خالد الغريباوي
في النظم التي تدّعي الانتساب إلى الديمقراطية، يُفترض أن تكون صناديق الاقتراع هي المرجعية العليا ومصدر الشرعية، وأن تُترجم الإرادة الشعبية إلى سلطةٍ سياسية واضحة. غير أن ما يُعرف بـ(ديمقراطية الطاولة) يمثّل انحرافًا عن هذا المسار؛ إذ تُهزم الإرادة العامة بتوقيعٍ رمزي داخل فضاءات مغلقة، حيث تُعاد صياغة النتائج خارج روح الدستور ومقتضياته.
يقوم هذا النهج على إغراق الطاولة، أي توسيعها بشكلٍ محسوب عبر إدخال أطراف ذات تمثيل محدود، لا لوزنها الانتخابي بل لدورها في تفتيت الكتلة الفائزة. وهكذا يُعاد تعريف ميزان القوة من (الأكثرية الشعبية) إلى (الأكثرية المُصنَّعة)، حيث قد يتساوى صوت محدود التأثير مع إرادة جمهور واسع، بل ويتقدّم عليها لحظة الحسم.
في هذا السياق، تتشكّل أغلبية شكلية تُستخدم لهندسة إجماعٍ سياسي مُفبرك، هدفه إعادة إنتاج السلطة ضمن إطار يحمي مصالحه. وعندها لا يكون المرشح نتاج تفويض شعبي، بل نتيجة تسوية نُسجت على الطاولة، تُقدَّم كحل وطني فيما هي آلية لإقصاء الفائز الأول.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى تأويل النصوص الدستورية خارج سياقها، حيث يتحول مفهوم (الكتلة الأكثر عددًا) من قاعدة واضحة إلى أداة مرنة تُكيَّف وفق التوافقات، فيُستبدل حكم القانون بمنطق التسويات.
الأخطر هو الخطاب المصاحب، إذ يُسوَّق لهذه العملية باعتبارها
(اجماعًا وطنيًا )، بينما تُنتج في الواقع تهميشًا للفائزين وإفراغًا لصوت الناخب من أثره، وتكريسًا للفجوة بين الدولة والمجتمع.
عند هذه النقطة، يفقد البرلمان دوره التمثيلي، ويتحوّل إلى جهة تُضفي الشرعية على قرارات صيغت مسبقًا. وهنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كانت الطاولة هي من تحسم، فما جدوى الانتخابات؟
ومع ذلك، فإن هذا المسار يحمل بذور تآكله؛ فالإرادة الشعبية لا يمكن احتواؤها إلى الأبد، ولا يمكن شراء شرعية مستدامة. ومع تراكم الوعي، تتكشف الفجوة بين الواقع المُدار وتطلعات الناس.
إن (ديمقراطية الطاولة) قد تنجح مرحليًا في إعادة ترتيب السلطة، لكنها تعجز عن بناء شرعية طويلة الأمد. ومع الوقت، ستتراجع قدرتها على الإقناع، ليفرض الواقع مراجعة تعيد الاعتبار لصوت الناخب، بوصفه أساس أي ديمقراطية حقيقية.