سبل توظيف أدوات التأريخ الجديد (دعوة منهجية)

خبر ومقال

أكاديمي عراقي يدعو لتحديث مناهج البحث التاريخي لتوظيف الأدوات المعاصرة من مواقع التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي
دعا الأكاديمي والباحث الدكتور عامر ممدوح إلى تحديث مناهج البحث التأريخي بما يحقق المواكبة المطلوبة للتقنيات المعاصرة.
وتضمن المقال الذي نشره في العدد العاشر من مجلة أوراق مجمعية، والتي تصدر عن المجمع العلمي العراقي وحمل عنوان (سبل توظيف أدوات التأريخ الجديد) دعوة منهجية لمواكبة الشكل المعاصر والراهن للمعرفة التأريخية، والتي ترتبط بما يحيط بنا من تطورات تقنية، ومساحات جديدة لم تعهد من قبل، وفي مقدمتها مواقع التواصل الاجتماعي، وأدوات الذكاء الاصطناعي الآخذة بالاتساع والتطور والانتشار.
ووجه المقال الدعوة إلى كل المؤرخين والمؤسسات الأكاديمية الرسمية، للمبادرة للتفكير الشجاع والمسؤول في هذا الموضوع، وعقد جلسات العصف الذهني والإثراء الفكري بخصوصها، ووضع آليات وقواعد التوظيف بما يحفظ الرصانة العلمية ولا يضيع الجهود، والتعاطي الذكي مع متغيرات الزمان، والذي لن يكون إلا من خلال وضع منهجية متفق عليها ومعتمدة للاقتباس والتوثيق من مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك وضع حدود التوظيف لنتاجات الذكاء الاصطناعي، وإقرارها وإنزالها منزل التنفيذ والتطبيق في أدبيات منهج البحث التأريخي، وتعميمها على الطلبة والدارسين كافة، ففي ذلك خيرٌ كثير ما يزال مهدراً إلى يومنا هذا.

سبل توظيف أدوات التأريخ الجديد
(دعوة منهجية)

بقلم: د. عامر ممدوح
الجامعة العراقية/ كلية الآداب
بدءاً، استخدم مفردة (التأريخ الجديد) هنا مجازاً، فليس المقصود المتعارف عليه أكاديمياً ولدى المختصين منها، بل أكتب عن الشكل المعاصر والراهن للمعرفة التأريخية، والتي ترتبط بما يحيط بنا من تطورات تقنية، ومساحات جديدة لم تعهد من قبل، باتت هي الأخرى تحتضن الأفكار والطروحات والرؤى التاريخية وبشكل متصاعد دون أن يكون هناك قبالتها تعامل متكافئ معها.
لقد بات واضحاً أننا أمام شكل جديد للكتابة التأريخية، موطنه ليس المجلات والصحف والمؤلفات المحكمة التي توفرت فيها الشروط والمواصفات المتفق عليها فقط، بل العديد من وسائل التواصل الاجتماعي، وتقنيات الذكاء الاصطناعي وغيرها، والتي باتت تمنح الفرصة للبوح بالكثير من المعلومات والمواقف والتحليلات دون الالتزام بالقيود المعروفة من اجل خروج النتاج التأريخي بالشكل المطلوب، ومثلما أعتدنا عليه.
ولعل ما لفت انتباهي وأنا اتأمل في هذه القضية، التأخر الأكاديمي الذي لمسته في حسم الموقف من كيفية توظيف كل ما تقدم، او اعتماده بشكل رسمي لا غبار عليه او مؤاخذة، او حتى التفكير فيه، بل ظل التعامل معها لا يخرج عن ترتيبها في مرتبة أدنى بالموثوقية، وعدم الادراج ضمن المصادر المعتمدة، والتلويح بالرفض التام دون تمييز أو تفصيل مقنع وتبيان.
يحدث هذا في وقت يزداد حضور تلك المواقع والتطورات، حتى لتأخذ مكانها في عقل المتلقي تأثيراً وقبولاً على نحو كبير، فكأننا امام موقعان متضادان لها في مخيلة القارئ والمتخصص على حدٍ سواء، بين علوٍ وهبوط، وتشكيك وإعتماد.
فمثلاً لدينا مواقع الانترنت ذاتها الشخصية او المؤسسية، والفيس بوك، ومنصة X، واليوتويب، ولينكد إن، وغيرها، وكلها تتضمن آلاف المنشورات والنتاجات المكتوبة أو المرئية، وتحتوي على أشكال متعددة من سرد وتحليل وتنظير، الأمر الذي يوفر مادة معرفية تحررت من أسوار الكتب والدوريات وبشكل لا يمكن تجاهله بأي حال من الأحوال، ولا التسليم بها مطلقاً كذلك، لفقدان جزء من شروط الكتابة التأريخية المنهجية المعتمدة، واحتواء قبولها دون تقييد متفق عليه على مخاطرة كبرى قد تثلم أو تطعن في رصانة المادة العلمية المقدمة من خلالها.
ليس هذا فحسب، بل ان هذه المواقع تمنحنا أدوات جديدة تتجاوز الحرف المكتوب إلى الصورة المنتقاة والمستخدمة، والعبارات التي يعرّف بها المرء نفسه فيها، ولا ننسى أننا نتحدث عن نتاجات تقدمها شخصيات أكاديمية مرموقة او على أقل تقدير من المتخصصين، وبالتالي فنحن لا نقصد النتاج الطارئ أو المقحم لنفسه في ميدان لا يخصه.
ان كل تلك المخرجات التي نتحدث عنها تعطي المتلقي معلومات جديدة، وتفسيرات محدّثة، وتحليلات تستدعي النقاش والاهتمام، وانطباعات عن المؤرخ والكاتب ومرجعيته الفكرية وتحولاته المعرفية والنفسية وتقييمها، مما يمنحنا مرتكزاً معلوماتياً مهماً ولا سيما للشخصيات المعاصرة التي قد تأخذ حظها من الدراسة آنياً او لاحقاً، ناهيك عمّا تمنحه تلك المواقع من فرصة التعامل المباشر بين الكاتب والشخص وبين جمهوره، والحصول على إفادات لم تكن ممكنة سابقاً وتستلزم جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً، فلا يمكن بقاء تقييم المواقع بأنها في مرتبة أدنى، بل على العكس باتت تمثل وثيقة رسمية خصوصاً اذا كانت الحسابات موثقة من قبل الشركات التي تتبع لها هذه المواقع وبالشكل المعروف، مما يعالج مخاوف الانتحال التي تتردد هنا وهناك.
والأمر يشمل كذلك ما يمدّنا به الذكاء الاصطناعي في ثورته المتصاعدة اليوم من أدوات تحسين العمل الكتابي من ناحية، وتقديم قاعدة بيانات ومعلومات وتقييمات وخلاصات مفيدة بالعموم من ناحية أخرى، نعم.. إنها قد لا تحظى بالموثوقية التامة كونه يمثل فعلاً تقنياً يوظف ما هو موجود ويعيد ترتيبه وتنظيمه لا أكثر، ولكن نسبة الاستفادة لا يمكن تجاوزها، او ليس من المنطق اليوم القدح بها بالمطلق دون تحديد او تنسيق او تصنيف.
لذلك كله، وأزعم ان هذه الدعوة الجادة مهمة، أتمنى من كل المؤرخين والمؤسسات الأكاديمية الرسمية، المبادرة للتفكير الشجاع والمسؤول في هذا الموضوع أولاً، وعقد جلسات العصف الذهني والإثراء الفكري بخصوصها ثانياً، ووضع آليات وقواعد التوظيف بما يحفظ الرصانة العلمية ولا يضيع الجهود ثالثاً، والتعاطي الذكي مع متغيرات الزمان رابعاً، وذلك لن يكون إلا من خلال وضع منهجية متفق عليها ومعتمدة الاقتباس والتوثيق من مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك وضع حدود التوظيف لنتاجات الذكاء الاصطناعي، وإقرارها وإنزالها منزل التنفيذ والتطبيق في أدبيات منهج البحث التأريخي، وتعميمها على الطلبة والدارسين كافة، ففي ذلك ـ كما أعتقد ـ خيرٌ كثير ما يزال مهدراً إلى يومنا هذا.
وختاماً.. أذكر الجميع، أن المنع لوحده لا يكفي لمعالجة الظاهرة، فالتيار جاء وحلَّ وهو طاغٍ وجارف، وإن لم نبادر لتقنين الاستعمال، فسيزيد الانفلات المنهجي الذي نخشاه ونرى اليوم بعضاً من بوادره.