الى محمد الأخرس
عبد الخالق كيطان
بالمصادفة، قرأت في أسبوع، رواية، ثم سيرة حياة مثقف عراقي “كبير”، هو نفسه كاتب الرواية. ورجاء، الأسم هنا ليس مقصدي بل الاستنتاجات.
بين الرواية والسيرة إعادة وتكرار مملّ جدا لسرد الاحداث ذاتها. إذن، الرواية بلا خيال، بل هي شذرات من حياة الكاتب. والكاتب يكرر في الكتابين نعت نفسه بالمثقف الكبير، الموسوعي، واسع الإطلاع. ولا أدري إن كان يحق له، أو لغيره، امتداح ثقافته بهذه الطريقة، المكرّرة؟
وفي الكتابين لمحة واضحة وصريحة عن حياة جيل اليسار العراقي في الستينيات والسبعينيات، واستنادا إلى الكتابين، فإن حياة مثقفي تلك الايام كانت مليئة بالرومانسية والجرأة والارستقراطية، إن شئت. مثلا: كانوا يفكرون ويتناقشون ويدخنون ويسكرون ويثملون بمنتهى الاريحيّة في منزل فلان أو فلانة. وبعد العام ١٩٦٨ اشترك بعضهم، كما يؤكد كاتبنا، في مجمل النشاط الثقافي العراقي صحافيا ونقابيا. بل ان الكاتب نفسه ذهب مبعوثا على نفقة دولة “البعث” الى أكثر من دولة فالتقى بأدبائها وفنانيها وكتابها ثم عاد إلى أرض الوطن سالما غانما. الاحوال ليست وردية تماما. لقد تعرض كاتبنا للاعتقال في العهد الجمهوري، ولكن “العلاقات” لعبت دورها فأطلق سراحه. وهو يسهب في ذكر محاولات السيدة والدته بإيصال ما لذّ وطاب من المأكل والملبس له خلال مدة سجنه. لا ينسى الكاتب التعريج على قصة “الاعتراف” وهو يمررها بوصفها شرّ لابد منه، او انها من لزوم ما لا يلزم. وإذ يخرج الكاتب، مضطرا كما يقول، أواخر السبعينيات، التي كانت ذهبية في نظره!، فإنه يعود إلى العراق بعد عشر سنوات بدعوة رسمية من وزارة الثقافة العراقية، رتّبها، كما يقول، تلميذه وكيل الوزارة، السيد نوري المرسومي، لحضور مهرجان المربد الشعري، مع انه لم يكن شاعرا!. حضر الكاتب الى بغداد والتقى بعائلته، التي هجرها لعقد من الزمان، وعاد من حيث أتى آمنا مطمئنا. في المنفى، وبالطبع نقصد عقد الحرب العراقية الايرانية، كان الكاتب “المناضل”، وبقلمه، يعيش في اوربا على نفقة منظمة التحرير الفلسطينية، متحررا من أي التزام اخلاقي ازاء وطنه، أو عائلته، ويقيم علاقات غرامية مع نساء مختلفات، وينسج علاقات ثقافية تقود الى مكافآت مالية مع اطراف مختلفة. انه يعيش في أوربا عيشة ملونة تختلف كليا عن معيش اقرانه في عراق الثمانينيات، وما أدراك ما عراق الثمانينيات….
وإنا من جيل لاحق. جيل ترعرع في حقبة الثمانينيات. وبالتالي فأنا اتحدث عن ثماني سنوات من الحرب مع إيران. وهذه مظلة. اما التفاصيل، فإن الحزب الواحد لم يعد حزبا. بل صار اسما عنوانه السيد الرئيس. والسيد الرئيس لم يكن يرضى بأنصاف الحلول. شعاره واحد: مقاتل معنا إو مجرد خائن. وكان أغلبنا من فئة الخونة. الكثير منّا كانوا من سيئي الحظ، فقتلوا، أعدموا، ثرموا، لم يعثر على جثثهم قط، اما المحظوظين، مثلي، فلقد نجوا، لا أدري كيف. بعضنا فرّ، بعضنا انتحر، وبعضنا كسر ذراعه لكي يصنّف: غير مسلّح. بالطبع لم تكن لنا أماس رومانسية، ومن أين لنا بها ولقد إجبرت النساء على التواري والرجال على تربية الشوارب؟ كنا بفحولة كاملة، تشبه ما يريده الحاكم: فحولة الحرب، شوارب، كرووش، وقصائد في مديحه، أو في ذمّه، بالسّر طبعا. في الشارع الذي تعيش فيه عائلتي، مثلا، لم يكن يمرّ أسبوع بلا مجلس عزاء بطله شاب “يخدم الوطن” بدمه نالت منه سهام “العدوّ” الايراني. كيف نكتب الشعر، إذن، بلا خمر، أو نساء، أو تجارب نقاشية حرّة، كما كانت عليه الحياة في زمن أستاذنا الكاتب المحترم في أول المقال؟ أما امهاتنا، وآه من الامهات، فكان شعارهن أن نبقى أحياء.
لا بأس.. كنا نتسمّر امام شاشات التلفزيون لمشاهدة خطابات السيد الرئيس، وفي اليد حفنة من حبّ الشمسي قمر، والفم مليئ بالقشور. نذهب إلى كلياتنا، المقاهي، النوادي ونحن نعرف أن لا حاجة إلى مخبر هنا، فنحن، كلنا، مخبرون، عن أنفسنا. ضعفاء حدّ اللعنة، وطيبون بشكل لافت للنظر. حتى لما كان بعضنا “يعارض”، فإنه يعارض في المراحيض، إذ ان السيد الرئيس كان يأنف من “الحضور”في مثل هكذا إماكن!
والان… ما هي مشكلتي مع الكاتب الذي كنت أتحدث عنه، وعن جيله؟
الحق أقول؛ هي ذاتها مشكلة الجيل اللاحق لي معي.
هذا الجيل، وأقصد تحديدا جيل ما بعد ٢٠٠٣، خبر انواعا من العذاب لم أعرفها في حياتي. هؤلاء أصحاب هويات الطوائف في الجيب.. يتنقلون بين مناطق بغداد ولا يعلمون إن كانوا سيعودون الى أمهاتهم أحياء أو أموات.. هل يحق لنا القول ان هؤلاء عاشوا حياتهم فعلا؟ أم أنهم مجرد دمى سخيفة في مسرح تافه؟ ما هي توقعاتنا عن أدب هؤلاء؟ وكيف يمكن مقارنة نتاجهم الثقافي بنتاج جيل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات؟
لنعد إلى إصل الحكاية: أي عراقيّ يحق له أن يقول: كنت مناضلا؟ كنت بريئا؟ كنت مبدعا؟
سوريالية!