ضياء ابو معارج الدراجي
لم تكن نتائج الانتخابات الأخيرة مجرد أرقام تُضاف إلى أرشيف السياسة العراقية، بل كانت زلزالًا صامتًا أعاد رسم خطوط القوة والنفوذ بطريقةٍ لم يتوقعها حتى أكثر المتشائمين. تسعون مقعدًا ذهبت إلى جهاتٍ ارتبطت بالحشد، لتُكمل معها كتل شيعية بلغت ما يقارب المئة والتسعين مقعدًا. رقمٌ يُفترض أنه يُحصّن القرار، لا أن يفتحه على مصراعيه أمام الريح.
لكن الذي حدث لم يكن تحصينًا… بل انكسارًا.
في اللحظة التي كان يُفترض فيها أن يُترجم هذا الثقل إلى قرارٍ سيادي مستقل، انقلب المشهد رأسًا على عقب، وتحوّلت الأغلبية إلى هشاشة، والقوة إلى ارتباك، حتى بدت الساحة وكأنها تنتظر إشارة من خارج الحدود لتُحسم خياراتها. لم يعد السؤال: من يملك العدد؟ بل: من يملك القرار؟
هنا تحديدًا، جاءت الضربة التي لم تكن في الحسبان… رئيس وزراء يُفرض من خارج السياق السياسي والعسكري، لا يمت بصلة إلى تراكمات المشهد، ولا إلى تضحيات الميدان، وكأن كل ما جرى خلال سنواتٍ من الدم والتعب يمكن القفز عليه بقرارٍ عابر، أو تفاهمٍ خلف الأبواب المغلقة.
الأكثر مرارة، أن التشكيلة الحكومية المرتقبة تمضي بلا تمثيل حقيقي لتلك الجهات التي كانت تُعدّ نفسها جزءًا من المعادلة الأساسية. لا وزارة، لا موقع، لا حتى هامش يُذكر. وكأن الرسالة واضحة: انتهى الدور… أو هكذا يُراد له أن ينتهي.
ثم تأتي التهنئة… ليست بروتوكولًا هذه المرة، بل إعلان موقف. عندما يُبارك رئيس دولة عظمى تكليف رئيس حكومة في بلدٍ يفترض أنه مستقل، فالأمر لا يُقرأ كدبلوماسية، بل كختم ثقة يُمنح من الخارج قبل أن يُنتزع من الداخل. وكأن الثقة الشعبية والقرار الوطني لم يعودا كافيين، بل يحتاجان إلى توقيعٍ آخر، يُضفي الشرعية أو يسحبها.
هنا يتجلى الوجع الحقيقي…
بلدٌ يُصاغ مستقبله باتصالات هاتفية، وتُحسم توازناته بتغريدة، ويُعاد ترتيب بيته الداخلي وفق إيقاعٍ لا ينبض من داخله. أي سيادة هذه التي تقف عند حدود الإشارة؟ وأي قرارٍ هذا الذي يرتجف أمام كلمة تُكتب خلف شاشة؟
لقد قيل يومًا: أبعدوا السلاح عن السياسة، وافهموا أن الميدان شيء، والدولة شيء آخر. بعضهم فهم الرسالة وانسحب، وبعضهم تمسك، وبعضهم ظن أن القوة التي امتلكها في لحظةٍ ما كفيلة بأن تُبقيه في قلب القرار إلى الأبد. لكن الحقيقة القاسية اليوم تقول: لا أحد محصّن، ولا قوة بلا غطاء سياسي حقيقي، ولا سياسة بلا استقلال قرار.
المفارقة المؤلمة أن البرلمان، الذي يُفترض أنه مرآة الإرادة الشعبية، يبدو وكأنه ذاهب لمنح الثقة… لا اقتناعًا، بل اضطرارًا. تصويتٌ يشبه الاعتراف بالأمر الواقع، لا صناعة له. وكأن الجميع يعلم أن النتيجة محسومة سلفًا، وأن ما يجري ليس أكثر من إجراء شكلي يُكمل الصورة.
أما أولئك الذين كانت تغريدة واحدة كفيلة بإرباكهم، فكيف لهم أن يصمدوا أمام ضغطٍ أكبر؟ وكيف يمكن لقوى اهتزت من كلمة، أن تقف بوجه قرارٍ يُصاغ في مكالمة؟
إنها لحظة عتبٍ ثقيل، وحزنٍ لا يُخفى، وحسرة على فرصةٍ ضاعت… لا لأن الأرقام لم تكن كافية، بل لأن الإرادة لم تكن بمستوى الأرقام.
العراق اليوم لا يخسر مقاعد، بل يخسر معنى القرار. ولا يفقد توازنًا سياسيًا فحسب، بل يفقد ثقته بنفسه.
وهنا، تكمن الكارثة.
ضياء ابو معارج الدراجي