تكرار كلمة في آية: الملك (أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه)

د. فاضل حسن شريف

عن مركز الامام الصادق عليه السلام حول التكرار في القرآن: تكرار الكلمة مع أختها: ومن أمثلتها قوله تعالى: “أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم فى الآخرة هم الأخسرون” (النمل 5). فقد تكررت “هم” مرتين، الأولى مبتدأ خبرها: “الأخسرون”. والثانية ضمير فصل جئ به لتأكيد النسبة بين الطرفين وهى: هُمْ الأولى بالأخسرية. وكذلك قوله تعالى: “أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال فِى أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون” (الرعد 5). تكررت هنا “أولئك “ثلاث مرات. ولم تجد لهذه الكلمة المكررة مع ما جاورها إلا حسناً وروعة. فالأولى والثانية: تسجلان حكماً عامًّا على منكرى البعث: كفرهم بربهم وكون الأغلال فى أعناقهم. والثالثة: بيان لمصيرهم المهين. ودخولهم النار. ومصاحبتهم لها على وجه الخلود الذى لا يعقبه خروج منها. ولو أسقطت “أَولئك” من الموضعين الثانى والثالث لرك المعنى واضطرب. فتصبح الواو الداخلة على: “الأغلال فى أعناقهم”. واو حال. وتصبح الواو الداخلة على: “أَصحاب النار هم فيها خالدون”عاطفة عطفاً يرك معه المعنى. لذلك حسن موضع التكرار فى الآية لما فيه من صحة المعنى وتقويته. وتأكيد النسبة فى المواضع الثلاثة للتسجيل عليهم بسوء المصير.

جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” ﴿البقرة 247﴾ “طالوت” اسم أعجمي كجالوت وداود فيه سببان: التعريف والعجمة “أنى يكون” كيف يكون، ومن أين يكون، وهو إنكار لتملكه عليهم، والمعنى: كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو”أحق بالملك منه” ﴿البقرة 247﴾، وأنه فقير ولابد للملك من مال يتقوى به؟ وإنما قالوا ذلك لأن النبوة كانت في سبط لاوي بن يعقوب والملك في سبط يهودا، ولم يكن طالوت من أحد السبطين “قال إن الله اصطفيه” ﴿البقرة 247﴾ أي: اختاره”عليكم” وهو أعلم بالمصالح منكم، ثم ذكر سبحانه خصلتين هما أعلى رتبة في الفضل من النسب والمال وهما: العلم المبسوط والجسامة، فقال: “وزاده بسطة” ﴿البقرة 247﴾ أي: سعة وامتدادا”في العلم والجسم” ﴿البقرة 247﴾ وكان أعلم بني إسرائيل في وقته وأتمهم جسما وأشجعهم “والله يؤتى ملكه من يشاء” ﴿البقرة 247﴾ أي: الملك له فهو يعطيه من يشاء “والله وا سع” ﴿البقرة 247﴾ الفضل والعطاء “عليم” بمن يصطفيه للرياسة والملك.

ويستطرد الشيخ الطبرسي قائلا: “وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا” ﴿البقرة 247﴾ أي جعله ملكا وكان طالوت من ولد بنيامين بن يعقوب ولم يكن من سبط النبوة ولا من سبط المملكة وسمي طالوت لطوله ويقال كان سقاء وقيل كان خرنبدجاً. وقيل كان دباغا وكانت النبوة في سبط لاوي بن يعقوب وكانت المملكة في سبط يهوذا بن يعقوب وقيل في سبط يوسف وقوله “ملكا” يعني أميرا على الجيش عن مجاهد وقيل بعثه نبيا بعد أن جعله ملكا “قالوا أنى يكون له الملك علينا” أي من أين له الملك؟ وهذا أول اعتراضهم إذ أنكروا ملكه. “ونحن أحق” ﴿البقرة 247﴾ أي أولى “بالملك منه” لأنا من سبط النبوة والمملكة وأوتينا المال “ولم يؤت سعة من المال” ﴿البقرة 247﴾ أي لم يعط ما يتملك به الناس وهو المال إذ لا بد للملك من المال يحصل به المماليك وقيل معناه ولم يؤت سعة من المال فيشرف به ويجبر نقصا لوكان فيه حتى يساوي أهل الأنساب فأعلمهم الله أنه أعرف بوجوه الحكمة منهم فإن المقصود في الملك والرئاسة هو العلم والشجاعة وأخبرهم بذلك عن لسان نبيهم “قال إن الله اصطفاه” ﴿البقرة 247﴾ أي اختاره “عليكم” عن ابن عباس “وزاده بسطة” أي فضيلة وسعة “في العلم والجسم” ﴿البقرة 247﴾ وكان أعلم بني إسرائيل في وقته وأجملهم وأتمهم وأعظمهم جسما وأقواهم شجاعة وقيل كان إذا قام الرجل فبسط يده رافعا لها نال رأسه قال وهب كان ذلك فيه قبل الملك وزاده ذلك بعد الملك “والله يؤتي ملكه من يشاء” ﴿البقرة 247﴾ ﴿البقرة 247﴾ أي لا تنكروا ملكه وإن لم يكن من أهل بيت الملك فإن الله سبحانه مالك الملك يؤتي الملك من يشاء. “والله واسع” قيل في معناه ثلاثة أقوال (أحدها) أنه واسع الفضل فحذف كما يقال فلان كبير أي كبير القدر (والثاني) أن الواسع بمعنى الموسع أي يوسع على من يشاء من نعمه كما جاء أليم بمعنى مؤلم وسميع بمعنى مسمع (والثالث) أن معناه ذو سعة نحو عيشة راضية أي ذات رضا ورجل تأمر أي ذو تمر ولابن أي ذو لبن. وقوله “عليم” أي عليم بمن ينبغي أن يؤتيه الفضل والمملكة إما للاستصلاح وإما للامتحان وفي هذه الآية دلالة على أن الملك قد يضاف إليه سبحانه وذلك بأن ينصب الملك للتدبير ويعطيه آلات الملك ويأمر الخلق بالانقياد له فعند ذلك يجوز أن يقال بعثه الله سبحانه ملكا وإن لم يكن في البعثة كالأنبياء ويقال في ملكه أيضا أنه من جهة الله سبحانه لأن تصرفه صادر عن إذنه وفيها دلالة أيضا على أن الملك ليس بواجب أن يكون وراثة وإنما يكون بحسب ما يعلمه الله من المصلحة وفيها دلالة على أن من شرط الإمام أن يكون أعلم من رعيته وأكمل وأفضل في خصال الفضل والشجاعة لأن الله علل تقديم طالوت عليهم بكونه أعلم وأقوى فلولا أن ذلك شرط لم يكن له معنى.

عن كتاب أسرار التكرار في القرآن للمؤلف محمود بن حمزة بن نصر الكرماني: سورة ص: 434 – قوله تعالى “وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون” (ص 4) بالواو وفي ق فقال 2 بالفاء لأن اتصاله بما قبله في هذه السورة معنوي وهو أنهم عجبوا من مجيء المنذر وقالوا هذا المنذر ساحر كذاب واتصاله في ق معنوي ولفظي وهو أنهم عجبوا فقالوا “هذا شيء عجيب” (ق 2) فراعى المطابقة والعجز والصدر وختم بما بدأ به وهو النهاية في البلاغة. 435 – قوله “أأنزل عليه الذكر من بيننا” (ص 8) وفي القمر “أألقى الذكر عليه من بيننا” (القمر 25) لأن ما في هذه السورة حكاية عن كفار قريش يجيبون محمدا صلى الله عليه و سلم حين قرأ عليهم وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم فقالوا أنزل عليه الذكر من بيننا 8 ومثله “الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب” (الكهف 1) و “تبارك الذي نزل الفرقان على عبده” (الفرقان 1) وهو كثير. وما في القمر حكاية عن قوم صالح وكان يأتي الأنبياء يومئذ صحف مكتوبة وألواح مسطورة كما جاء إبراهيم وموسى فلهذا قالوا “أألقى الذكر عليه” (القمر 25) مع أن لفظ الإلقاء يستعمل لما يستعمل له الإنزال. 436 – قوله “ومثلهم معهم رحمة منا” (ص 43) وفي الأنبياء “رحمة من عندنا” (الأنبياء 84) لأن الله سبحانه وتعالى ميز أيوب بحسن صبره على بلائه بين أنبيائه فحيث قال لهم من عندنا قال له منا وحيث لم يقل لهم من عندنا قال له من عندنا. فخصت هذه السورة بقوله منا لما تقدم في حقهم من عندنا في مواضع وخصت سورة الأنبياء بقوله من عندنا لتفرده بذلك. 437 – قوله “كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد” (ص 12) وفي ق “كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود” (ق 12) إلى قوله “فحق وعيد” (ق 14). قال الخطيب سورة ص بنيت فواصلها على ردف أواخرها بالباء والواو فقال في هذه السورة “الأوتاد” (ص 12) الأحزاب 13 عقاب 14 وجاء بإزاء ذلك في ق ثمود (ص 12) وعيد (ق 14). ومثله في الصافات “قاصرات الطرف عين” (الصافات 48) وفي ص “قاصرات الطرف أتراب” (ص 42) فالقصد للتوفيق بالألفاظ مع وضوح المعاني. 438 – قوله في قصة آدم “إني خالق بشرا من طين” (ص 71) قد سبق.

عن كتاب أسرار التكرار في القرآن للمؤلف محمود بن حمزة بن نصر الكرماني: قال الشيخ الإمام العالم العلامة تاج القراء أبو القاسم محمود بن حمزة ابن نصر الكرماني رضي الله عنه ورحمه الحمد لله الذي أنزل الفرقان على محمد ليكون للعالمين نذيرا معجزا للإنس والجن ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا نحمده على تفضله علينا بكتابه فضلا كبيرا ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا. ونصلي ونسلم على المبعوث بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلاة دائمة تتصل ولا تنقطع بكرة وهجيرا وبعد فإن هذا كتاب أذكر فيه الآيات المتشابهات التي تكررت في القرآن وألفاظها متفقة ولكن وقع في بعضها زيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير أو إبدال حرف مكان حرف أو غير ذلك مما يوجب اختلافا بين الآيتين أو الآيات التي تكررت من غير زيادة ولا نقصان وأبين ما السبب في تكرارها والفائدة في إعادتها وما الموجب للزيادة والنقصان والتقديم والتأخير والإبدال وما الحكمة في تخصيص الآية بذلك دون الآية الأخرى وهل كان يصلح ما في هذه السورة مكان ما في السورة التي تشاكلها أم لا ليجري ذلك مجرى علامات تزيل إشكالها وتمتاز بها عن أشكالها من غير أن أشتغل بتفسيرها وتأويلها فإني بحمد الله قد بينت ذلك كله بشرائطه في كتاب لباب التفسير وعجائب التأويل مشتملا على أكثر ما نحن بصدده ولكني أفردت هذا الكتاب لبيان المتشابه فإن الأئمة رحمهم الله تعالى قد شرعوا في تصنيفه واقتصروا على ذكر الآية ونظيرتها ولم يشتغلوا بذكر وجوهها وعللها والفرق بين الآية ومثلها وهو المشكل الذي لا يقوم بأعبائه إلا من وفقه الله لأدائه وقد قال أبو مسلم في تفسيره عن أبي عبد الله الخطيب في تفسيره كلمات معدودات منها وأنا أحكي لك كلامه فيها إذا بلغت إليها مستعينا بالله ومتوكلا عليه وسميت هذا الكتاب البرهان في متشابه القرآن.