أن: “إيران أثبتت أنها الأكثر قدرة على استغلال فراغ السلطة وبسط نفوذها داخل العراق”.

وبذلك، يظهر العراق كمساحة تنافس غير متكافئ، حيث تمكنت طهران من ترسيخ نفوذ عميق عبر أدوات متعددة، سياسية وعسكرية.

معضلة تفكيك الفصائل المسلحة واستحالة الحل السريع
من أبرز ما يطرحه التقرير ضمنيًا هو صعوبة، بل وربما استحالة، تنفيذ المطالب الأمريكية على المدى القريب. فالفصائل المسلحة العراقية ليست مجرد جماعات منفصلة، بل أصبحت جزءًا من البنية السياسية والأمنية والاقتصادية في البلاد. ويعزز هذا الطرح ما ورد على لسان أحد الخبراء: “المشكلة ليست مجرد نقص في الإرادة أو القدرة، بل إن حدود الدولة نفسها غير واضحة.”

هذا يعني أن أي محاولة لتفكيك هذه الفصائل قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة، تصل إلى حد زعزعة استقرار الدولة أو حتى انهيارها، وهو ما يجعل القرار العراقي أكثر تعقيدًا.

تناقض الضغوط الأمريكية وصراع النفوذ
يكشف التقرير أيضًا عن تناقض في الموقف الأمريكي، حيث تمارس واشنطن ضغوطًا قوية على بغداد، لكنها في الوقت ذاته تتجاهل، أو تقلل من شأن، واقع أن الدولة العراقية ليست كيانًا موحدًا قادرًا على تنفيذ هذه المطالب بسهولة. ويعبّر عن هذا التناقض بوضوح القول: “الضغط الأمريكي يستند إلى افتراض خاطئ بأن الحكومة العراقية يمكن أن تتصرف كجهة موحدة ومستقلة.”

وفي هذا السياق، يتضح أن القضية لا تتعلق فقط بهجمات أمنية، بل هي جزء من صراع جيوسياسي أوسع بين أمريكا الشمالية والجمهورية الإسلامية، حيث يشكّل العراق ساحة مركزية لهذا التنافس. كما تحمل الإشارات المتكررة إلى الهجمات والتحذيرات الأمنية دلالة على احتمال تصاعد الوضع، خاصة مع التحذير من أن: “ميليشيات مدعومة من إيران تخطط لشن هجمات ضد مواطنين أمريكيين وأهداف مرتبطة بالولايات المتحدة”.

خاتمة: العراق بين ضغوط الخارج وتعقيدات الداخل
في المحصلة، يقدّم التقرير صورة مركّبة للعراق بوصفه دولة عالقة بين قوتين متنافستين، وغير قادرة على التحرك بحرية كاملة. فالعراق، كما يظهر من خلال هذا التحليل، ليس مجرد طرف في الأزمة، بل هو ساحة لها. ومن هنا، فإن أي محاولة لفرض خيار سياسي عليه، سواء بالضغط أو بالإكراه، قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وربما خطيرة.

وبين ضغوط الخارج وتعقيدات الداخل، يبقى العراق أمام معادلة صعبة، حيث لا يبدو أن هناك خيارًا سهلًا أو سريعًا، بل مسار طويل من التوازنات الدقيقة التي قد تحدد مستقبل الدولة واستقرارها في المرحلة المقبلة.

المرجع: الولايات المتحدة تكثف ضغوطها على العراق لينأى بنفسه عن إيران، صحيفة نيويورك تايمز، 21 أبريل نيسان 2026

https://www.nytimes.com/2026/04/21/world/middleeast/us-iraq-security-cooperation.html

انتهى