رياض سعد
إنّ من أعظم التحوّلات الفكرية والسياسية التي صنعت الحداثة البريطانية لم يكن اختراع البرلمان وحده، ولا الثورة الصناعية، بل ذلك المبدأ العميق الذي تسرّب ببطء إلى روح الدولة: سيادة القانون.
أي أن تكون السلطة نفسها خاضعة للقانون، لا متعالية عليه… ؛ وأن يصبح الملك، بكل رمزيته وهيبته، مواطنًا أمام العدالة، لا مصدرًا لها وحده.
وتُعدّ قضية «إعلان البروكلاميشن» عام 1611 — أو ما يُعرف بـ Case of Proclamations — لحظة مفصلية في هذا المسار التاريخي… ؛ ففي تلك القضية وقف القاضي الإنجليزي الشهير إدوارد كوك بوجه نزعة الملك جيمس الأول إلى توسيع سلطاته عبر الإعلانات الملكية، مؤكدًا أن الملك لا يستطيع أن يخلق قانونًا بإرادته المنفردة، ولا أن يغيّر حقوق الناس خارج إطار القانون والبرلمان.
كانت تلك الفكرة صادمة في عصرٍ كانت فيه أوروبا ما تزال تؤمن بأن الملوك يحكمون بـ«الحق الإلهي»…؛ لكن بريطانيا بدأت منذ ذلك الحين ترسم طريقًا مختلفًا:
الملك يحكم… لكنه لا يملك أن يكون فوق القانون.
ومن هنا تشكّلت واحدة من أعمق الركائز الحضارية البريطانية:
ليست قوة الدولة في سطوة الحاكم، بل في خضوع الحاكم نفسه للقواعد التي يخضع لها الناس.
لقد أدرك البريطانيون مبكرًا أن العدالة لا تتحقق حين يكون القانون سيفًا بيد السلطة، بل حين يصبح ميزانًا يقف فوق الجميع… ؛ ولذلك لم تعد هيبة التاج قائمة على الخوف، وإنما على التقيّد بالمؤسسات والتقاليد الدستورية والقضائية.
ثم جاءت لاحقًا وثائق ومحطات تاريخية كبرى عزّزت هذا الاتجاه، مثل الثورة المجيدة وصدور وثيقة الحقوق الإنجليزية، لتؤكد أن السلطة السياسية ليست مطلقة، وأن شرعية الحكم مرتبطة بالقانون ورضا المجتمع.
وهنا تتجلّى العلاقة العميقة بين سيادة القانون والثقة الوطنية.
فالمواطن لا يثق بوطنٍ لأن الحاكم قوي، بل لأنه يعلم أن حقه لن يُسحق إذا اختلف مع القوي.
الثقة تولد حين يشعر الإنسان أن المحكمة يمكن أن تنتصر له حتى لو كان خصمه وزيرًا أو أميرًا أو مؤسسة كبرى.
ولهذا استطاعت بريطانيا عبر قرون أن تبني استقرارًا سياسيًا طويل الأمد، لأن العلاقة بين الدولة والمجتمع لم تُبنَ فقط على القوة، بل على شعور متراكم بأن هناك قواعد ثابتة تحكم الجميع.
إنّ أخطر ما يدمّر الأوطان ليس الفقر وحده، ولا حتى الهزائم، بل انهيار الإيمان بأن القانون عادل ومحايد… ؛ فعندما يشعر الناس أن السلطة محصّنة ضد المحاسبة، تتحول الدولة في وعيهم إلى غلبة لا إلى وطن… ؛ أما حين يخضع التاج ذاته للمحكمة، فإن الرسالة الحضارية تصبح واضحة: لا أحد أكبر من العدالة… ؛ ولا قداسة لسلطةٍ لا يقيّدها القانون.
وهذه الفكرة، رغم بساطتها النظرية، كانت من أعظم الاختراعات السياسية في التاريخ الإنساني.