إيران بين عسكرة الخطاب وعقلانيته: من يتخذ القرار؟

إيران بين عسكرة الخطاب وعقلانيته: من يتخذ القرار؟

بقلم : د. حسام البدري

تقف إيران عند مفترقٍ بالغ الحساسية بين عسكرة الخطاب وعقلانيته، حيث لا يُختزل التباين في التصريحات في اختلاف نبرات، بل يتكشّف كعرضٍ بنيوي لانقسامٍ عميق في هندسة القرار. بين “صقور” يستثمرون فائض الرمزية الثورية في خطابٍ تعبوي يقترب من تخوم الهاوية، و“حمائم” يشتغلون على براغماتيةٍ تفاوضية تُبقي قنوات الاشتباك الدبلوماسي مفتوحة، يتشكّل فضاءٌ سياسي تتنازع فيه المرجعيات وتتعالق فيه الإشارات، بحيث يغدو كل تصريحٍ احتمالًا مؤجّل الدلالة لا حقيقة مكتملة.

هذا التنافر ليس عارضًا، بل هو التعبير الأكثر كثافة عن جدليةٍ داخلية بين منطق الثورة ومنطق الدولة؛ بين نزوعٍ إلى تأبيد الردع عبر تصعيدٍ لفظي مشحون، ومسعى إلى إدارة التوازنات ضمن حدود الانكشاف المحسوب. وعليه، يتحول تضارب الخطاب إلى أداة اشتغال مزدوجة: فهو من جهة مرآة لانقسامٍ فعلي في دوائر التأثير، ومن جهة أخرى تقنية تفاوضية لتشتيت إدراك الخصم ورفع كلفة التقدير لديه.
ضمن هذا الإطار، تتقدّم الأذرع الإقليمية والبرنامج الباليستي بوصفهما رافعتين تفاوضيتين مركزيتين. فالأذرع لم تعد مجرد امتدادٍ جغرافي للنفوذ، بل تحوّلت إلى أوراق ضغط مرنة تُدار وفق إيقاع اللحظة السياسية، في حين تعمل المقاربة الأميركية على تفكيك هذه المنظومة عبر فصل الساحات وإعادة تعريف كل ساحة على حدة، بما يُضعف من قدرتها ككتلة استراتيجية متماسكة. أما البرنامج الباليستي، فرغم تراجع مركزيته كأداة تهديد حاسم بفعل تحوّل البيئة الاستراتيجية، ما يزال يُستثمر رمزيًا داخل معادلة الردع، بوصفه عنوان القدرة لا وسيلة الاستخدام المباشر.

أما المفاوضات المرتقبة، فالأرجح أن تتخذ شكل اتفاق إطاري يؤجل الحسم ولا ينهيه، يركّز على الملف النووي باعتباره المدخل الأكثر إلحاحًا، مع ترحيل القضايا الأكثر تعقيدًا إلى مراحل لاحقة. فطهران، الساعية إلى تثبيت حقها في التخصيب—even عند حدوده الدنيا—تتعامل مع هذا الملف كرمزية سيادية، تحاول من خلالها إنتاج سردية انتصار داخلي، بينما تعتمد خارجيًا استراتيجية رفع منسوب التوتر والاقتراب من حافة التصعيد، بما يوحي بأنها تفاوض من موقع قوة لا استجابة لضغط.

في المحصلة، يتحوّل التناقض إلى أداة إدارة، والتصعيد إلى لغة تفاوض، فيما يتوارى القرار داخل منطقة رمادية تتداخل فيها المؤسسات وتتقاطع فيها الصلاحيات. ومع اقتراب لحظة مفصلية بانتهاء الهدنة اليوم عند الساعة 23:20 بتوقيت غرينش ،يتكثف هذا الغموض ليصبح جزءًا من المشهد ذاته، حيث لا تُحسم الخيارات بقدر ما يُعاد تدويرها، ولا تُغلق الأبواب بقدر ما تُترك مواربة على احتمالات مفتوحة.