جديد

العراق والسماء الغامضة: من ألواح بابل إلى قنديل البحر الطائر

إيهاب مقبل

منذ فجر التاريخ، رفع الإنسان عينيه نحو السماء باحثًا عن المعنى. فهناك دائمًا أضواء غريبة، وأشكال غير مألوفة، وظواهر تبدو وكأنها تتحدى المنطق. وفي كل عصر حاول البشر تفسير هذه المشاهد بلغتهم الفكرية والثقافية والدينية والعلمية. ولهذا لم تكن الظواهر الغامضة في السماء مجرد أحداث بصرية، بل مرآة لطريقة تفكير المجتمعات نفسها.

اليوم تُعرف هذه المشاهد غالبًا باسم UFO أو UAP، أي الأجسام أو الظواهر الجوية غير المعرّفة. لكن النظرة العلمية الحديثة ترى أن أغلب هذه الحالات لا تشير إلى زوار من خارج الأرض، بل إلى مزيج من الظواهر الطبيعية وأخطاء الإدراك البشري والتقنيات البشرية والتأثيرات النفسية والثقافية. ومع ذلك تبقى بعض الحالات مفتوحة بسبب نقص البيانات، لا بسبب وجود دليل مؤكد على أصل غير بشري.

من بابل القديمة إلى العراق الحديث
في حضارات بلاد الرافدين القديمة، وخاصة في العصر البابلي، كانت السماء تُعتبر سجلًا للرسائل الإلهية. فقد كان الكهنة والفلكيون يراقبون السماء بدقة ويسجلون المذنبات والشهب والأجرام المضيئة وحتى الأضواء غير المألوفة. لكن هذه الظواهر لم تكن تُفهم كأجسام فضائية، بل كرسائل من الآلهة أو إشارات مرتبطة بالحروب والمصير والسلطة.

كانت السماء في العراق القديم جزءًا من النظام السياسي والديني، حيث يُستخدم الفلك لفهم الأحداث الكبرى وتفسيرها. وهكذا ارتبطت الظواهر السماوية بالمعنى الديني والسلطة بشكل وثيق.

وفي العصر الحديث عاد العراق ليظهر في سياق مختلف مع حادثة عام 2018 المعروفة باسم “قنديل البحر الطائر”. فقد رُصد جسم غريب فوق قاعدة التقدم الجوية، على بُعد نحو 74 كيلومترًا غرب بغداد في منطقة الحبانية. وقد بدا في تسجيل حراري كأنه كائن يطفو في السماء بامتدادات متدلية وحركة بطيئة وغير مألوفة. لاحقًا، تم تداول هذا المقطع على نطاق واسع بعد أن نشره الصحفي الاستقصائي جيريمي كوربيل في عام 2024، ما أعاد تسليط الضوء عليه ضمن نقاشات الظواهر الجوية غير المعرّفة (UAP).

وقد طُرحت عدة تفسيرات من قبل خبراء وباحثين حول هذا الجسم. فقد اقترح الفيزيائي ماثيو سيداغيس أن التغيرات السريعة في الألوان قد تكون ناتجة عن تشوهات في الكاميرا أو عن تقنيات متقدمة تُعرف بـ”إخفاء البصمة” تهدف إلى تمويه شكل الجسم أو إخفائه بصريًا.

في المقابل، يرى بعض المشككين أن الظاهرة يمكن تفسيرها بأسباب بسيطة وشائعة، مثل البالونات أو تشوهات العدسة أو ظواهر الانكسار والحيود الناتجة عن مصادر ضوء قوية، وهو ما أشار إليه الباحث والناقد الشكّي ميك ويست.

وهكذا يتكرر العراق كمكان تُسقط عليه الأسئلة الكبرى حول السماء، لكن مع اختلاف جذري في أدوات التفسير بين الماضي والحاضر.

ظاهرة ستوكهولم 1535: حين تحولت السماء إلى رسالة إلهية
من أبرز الأمثلة التاريخية على ذلك ظاهرة ستوكهولم 1535 التي خُلدت في لوحة The Sun Dog Painting.

في صباح 20 أبريل نيسان 1535، شاهد سكان ستوكهولم ظاهرة مدهشة في السماء، حيث ظهرت عدة شموس مضيئة تحيط بها دوائر وهالات من الضوء. لم يكن هناك تفسير علمي متاح في ذلك الوقت، لذلك اعتُبرت الظاهرة علامة إلهية ونذيرًا بأحداث قادمة.

كانت السويد تمر آنذاك بمرحلة سياسية ودينية مضطربة خلال الإصلاح البروتستانتي بقيادة الملك غوستاف فاسا، مما جعل الظاهرة تُفسر كرسالة دينية أو سياسية، وربما كغضب إلهي.

لكن العلم الحديث يفسر هذه الظاهرة بأنها نتيجة لانكسار ضوء الشمس عبر بلورات الجليد في الغلاف الجوي، وهي ما يُعرف بالشموس الوهمية أو Sun Dogs. وهكذا يتغير التفسير بينما يبقى المشهد نفسه.

من العلامات الإلهية إلى الأطباق الطائرة
تكشف هذه الأمثلة أن البشر لا يرون السماء فقط، بل يفسرونها وفقًا لتصورات عصرهم. ففي العصور القديمة كانت الظواهر تُقرأ كرسائل إلهية، وفي القرن التاسع عشر ارتبطت بالمناطيد الغامضة، ثم مع ظهور الطيران أصبحت تُفسر كأطباق طائرة، أما اليوم فغالبًا ما تُربط بتقنيات سرية أو UAP.

هذا لا يعني أن البشر يختلقون الظواهر، بل إن العقل البشري يستخدم الأدوات الفكرية المتاحة له لتفسير المجهول.

كيف تفسر العلوم الحديثة هذه الظواهر؟
ترى الدراسات العلمية أن أغلب حالات UFO يمكن تفسيرها ضمن أربع فئات رئيسية. الأولى هي الظواهر الطبيعية مثل الشهب والمذنبات والهالات الشمسية والبرق الكروي والسحب النادرة. هذه الظواهر قد تبدو غريبة لكنها مفهومة علميًا.

الثانية هي أخطاء الإدراك البشري، حيث يميل العقل إلى تفسير الأشكال غير الواضحة على أنها أجسام ذات معنى أو حركة مقصودة، خاصة في ظروف الإضاءة الضعيفة أو المسافات البعيدة.

الثالثة هي التشوهات التقنية الناتجة عن الكاميرات الحرارية والرادارات وضغط الفيديو، والتي قد تنتج صورًا مضللة لأجسام تبدو غير طبيعية.

أما الرابعة فهي التقنيات البشرية السرية مثل الطائرات التجريبية والمسيّرات والتقنيات العسكرية التي لا يتم الكشف عنها فورًا، ما يؤدي إلى سوء تفسيرها.

لكن ماذا عن الحالات غير المفسرة؟
رغم ذلك، توجد حالات لا تملك تفسيرًا نهائيًا حتى الآن. لكن في العلم، “غير مفسر” لا يعني “غير بشري” أو “فضائي”، بل يعني أن البيانات غير كافية أو غير مكتملة للوصول إلى نتيجة حاسمة.

هل نحن مركز الكون أم مجرد جزء صغير منه؟
في الفهم العلمي الحديث، لم يعد يُنظر إلى الإنسان أو الأرض على أنهما مركز الكون. بدأت هذه الفكرة تتغير منذ أعمال العالم نيكولاس كوبرنيكوس، الذي قدّم نموذجًا يوضح أن الأرض تدور حول الشمس، وليس العكس. ثم جاء غاليليو غاليلي ليعزز هذا التحول من خلال ملاحظاته الفلكية التي دعمت هذا التصور.

لاحقًا، تبيّن أن الشمس نفسها ليست مركزًا للكون، بل نجم عادي داخل مجرة درب التبانة، وهي واحدة من مئات المليارات من النجوم في مجرتنا فقط.

ومع تطور علم الكونيات الحديث، اتضح أن مجرة درب التبانة ليست سوى واحدة من مئات المليارات من المجرات في الكون المرصود، ما يعني أنه لا يوجد مركز معروف أو مميز للكون.

وفي هذا السياق، يشير القرآن الكريم إلى سعة الخلق الإلهي وتنوعه، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾، الشورى: 29. و﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ﴾ أي ما نشر وخلق الله في السماوات والأرض من كائنات حيّة تتحرك وتدبّ، وتشمل كل أشكال الحياة دون تحديد نوعها أو شكلها أو مكانها.

وقال تعالى أيضًا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، النور: 45.

ومما تقدم في الآيات القرآنية يتضح أن “الدابة” هي من جملة المخلوقات الحية التي خلقها الله، وأن أصل خلقها مرتبط بالماء كما ورد في النص، وهو ما يدل على أن الحياة في جوهرها قائمة على هذا الأصل المشترك، مع تنوع أشكال المخلوقات واختلافها في هيئة الحركة والعيش.

وبناءً على هذا الفهم، يُنظر إلى الإنسان علميًا على أنه جزء صغير جدًا داخل هذا الاتساع الكوني الهائل، وليس محورًا أو مركزًا له. لكن هذا لا يقلل من قيمته، بل يضعه في سياقه الحقيقي داخل كون واسع ومعقد، ويدفع إلى فهم أعمق للطبيعة ومكاننا فيها.

لكن هذا الفهم العلمي لا يعني بالضرورة وجود حضارات أو كائنات ذكية خارج الأرض تمتلك تقنيات أو تقدمًا يفوق الإنسان، إذ لا يوجد حتى الآن أي دليل علمي مؤكد على وجود حياة ذكية خارج كوكب الأرض، وتبقى هذه الفكرة ضمن نطاق الاحتمالات غير المثبتة علميًا.

السماء كمرآة للعقل البشري
من بابل القديمة إلى العراق الحديث، ومن ستوكهولم في القرن السادس عشر إلى ستوكهولم اليوم، يتكرر نمط واحد لا يتبدل: السماء ليست صفحة صامتة فوقنا، بل شاشة واسعة يُسقط عليها الإنسان ما يحمله داخله من خوف وأمل ومعرفة وحدود إدراك. نحن لا نرى السماء كما هي في ذاتها، بل كما يسمح لنا وعينا وثقافتنا وأدوات عصرنا أن نراها.

في كل مرحلة تاريخية، كانت السماء تُعاد قراءتها من جديد: مرة بوصفها رسالة إلهية، ومرة كظاهرة طبيعية غامضة، ومرة كاختراق تقني أو “جسم مجهول”. لكن ما يتغير فعليًا ليس السماء، بل الإنسان نفسه؛ أدواته، لغته، ودرجة فهمه للعالم من حوله. لذلك تبدو الظواهر وكأنها تتحول عبر الزمن، بينما هي في الحقيقة ثابتة، يتغير فقط إطار تفسيرها.

وهكذا تصبح السماء سجلًا غير مكتوب لتطور العقل البشري. فكل تفسير للغموض في الأعلى هو في جوهره انعكاس لما وصل إليه الإنسان في الأسفل: من أساطير إلى علم، ومن الخوف إلى التحليل، ومن التفسير الغيبي إلى البحث التجريبي.

وهكذا، فإن دراسة الظواهر الغامضة لا تقودنا فقط إلى محاولة فهم ما يحدث في السماء، بل تكشف شيئًا أعمق وأكثر أهمية: كيف تطور الإنسان في وعيه عبر الزمن، وكيف أعاد تشكيل السماء داخل عقله قبل أن يحاول فهمها في الواقع.

الفيديو الكامل غير المُحرَّر لتتبّع الجسم الجوي المجهول الشهير “قنديل البحر” فوق العراق

انتهى