مهزوزون على عروش الاوهام : تشريح نفسي اجتماعي لظاهرة هشاشة الشخصية العراقية المعاصرة

رياض سعد

مقدمة: حين تكون الأعصاب أسلاكاً عارية
ليس من قبيل المبالغة القول إن ثمة ظاهرة نفسية اجتماعية باتت تستوقف المراقب المدقق في المشهد العراقي الراهن، ظاهرة لا تخطئها عين المحلل ولا يغفل عنها فطن: حالة من الاهتزاز النفسي العميق، والهشاشة العاطفية المزمنة، التي غدت سمة طاغية على شرائح واسعة من المجتمع… ؛ إنه ذلك الكائن البشري الفريد الذي يمشي على قدمين لكن أعصابه مكشوفة للهواء الطلق كأسلاك الضغط العالي؛ ينتفض لأتفه الأسباب، وتثور ثائرته لأبسط كلمة لم ترقه نبرتها، فتنهار ثقته بنفسه وبمحيطه عند أول اختبار بسيط، ليلجأ تلقائيًا إلى العنف اللفظي أو الجسدي، ويغلب عليه سوء الظن المزمن بالآخرين وتوجس النوايا الخبيثة في كل قول أو فعل … !!
إننا أمام شخصية ” العراقي المهزوز “، تلك البنية النفسية الهشة التي تبدو عصية على الفهم السطحي، فهي ليست مجرد انفعال عابر أو مزاج سيئ، بل هي تشكّل ثقافي ونفسي متجذر، يلامس أدق تفاصيل الحياة اليومية، من تحية الصباح إلى طبق الطعام، مرورًا بالتاريخ والأنساب والملامح… ؛ وكما سنرى، فإن هذه الهشاشة ليست قدرًا محتومًا ولا سمة جوهرية في “الطينة العراقية”، بل هي نتاج تراكمات تاريخية واجتماعية معقدة، يمكن تفكيكها ونقدها، تمهيدًا لتجاوزها .
نعم , ليس سراً أن ثمة ظاهرة لافتة في المجتمع العراقي المعاصر، تستحق أن نضعها على مشرحة التحليل النفسي والاجتماعي معاً، ألا وهي “شخصية الاهتزاز المزمن” أو ما يمكن تسميته بـ”الهشاشة النفسية الجماعية”… ؛ إنه ذلك الكائن الأسطوري المتناقض الذي يمشي على قدمين، لكن أعصابه مكشوفة للهواء الطلق كأسلاك الكهرباء العارية؛ يفتقد الثقة بنفسه وبمن حوله، وسرعان ما ينزعج لأتفه الأسباب، ويميل إلى العنف والهجوم وسوء الظن كردود فعل آلية لا تخضع لمراجعة داخلية … .
هذا الإنسان لا يتحمل نقاشاً أو مزاحاً حول ثوابته وعاداته وتقاليده وتصرفاته بل وحتى اخطاءه وهفواته … ، حتى لو كان ذلك في إطار بريء، بل يرى في كل كلمة تقال عنه مؤامرة كونية تستهدف كرامته وجذوره… ؛ كأنما حين خلق الله هذا الكائن البشري الفريد، أضاف إلى طينته جرعة زائدة من الكبرياء والعنفوان والاعتداد بالنفس، وقلل من العناصر الأخرى الضرورية كالواقعية، واللامبالاة الصحية، والصبر، والتواضع المتوازن، والحلم، والمرونة … .

القسم الأول: مظاهر الهشاشة – حين تتحول الحياة اليومية إلى حقل ألغام
تضخم الذات الجريحة
تتجلى هذه الهشاشة في أبرز صورها من خلال ردود الفعل المبالغ فيها تجاه أي حديث يمس، أو يُظن أنه يمس، أي مفردة من مفردات الهوية المتعددة والمتداخلة… ؛ إنه خوف مزمن، ليس من النقد الموضوعي، بل من مجرد الاقتراب اللفظي من ثوابت أصبحت خطوطًا حمراء لا يجوز حتى التلويح بالمزاح البريء على مقربة منها… ؛ كالعشيرة،و الدين، والمذهب، والشخصيات التاريخية أو المقدسة، وحتى الأغاني الشعبية والمأكولات واللهجة المحلية، كلها تحولت في المخيال الجمعي المهزوز إلى حرمات يُحرّم المساس بها … .
والمفارقة المدهشة أن رد الفعل لا يتناسب طرديًا مع حجم “الإهانة” المفترضة… ؛ اذ يمكن للمرء أن يوجه أقسى الشتائم الشخصية للبعض لمجرد مخالفة مرورية غير مقصودة في الشارع العام … ؛ ويمكن للمرء أن ينتقد فساد الدولة والمنظومة السياسية برمتها فيصفق له… ؛ لكن، حاذر ألف مرة أن تمس بنقد، ولو عابرًا، “أكلة الباجة” أو اسم “جدّه الخامس” الرمز العشائري، أو أن تذكر مذهبه في سياق لا يروق له… ؛ عند تلك اللحظة الحرجة، يحدث التحول: يختفي الصديق المتفهم ليحل محله مدافع شرس يرى في كلمتك البريئة مشروعًا كونيًا يستهدف محو هويته من جذورها… ؛ إنها معادلة نفسية مقلوبة: المقدس لا يُمس، لكن ما هو مقدس يتسع ليشمل كل شيء، حتى طبق التمن والقيمة … .
نعم , يتجسد “العراقي المهزوز” في ردود أفعاله المبالغ فيها تجاه أي حديث يمس مفردة من مفردات هويته المتعددة. فهو يخاف من أي نقاش حول عشيرته أو دينه أو مذهبه، ويثور إن تطرق أحد إلى أغانيه الشعبية أو تاريخه الموغل في القدم أو شخصياته المقدسة… ؛ بل يمتد الأمر ليشمل مأكولاته ولغته وعاداته وتقاليده، وكأن كل هذه المفردات تشكل خطوطاً حمراء لا يجوز الاقتراب منها حتى بالمزاح البريء … .
المفارقة العجيبة أن هذا المخلوق لا يحتاج إلى سبب حقيقي كي ينفجر، بل يحتاج فقط إلى “سوء ظن مزمن”… ؛ لديه قابلية مدهشة على تحويل كلمة “صباح الخير” بنبرة لم تعجبه إلى مؤامرة، وقد تتحول عبارة السلام عليكم إلى قضية رأي عام …!!

تشريح المفارقة: المزحة التي تتحول إلى قضية أمنية
هذه الهشاشة لا تحتاج إلى سبب حقيقي كي تنفجر، بل تحتاج فقط إلى سوء ظن مزمن ومستعد للاشتعال… ؛ إنها قابلية مدهشة على تحويل جملة “صباح الخير” إن ألقيت بنبرة “غير لائقة” إلى قضية رأي عام تستنفر الجمع… ؛ إن تحويل تعليق عابر عن نكهة طعام إلى ملف أمني شائك يتطلب تدخل “شيوخ المطبخ” للدفاع عن شرف “القيمة” أو أصالة “الدولمة”… ؛ في هذا السياق، يصبح المزاح، وهو أقدم صمام أمان نفسي لدى البشر، متهَمًا دائمًا، وتُفَتَّش النكات عن “نوايا مريبة” وكأن كل ضحكة تحتمل أن تكون بيانًا سياسيًا مطويًا… ؛ الحياة اليومية تتحول إلى سير في حقل ألغام حيث كل كلمة قابلة للتأويل السلبي، وكل صمت قابل للاتهام بالتواطؤ … .

القسم الثاني: متاهة الأصول والتشابه – قصة التشبيه بالهندي كمثال
جغرافية الملامح وهوس النقاء
وهنا نصل إلى أم المهازل، وإحدى أبرز شواهد الهشاشة النفسية: فالعراقي يشمئز من تشبيهه بالإيراني أو الهندي أو الأفغاني أو الأعرابي الصحراوي، فضلاً عن تشبيهه بالزنجي والإفريقي، وكأنه مخلوق من طينة مغايرة لا تمت للبشر العاديين بصلة… ؛ إنه ينسى، أو يتناسى، أن شعوب هذه المنطقة الجغرافية الواسعة تتشابه في الملامح والصفات بفعل آلاف السنين من الهجرات والتداخلات والغزوات والتمازج البشري ، وكأن التشبيه بالآخرين جريمة لا تغتفر، أو سبة، أو تشكيكاً بالأصل والنسب والحسب …!!
مع أن شعوب الشرق متشابهة في بعض الملامح والصفات، حتى قال أحدهم: “إن أشبه أمة بالعرب هم الهنود”… ؛ وبات المثل الشعبي البغدادي “شفتنا سود حسبالك هنود” يتداول بين الناس، كاشفاً أن لون البشرة العراقية أو البغدادية – في جزء منها – متشابه مع لون بشرة الهنود… ؛ لكن رغم ذلك، يهرب العراقي من هذا التشبيه هروبه من الأسد …!!
وهذا مجرد تشبيه جغرافي بحت ؛ يقوم على تقارب الملامح الشرق أوسطية، ولكنه قد يتحول إلى معركة هوياتية كبرى تنقسم فيها الساحة إلى فريقين: فريق يصرخ “نعم، أصلهم هنود” وكأنه اكتشف نظرية المؤامرة الكبرى، وفريق آخر ينتفض غاضبًا “كلا، نحن أصحاب القلاع الشامخة والجذور الضاربة في أعماق الرافدين”، وكأن الهندي ليس له جذور ضاربة في حضارة موغلة في القدم، أو كأنه هبط من كوكب المريخ قبل أسبوع …!!

سؤال المشكلة الحقيقية
هنا يجب أن نقف ونتساءل بموضوعية العالم النفسي والمحلل الاجتماعي: (شبيهم الهنود )؟
أو غيرهم من الأمم والشعوب؟
هل التشبيه بهندي أو أفغاني إهانة تسقط الانسان من العين؟
هل الهندي ليس بشرًا له تاريخ وحضارة وإرث إنساني عريق؟
إن الانزعاج المذعور من تشبيه بشعب يماثل تعداد سكانه سكان قارة بأكملها، يكشف أن المشكلة ليست في الهنود ولا في غيرهم، بل في العقل الجمعي الذي يرى في أي اختلاف أو تشابه إهانة، لأنه ينظر إلى الهوية لا كحقيقة تاريخية ديناميكية متغيرة، بل كجوهر “نقي” وثابت يجب الدفاع عنه كما لو كان وثيقة ملكية حصرية. إنه عقل يرفض فكرة التمازج والتداخل، لأنه يرى فيها تهديدًا لوجوده، وهذا هو جوهر الهشاشة.

القسم الثالث: جذور الظاهرة – سيكولوجيا الجماعة الجريحة
من الصدمة إلى الهشاشة
من منظور التحليل النفسي، يمكن فهم هذه الظاهرة كآلية دفاع مفرطة ضد شعور عميق بالنقص وعدم الأمان الهوياتي… ؛ فالفرد الذي يفتقر إلى الثقة الداخلية بذاته وبانتمائه، يصبح شديد الحساسية تجاه أي تهديد رمزي لهويته، مهما كان بسيطاً… ؛ إنه يعيش في حالة من “الترقب الاضطهادي” حيث يرى في كل مزحة هجوماً، وفي كل مقارنة استهدافاً .
ولكن ليس من الإنصاف ولا من الدقة العلمية النظر إلى هذه الهشاشة النفسية كسِمة عرقية أو قدر محتوم في “طينة العراقي”… ؛ إنها، بالأحرى، نتاج تراكمي لظروف تاريخية وسياسية واجتماعية معقدة وطويلة الأمد… ؛ فالحروب المتعاقبة، والعقوبات الاقتصادية الخانقة، والاحتلال، والاقتتال الطائفي، والفساد المستشري،وأخيراً انفجار وسائل التواصل التي حولت كل مواطن إلى قاضٍ وناقد ومتهم في آن … ؛ كلها عوامل شكلت صدمات نفسية جماعية متتالية .
هذه الصدمات تفعل آلية دفاع نفسي بدائية هي “الانكفاء على الذات” والتمترس خلف الهويات الأولية … .
حين تتآكل ثقة الفرد بمستقبله وبالدولة ومؤسساتها، وحين يشعر بأن إنسانيته منتهكة باستمرار، يبحث عن ملاذ آمن في هويات ضيقة وعصية على الاختراق: العشيرة، الطائفة، المنطقة… ؛ ويصبح الدفاع عن هذه الهوية، بأي ثمن، مسألة وجود وكرامة شخصية… ؛ إن عنفوان الأمس الذي تحدثت عنه الأسطورة، ذلك الكبرياء الجريح الذي لم يجد متنفسًا سليمًا، تحول إلى هشاشة حادة؛ لأنه يفتقد الأساس المادي والنفسي المتين الذي يجعله ثقة بالنفس لا تعويضًا عن نقص … .
لقد تحول الخوف من الآخر إلى ثقافة سائدة، وأصبح الدفاع عن الهوية أشبه بمعركة وجودية مستمرة، لا هوادة فيها ولا مساحة للمزاح أو المراجعة النقدية الذاتية .

جدلية الكبرياء والهشاشة
إن البعض يصف العراقي بما يلي : إن “العراقي” قد زيد في طينته من الكبرياء والعنفوان وقُللت عناصر الصبر والمرونة واللامبالاة الصحية … ؛ وهذا توصيف مجازي يلتقط جزءًا من الحقيقة… ؛ لكن التحليل النفسي الاجتماعي يرى أن هذا الكبرياء الظاهر ليس سوى قشرة دفاعية هشة تغطي بحرًا من انعدام الثقة بالذات وبالعالم… ؛ إنه التعويض – -في علم النفس الفردي، لكنه هنا ظاهرة جماعية… ؛ كلما شعرت الجماعة بضعف داخلي، تضاعفت مظاهر البطولة الكلامية والغضب السريع، لأنهما أسهل من فعل البناء والتغيير الحقيقيين… ؛ فالشخصية الواثقة من نفسها ومن هويتها لا تنزعج من مزحة بريئة، لأنها لا ترى فيها تهديدًا وجوديًا… ؛ أما الشخصية المهزوزة فترى في كل ابتسامة سخرية، وفي كل تشبيه إهانة، لأن صورتها عن ذاتها ليست مستقرة من الداخل .

خاتمة: نحو يقظة الذات ونقدها – الطريق إلى ما بعد الهشاشة
إن تشخيص ظاهرة الهشاشة النفسية الجماعية في المجتمع العراقي ليس غاية في ذاته، وليس إدانة مجانية، بل هو الخطوة الأولى والأكثر إيلامًا في طريق التعافي… ؛ إنه نقد ذاتي بناء يهدف إلى إضاءة مناطق الظل في العقل الجمعي، ليس بهدف التحقير، بل بهدف الفهم والتجاوز … .
العراق، بتاريخه النهري المتدفق والمتداخل، ليس جزيرة منعزلة عن محيطها الحضاري والبشري… ؛ هو فضاء تعددي وتمازجي بامتياز، وتاريخه الطويل من الهجرات والغزوات والتبادل الثقافي يجعله يشبه نهرًا عظيمًا لا يمكن أن تمسك مياهه عند نقطة واحدة وتقول: “هذه هي الحقيقة النهائية الوحيدة”… ؛ و فكرة “النقاء” العرقي أو الثقافي هي فكرة غير دقيقة علميًا وتاريخيًا، والتمسك بها كحصن ضد الآخرين هو أحد مصادر الهشاشة نفسها … .
التعافي يبدأ بالوعي، وبالتمييز بين المزاح والسخرية الهادفة للإساءة، وبين النقد البناء والتجريح… ؛ و يبدأ بترسيخ ثقافة حوار متزنة، تسمح بمناقشة التاريخ والهوية والعادات دون انفعال يسبق الفهم، ودون سوء ظن يفسد كل معاني التواصل… ؛ فالعراقي الواثق من هويته، المطمئن إلى تاريخه وتراثه وعمقه الحضاري ، هو القادر على أن ينظر إلى هذا التراث بعين الفخر المطمئن الذي لا يخاف النقد ولا يهاب المزاح، ويدرك أن التنوع والتداخل ليسا تهديدًا، بل هما مصدر ثراءه وإنسانيته الحقيقية .
إن الدفاع عن الهوية الثقافية أمر طبيعي ومفهوم، لكن الإشكال يظهر عندما يتحول هذا الدفاع إلى انغلاق هوياتي يرفض أي تأثير أو تشابه أو مزاح. والتاريخ العراقي نفسه يتميز بكونه تاريخ تداخل حضارات وهجرات (سومر، أكد، بابل، آشور، فارس، عرب، عثمانيون…)، ما جعله فضاءً متنوعاً تشكل عبر آلاف السنين، وهو ما يجعل فكرة “النقاء العرقي” أو “الانغلاق الهوياتي” فكرة غير دقيقة علمياً وتاريخياً.
إنها ليست دعوة للتخلي عن الخصوصية الثقافية، بل دعوة للتشبث بها من موقع قوة وثقة، لا من موقع خوف وانكفاء… ؛ فالقلاع الشامخة لا تخشى الريح، والجذور الضاربة في الأعماق لا تقتلعها نسمة عابرة… ؛ و رحلة تجاوز الهشاشة هي رحلة شاقة تبدأ من الداخل، من إعادة بناء الذات الفردية والجمعية على أساس أكثر متانة: أساس الوعي النقدي، والثقة المستندة إلى إنجاز الحاضر لا إلى أمجاد الماضي وحده، والتسامح الذي يرى في الآخر المختلف، والمتشابه أيضًا، شريكًا في الإنسانية لا تهديدًا للوجود .
في النهاية، ليست المشكلة في اختلاف الناس أو حساسيتهم الفطرية، بل في اللحظة التي تتحول فيها الهوية من مساحة انتماء واحتضان إلى جدار صلب لا يسمح حتى بمرور خفة الظل… ؛ عندها فقط يصبح الحوار ثقيلاً، والمزاح خطيراً، والسكوت أحياناً أكثر أماناً مما يجب … .
فالمجتمعات التي تمتلك ثقة أعلى بهويتها عادة ما تتعامل مع النقاشات بهدوء أكبر، وتحولها إلى فرص للفهم بدل التصعيد… ؛ والمطلوب اليوم هو ترسيخ ثقافة الحوار المتزن، التي تسمح بمناقشة التاريخ والهوية والعادات دون انفعال، وبعيداً عن التعميم أو إساءة الظن، مع الحفاظ على احترام التنوع الذي يشكل جزءاً أصيلاً من هوية هذا البلد العريق .