لقمان البرزنجي .. کاتب و صحفي .. المانيا
ان التصريحات الاخيرة الصادرة عن الإدارة الامريكية، وتحديدا من لسان الرئيس دونالد ترامب، لتضع الكرد من جديد تحت مجهر البراغماتية الفجة، حيث لم يعد التعامل مع الحليف التاريخي في المنطقة محكوما ببروتوكولات الوفاء العسكري أو التثمين القيمي للتضحيات، بل أضحى خاضعا لمنطق الفواتير المتأخرة ولغة الأرقام الصرفة. إن الاتهام والتلفيقات الکاذبة الموجه للکورد کشعب بإخفاء أو الاستحواذ على شحنات اسلحة كانت مفترضة لتغذية جبهات اخرى داخل ايران ، لا يمكن قراءته كمعلومة استخباراتية عابرة، بل هو تكتيك سياسي مزدوج الأهداف، يهدف في جوهره إلى صياغة سردية تبريرية لاي تحول استراتيجي مستقبلي قد يطرا على خريطة التحالفات في الشرق الأوسط. يمکن تلخيصها في النقاط التالية .
أولاً، عبثية التشكيك في المصير ومسؤولية الرصد، من الناحية العسكرية والتقنية، يبدو الادعاء بان القوة العظمى الأولى في العالم، بامتلاكها لأكثر منظومات التعقب والأقمار الصناعية تطورا، لا تعرف أين استقرت قطع السلاح التي أرسلتها، هو ادعاء يفتقر إلى الحد الأدنى من الواقعية السياسية. فواشنطن لا ترسل الأسلحة في صناديق مغلقة وتتركها للقدر، بل تخضع كل رصاصة لبروتوكولات الاستخدام النهائي . لذا، فإن إثارة غبار الشكوك حول مصير السلاح ليس بحثا عن ضائع کذبة کبيرة ، بل هو محاولة لتعرية الحليف معنوياا، ووسيلة ضغط لانتزاع تنازلات ميدانية او سياسية جديدة، في وقت تمر فيه المنطقة بمخاض إعادة رسم التوازنات حيال الملف الإيراني وتوابعه.ثانيا، التشويه كاداة للتنصل من الاستحقاقات إن استخدام لغة قاسية مثل (الأكراد يأخذون ويأخذون) (Take, Take, Take) يمثل ذروة الإطناب التحريضي الذي يستهدف شيطنة الطرف الآخر شعبيا. هذا الخطاب لا يستهدف القيادات السياسية فحسب، بل يمتد ليضرب السمعة القومية لشعب قدم آلاف الشهداء في حروب نيابية عن العالم أجمع. إن الغرض من هذا التشوية هو، اضعاف الموقف التفاوضي الكردي في أي تسويات كبرى قادمة.خلق ذريعة أخلاقية امام الراي العام الأمريكي والدولي في حال قررت الإدارة تقليص الدعم أو الانسحاب من التزاماتها التاريخية. إرضاء القوى الإقليمية التي ترى في تنامي القدرة العسكرية الكردية تهديدا وجوديا لها، عبر إظهار الكرد بمظهر الشريك غير الموثوق. ثالثاً، ما وراء ظهر المظلوم.. خيارات الرد القانوني . في ظل وجود شعب يعاني من يتم جيوسياسي وغياب لظهير دولي ثابت، تصبح الدعوة لتحريك دعوى قضائية بتهمة التشهير ليست مجرد خيار قانوني، بل هي ضرورة وجودية لاستعادة الاعتبار السياسي. إن تسجيل موقف قانوني ودولي ضد تصريحات تمس نزاهة امة باكملها هو بمثابة دفاع معنوي يعادل في أهميته الدفاع الميداني. فالسكوت عن هذه الاتهامات يمنحها شرعية الحقيقة بالتقادم، مما يجعل من الضروري على الممثلين الشرعيين للكورد في المحافل الدولية صياغة خطاب مضاد، لا يكتفي بالدفاع، بل يهاجم التناقضات الأمريكية التي تارة تمتدح شجاعة قوات البشمركة وتارة تتهمها بـالخيانة اللوجستية.خلاصة القول، إن أمريكا ترامب لا تبحث عن الحقيقة في مستودعات الأسلحة الكردية، بل تبحث عن مخرج لصفقات كبرى قد تتطلب التضحية ببعض الأوراق. وما الاتهامات الحالية إلا تمهيد لمرحلة يكون فيها الحليف هو كبش الفداء المفضل لإخفاقات استراتيجية أوسع. لذا، فإن المعركة اليوم ليست معركة بنادق مخبأة، بل هي معركة سرديات، يتوجب على الكورد خوضها بأدوات القانون والسياسة وبنفس الصلابة التي خاضوا بها معارك الميدان.