علي المؤمن
الوطنية تعني الشعور بالانتماء إلى الوطن عاطفياً، وقانونياً، وسياسياً، وتاريخياً في الغالب، وتتمثل معاييرها الإيجابية في حب الوطن نظرياً وعملياً، والإخلاص له في السلوك داخل البيت والشارع والمحلة والمدرسة والوظيفة، والحرص على سمعته وصورته، والدفاع عن سيادته وشعبه ومقدراته، والمساهمة الجادة في بنائه وإعماره وإصلاح أوضاعه ونظافته ونظامه العام، وفي الالتزام بتطبيق قوانينه ونظمة، وليس في إطلاق الشعارات والتظاهرات والمقولات النظرية والصراخ الأجوف في حب الوطن.
وهنا لا بد من الفصل بين كيان الوطن والدولة من جهة، والنظام السياسي والسلطة والحاكم والحكومة من جهة أخرى؛ فالوطن والدولة غير النظام السياسي، وغير السلطة، وغير الحاكم؛ فليست الوطنية الإيجابية، بالضرورة، أن يحب المواطن الحاكم، ويوالي السلطة، وينفذ أوامرهما حقاً أو باطلاً.
وهذا التفريق هو منطلق تشخيص طبيعة الوطنية الزائفة؛ فحين تتساوى الوطنية مع الولاء الأعمى أو الإجباري للسلطة وشخص الحاكم، أو الانتماء إلى دين الحاكم ومذهبه، والولاء لأسرته وحزبه، وتنفيذ أوامر السلطة في الباطل، أو فيما يتعارض مع هوية الوطن، وعقيدة المواطن، ومصلحة الوطن والدولة؛ فإنها تكون وطنية سلبية زائفة مدمرة؛ لأن المعيار فيها ليس الانتماء إلى الوطن، وحبه، والولاء له، وإنما هو الانتماء إلى السلطة، ودينها، ومذهبها، وحزبها، وحاكمها.
والمثال المعاصر للوطنية السلبية هو الوطنية الشوفينية التي أسسها “بينيتو موسوليني”، والوطنية الإمبريالية التي أسسها “ثيودور روزفلت”. أما المثال القريب للوطنية السلبية، فهي الوطنية البعثية العراقية؛ فقد كانت الوطنية العراقية، في ظل حكم البعث، تعني الولاء للحزب والنظام، ثم انحصرت في الولاء الأعمى لرئيس النظام صدام حسين وأسرته، وكانت الوطنية تعني تنفيذ أوامر صدام فوراً، دون نقاش، وأياً كانت؛ فإذا أيد المواطن وشارك في محاربة التشيع، واعتقال المواطنين الشيعة والأكراد، وتعذيبهم، وإعدامهم، وذبح أطفالهم، واغتصاب نسائهم، ومصادرة أموالهم، وقصف مدنهم بالصواريخ والقنابل العنقودية والأسلحة الكيمياوية، ودفنهم أحياء، وازدرائهم، والسخرية منهم؛ فهو الوطني حصراً، وغيره خائن للوطن، وليس مجرد معارض للحاكم والسلطة.
وهكذا؛ فإن كل من حارب إيران والكويت، واحتل أراضيهما، وقتل شعبيهما، وازدراهما، وشتمهما، وأيد ذلك بالقول والفعل والشعر والغناء والرقص؛ فهو الوطني حصراً، ومن رفض ذلك، أو كانت له وجهة نظر مغايرة، لأسباب شخصية أو إنسانية أو دينية؛ فهو ليس وطنياً، وخائن للوطن؛ إذ إن معارضة صدام، أو الاعتراض عليه، أو عدم تنفيذ رغباته، تساوي خيانة الوطن، بعد أن فرض نظام صدام على الوطن والمواطن مفهوماً أيديولوجياً مطلقاً، خلاصته أن صدام حسين هو العراق، وهو الوطن، وعائلته هي الدولة، والبعث هو السلطة والحكومة، وكل من يعترض على صدام، وعائلته، وحزبه، حتى في النية؛ فهو خائن للوطن والدولة والعروبة، ويستحق التعذيب الوحشي، والإعدام، وإسقاط الجنسية والمواطنة عنه.
ولا يقتصر هذا على العراق، بل لا يزال قائماً في كثير من البلدان العربية والمسلمة؛ فمن لا يوالي الحاكم أو الأسرة الحاكمة؛ فهو ليس وطنياً، لأن الوطن هو الحاكم والأسرة الحاكمة، ومعيار الوطنية هو الولاء الأعمى للحاكم.
والمفارقة أن هذا المفهوم ورثه بعض العراقيين بعد سقوط نظام صدام والبعث؛ فمثلاً يرى أنصار الزعيم الفلاني أو القائد العلاني أن من يعارض زعيمهم، أو يختلف معه سياسياً، فإنه ليس وطنياً، لأن الوطن تَخَلَّصَ في هذا الزعيم أو ذاك القائد. كما لا يزال كثير من السنة يرون أن الشيعة غير وطنيين، بل غير عراقيين، لأسباب طائفية سياسية مركبة. هذه هي الوطنية الزائفة السلبية، في مقابل الوطنية الإيجابية الطبيعية الفطرية الإنسانية، المنفصلة عن السلطة والحاكم.
أما النوع الثاني من الوطنية الزائفة؛ فهي وطنية الشعارات والتظاهر بحب الوطن، وتخريب الوطن والإضرار بشعبه وسمعته عملياً، وهو ما يفعله المسؤول والسياسي ورجل الأعمال والزعيم العشائري والموظف والمواطن العادي، ويكون حجم الضرر الذي يتسبب به كل شخص من هؤلاء للوطن، بحسب مسؤوليته وموقعه وتأثيره.
(المقال القادم: مفهوم القومية بين السلب والإيجاب)