فلسفة فريدريك نيتشه: من فيلولوجيا النص إلى جينولوجيا القيم.

الجزء الثالث.

سليم جواد الفهد.

توقفنا في الجزء الثاني عند أعلان نيتشه ل”موت الإله”. في هذا الجزء سنناقش تداعيات هذا الأعلان ومآلاته على الفلسفة الأوروبية والفكر الغربي عموما ومدى تأثير “مطرقة” نيتشه في تحطيم أصنام العقل الغربي.

لافتات جديدة على أبواب قديمة.

………………

هل نجح نيتشه فعلا في “قتل مؤلف القيم الأخلاقية القديمة”

أم أن تلك القيم لا تزال تحكمنا من وراء القبر بأشكال مستترة؟

هذا السؤال يضعنا في قلب الحداثة وما بعدها فكرة أننا نعيش في “ظلال الإله الراحل” هي تحديدا ما كان نيتشه يخشاه وحاول التحذير منه.

أشير هنا إلى ما أنتهينا منه في الجزء الثاني وهو أن “موت المؤلف” (بالمعنى اللاهوتي) لم يحرر العقل البشري بالكامل بل تركنا – كما عبر بحق أستاذنا الدكتور فؤاد زكريا عندما وصف فلسفة “دريدا” بأنه وضع لنا نبيذ جديد في زجاجات قديمة-

في صراع مع هذه القيم “المستترة” في عالمنا المعاصر.

وتجلت هذه القيم من منظور جينولوجي كالتالي:

1. “الدين بقميص علماني”:

هذا يعني أن المفاهيم السياسية والاجتماعية الحديثة هي مجرد “لاهوت مُمرحل”

كفكرة “التقدم” والتي هي النسخة العلمانية من “الخلاص الديني”.

بدلا من انتظار الجنة في السماء أصبحنا ننتظر “اليوتوبيا التكنولوجية” أو “العدالة المطلقة” على الأرض. وكذلك مصطلح “حقوق الإنسان” التي يراها النيتشويون تطويرا لـ “المساواة أمام الإله” صحيح أن المصدر قد تغير من الخالق إلى “الطبيعة البشرية” لكن الجوهر الأخلاقي (القداسة والمساواة المطلقة) ظل كما هو.

2. “سلطة الحقيقة” كبديل لسلطة النص:

رغم أننا نعيش في عصر العلم والتكنولوجيا إلا أن الطريقة التي نتعامل بها مع “العلم” أحيانا تشبه التقديس القديم -اليقين المطلق- حيث الرغبة في وجود “مرجع أخير” يخبرنا بما هو صح وما هو خطأ وهي في الأصل حاجة نفسية موروثة من العصور الدينية التي كانت تحدد للإنسان ما هو حلال وما هو حرام.

3. “أخلاق الضحية” والضغينة الحديثة:

بالعودة لمفهوم نيتشه عن “الضغينة” يرى البعض أن الكثير من الحركات المعاصرة تستمد قوتها من “هوية الضحية” بدلا من السعي نحو التميز الفردي حيث يصبح الضعف أو التعرض للظلم هو المصدر الوحيد للمشروعية الأخلاقية داخل المجتمع و الدولة.

هذا بالضبط ما وصفه نيتشه بانتصار “أخلاق العبيد”.

لاحظ هنا أن العبد قد ينتصر لكنه يظل عبدا. صحيح إن “البنية” الأخلاقية العميقة للمجتمع الغربي قد تغيرت فالبنية القديمة للمجتمع الغربي كانت : (إله – إنسان -خطيئة – توبة) أصبحت (قانون – دولة – – مواطن – مجتمع منظم).

رغم هذا التغير يبقى السؤال: هل أن التخلص من “الظلال” أمر ممكن أصلا؟ أم أن العقل البشري مبرمج بنيويا على الحاجة إلى “مؤلف” أو “مرجع متعالٍ” لكي لا ينهار المجتمع؟

هذا السؤال يضعنا في مواجهة مباشرة مع معضلة “الفراغ الوجودي” التي تركها نيتشه خلفه. إن القول بأن العقل البشري “مبرمج بنيويا” على الحاجة لمرجع متعال هو نقد لفكرة “الإنسان الأعلى” فهو يشير إلى أن الإنسان قد لا يمتلك “الاستعداد النفسي” اللازم ليعيش في عالم بلا “مركزمرجعي”.

لنفكك هذه البنية من منظور فلسفي:

أولا: “البنية” كبديل للإله:

من المفارقات أن البنيوية نفسها قدمت إجابة على هذا التساؤل. عندما أعلن نيتشه موت “المؤلف الإلهي” لم يترك العقل الإنساني حرا تماما بل وجد الإنسان نفسه محكوما بـ “بنى” لا واعية (اللغة، الاقتصاد، القرابة).

فالإنسان استبدل “الإله الشخصي” بـ “النسق” أو “النظام”. هذا الاستبدال ليس اعتباطا لأن الإنسان يحتاج دائما لشيء “خارج عنه” يعطيه المعيار مدركا أن الذاتية المحضة تؤدي إلى التيه أي عدمية قيمية مطلقة.

ثانيا: سيكولوجيا “المركز”:

العقل البشري يميل دائما لخلق “مركز للعالم” يمثل مرجعا يلجأ إليه الإنسان وبدون هذا المرجع المتعالي سواء كان دينا أو دستورا مقدسا يشعر الإنسان بما يسمى “الرعب الوجودي” لأن المرجع لا يقدم الحقيقة فحسب بل يقدم “التماسك الروحي والاجتماعي” أيضا. فالمجتمع ينهار إذا أصبح لكل فرد “حقيقته الخاصة” نحن بحاجة لـ “مؤلف واحد” للنص الاجتماعي لكي نستطيع العيش معا.

ثالثا: استحالة “إعادة التقييم الشاملة”:

ربما كان نيتشه “حالما” أكثر من اللازم عندما ظن أن البشر يمكنهم ابتكار قيمهم من الصفر فالواقع التاريخي يثبت أننا دائما ما نعيد تدوير القيم القديمة. حتى الحركات الإلحادية المعاصرة تتبنى “أخلاقا” تكاد تكون نسخة طبق الأصل من الأخلاق الدينية لكن بأسماء علمانية مثل تقديس الحياة، المساواة، العدالة.

الثابت فلسفيا أن العقل الإنساني لا يحتمل الفراغ القيمي فيقوم بملئه بأي مرجع متاح يمنحه صفة “المطلق”.

رابعا: نيتشه مقابل البنيوية:

هنا تظهر الفجوة نيتشه يريد “تحطيم” كل المراجع المتعالية لكي يولد الفرد القوي فيصبح خالقا لقيمه.

لكن هذا “التحطيم” مستحيل فلسفيا لأن المرجع هو جزء من “هندسة العقل” ذاته. الإنسان “حيوان باحث عن المعنى” والمعنى يتطلب وجود نقطة ارتكاز خارج ذات الفرد وهذا يجعل “التحطيم غير مكتمل المهمة حيث نطرد الإله من الباب وندخله من الشباك.

و تأسيسا على هذا – أي أن العقل الإنساني مبرمجا على الحاجة لـ “مؤلف”- فإن صرخة نيتشه (موت الإله) قد لا تكون إعلانا للحرية بل هي توصيف لـ “يتم وجودي” لا يمكن الشفاء منه.

نحن محكومون بالبحث عن “الأب” حتى لو قتلناه.

مآلات موت الإله:

………………

لنتوقف عند سؤال: إذا كان المجتمع لا يمكن أن يقوم بدون “مرجع متعال” (مؤلف) فهل أن العودة للقيم التقليدية لكن بوعي جديد هي الحل؟ أم أن البشر سيخلقون “آلهة جديدة” (مثل التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي) لتلعب دور المرجع المتعالي في المستقبل؟والجواب أن البشر سيخلقون “آلهة جديدة” دائما بسبب خوفهم من “الرعب الوجودي” فالبنية الذهنية للإنسان لا تطيق “الفراغ المرجعي”.

و بما أن العقل الإنساني مبرمجا على الحاجة إلى “مركز” فإنه حين يفقد المركز القديم لا يتحرر بل يسارع لبناء مركز جديد يملأ به هذا الفراغ الوجودي.

والدليل في عصرنا الحالي هذه “الآلهة الجديدة” قد بدأت تتشكل بالفعل وهي تتخذ طابعا تقنيا وعلميا بدلا من الطابع الغيبي القديم حيث بدأنا نمنح الخوارزميات والذكاء الاصطناعي صفات كانت محصورة في “الإله” مثل “كلية المعرفة” نحن نثق في ” گوگل” أو “الذكاء الاصطناعي” للإجابة على أصعب أسئلتنا الأخلاقية والعملية أكثر مما نثق في حدسنا وصار “گوگل” مرجعنا فبمجرد أن نختلف على معلومة يقول أحد الأصدقاء: “گوگلها”.

هذا التسليم الطوعي هو نوع من “العبادة التقنية” حيث المرجع المتعالي هنا هو “البيانات الضخمة”. “فكلية المعرفة” كانت صفة للإله وصارت اليوم صفة “لگوگل”.

هذا هو المسار الذي تنبأ به نيتشه “تأليه الإنسان” حيث يسعى الإنسان عبر التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي إلى امتلاك صفات إلهية:

كمطلب الخلود عبر الطب الجيني أو تحميل الوعي

“القدرة الكلية” عبر التحكم في الطبيعة والمناخ والجينات.

هنا يصبح الإنسان المستقبلي “السوبر مان” هو الإله المتعالي الذي نضحي بالحاضر من أجل الوصول إليه.

نحن نكرر نفس الدورة فالبنية لا تتغير ما يتغير فقط هو “الشكل” نحن نرى تكرارا لنفس البنية:

مرجع متعال (سابقا: الإله / حاليا: التكنولوجيا/البيانات).

نص مقدس (سابقا: الكتب الدينية / حاليا: الكود/الخوارزمية).

وعد بالخلاص (سابقا: الجنة / حاليا: الرفاهية المطلقة/الخلود التقني).

النتيجة الوجودية:

…………………

أعتقد لو كان نيتشه بيننا اليوم لقال: إننا لم نقتل الإله لنصبح أحرارا بل قتلناه لنصنع إلها من “سيليكون” و”أسلاك” إلها أكثر صرامة ومراقبة منا في أي وقت مضى وهذه مفارقة تراجيدية الإنسان هرب من “سلطة الغيب” ليبحث عن الحرية فوجد نفسه يسلم زمام أمره لـ”سلطة التقنية الرقمية” وهي سلطة أشد اغترابا لأنها تفتقر إلى “الوجه” أو “المعنى الإنساني”.

و هذا الاغتراب في ظل “الآلهة الرقمية” يختلف عن الاغتراب القديم في عدة نقاط جوهرية:

1. غياب “الذات” مقابل “البيانات”:

في المنظومات القديمة كان هناك “مؤلف” (إله) يهتم بالروح البشرية ككيان فريد. أما في عصر “الإله الخوارزمي” فالإنسان لا يُنظر إليه كذات بل كـ “حزمة بيانات” الاغتراب هنا هو أن تشعر بأن أعمق رغباتك وقراراتك ليست نابعة منك بل هي نتيجة معادلة رياضية تتوقع سلوكك وتوجهه. أنت مغترب عن “إرادتك” نفسها.

2. الصمت الرقمي (برودة الآلة):

كان الإنسان القديم يستطيع “محاورة” إلهه عبر الصلاة أو التأمل وكان هناك مساحة للرحمة أو الاستثناء. أما الخوارزمية فهي “قانون بلا قلب” لا تقبل التوبة لا ولا تمنح “الغفران”.

فإذا قررت الخوارزمية أنك “غير مؤهل” لقرض أو وظيفة أو حتى لظهور منشورك فلا يوجد كيان روحي يمكنك استعطافه. هذا الجمود يزيد من شعور الإنسان بأنه عبارة عن برغي في ماكينة عملاقة. كان الإنسان إذا أستوحد و أستوحش يقول: يا أُنس المستوحشين في الظُلم.

حينها يشعر بالسكينة والأمان اليوم لا أنس مع آلة صماء لا تعرف المعنى.

3. “سجن” التوقعات:

الآلهة الجديدة لا تراقب أفعالك فقط بل تستبقها. الاغتراب يزداد عندما تجد أن “الإله الجديد” يعرف ما ستطلبه قبل أن تطلبه أنت هذا يقتل “عنصر المفاجأة” و”حرية التجاوز” التي نادى بها نيتشه. الإنسان يصبح سجين “بروفايله” الرقمي فإذا قررت الآلة أنك شخص يحب الفلسفة ستظل تحاصرك بهذا المحتوى مما يمنعك من التحول أو التغير .

4. تحول “المقدس” إلى “فعالية”:

في السابق كان المرجع المتعالي يمنح “قداسة” للحياة. الآن المرجع المتعالي (التكنولوجيا) يمنح فقط “فعالية”.

نحن نعيش في عالم يعمل بدقة مذهلة لكنه يفتقر إلى “الروح”. وكما يقول السوسيولوجي “ماكس فيبر: ” نحن نعيش في

“القفص الحديدي” للعقلانية الأداتية حيث كل شيء محسوب لكن لا شيء له معنى عميق”.

الإنسان المعاصر إذن هو “يتيم مرتين” مرة لأنه فقد “الأب السماوي” الذي كان يمنحه المعنى ومرة لأنه وجد نفسه تحت رحمة “سيد آلي” يمنحه كل شيء (رفاهية، معلومات، تواصل) لكنه يسلبه “ذاته”.

هذا الاغتراب هو الثمن الذي ندفعه مقابل “النظام” الذي يمنع المجتمع من الانهيار.

لقد استبدلنا “دفء المطلق” بـ”برودة النظام المطلق”.

هذه هي مآلات موت الإله.