رياض سعد
لصفاء روحه وطهارة قلبه، كان “يونس” يرى في منامه ما يجهله في يقظته، فتأتيه الرؤى حاملة أسرار القدر، تارةً مبشرة – في هيئةِ بشيرٍ يربّتُ على كتفِه -؛ وتارةً منذرة – ومرّةً في صورةِ نذيرٍ يفتحُ أمامه أبوابَ القلق-، وكأن السماء اختارته ليكون مرآة لحقائق مخبوءة، تكشف له الغطاء عمّا تخفيه الأيام…
وكان يؤمن، في أعماقه، أنّ بعضَ الرؤى ليست سوى ظلالٍ للمستقبل، تتقدّمُ الزمنَ بخطواتٍ قليلة.
كان يونس من أولئك الذين يمشون في الحياة بقلوبٍ بيضاء، حتى ليبدو للناس أنّه خُلق متأخرًا عن زمنه.
ففي عالمٍ يتقن فيه الجميع ارتداء الأقنعة، كان هو يدخل إلى الآخرين بوجهه الحقيقي، بلا حذر، بلا مكر، وبلا أسوار.
في ليلة مقمرة، بعد أن أتم صلاته بخشوع وأسبغ وضوؤه بماء بارد غسل عنه تعب النهار، نام يونس قرير العين، خالي البال من شوائب الدنيا… ؛ لكن النوم ما لبث أن حمله إلى عالم غريب، فرأى في منامه رجلاً فارع الطول، عريض المنكبين، مفتول الساعدين، لم يتجاوز الثلاثين من عمره… ؛ كان أنيق الهندام، يرتدي ثياباً فاخرة تليق بأبناء الذوات، وفي يده خاتم ذهب لامع يخطف الأبصار… ؛ نظر الرجل إلى يونس نظرة طويلة متحدية، اختلطت فيها الشماتة بالاستعلاء، وكأنه يخبره بأمر جلل دون أن ينبس ببنت شفة...
وقف إلى جانب الرجل كهل من حثالة المجتمع ؛ دعاه إلى مجلس قريب بدت عليه مظاهر اللهو والعبث والخمر … ؛ ورغم المسافة القصيرة التي تفصل يونس عنهما، فإنه ظل شاهداً على المشهد بكل تفاصيله الدقيقة…
ثم التفت إليه الرجل فجأة، وقال بصوت يقطر انتصاراً خبيثاً: “لقد دنّستُ عرضك رغم أنفك!”
انهمرت دموع يونس في المنام بلا إرادة منه، رغم أنه لم يكن متزوجاً بعد، ولم تكن له أخت ؛ وامه قد بلغت من العمر عتيا …
استيقظ يونس مذعورًا، وقد امتلأت عيناه بالدموع دون أن يعرف السبب...
مرّت السنوات، وطوى الزمان صفحاته، وتزوج يونس من “ليلى”، امرأة فاتنة الجمال، لكنها كانت ذات روح قلقة مضطربة، تخفي خلف عينيها الواسعتين فراغاً عاطفياً عميقاً…
خُدع يونس بجمالها وهدوئها المصطنع، إذ لم يكن يدرك أن بعض النفوس تحمل في طياتها بذور التمرد والخيانة، لا لشيء إلا لأنها لم تتعلم يوماً كيف تواجه فراغها الداخلي بشيء غير التدمير…
كانت ليلى تؤدي دور الزوجة الصالحة في البداية، تؤثث البيت بصمتها المريب وتنشغل بطفلها الأول “آدم”، بينما كان يونس منهمكاً في توفير لقمة العيش، غارقاً بين العمل والدراسة، يظن أنه بذلك يؤدي رسالته كرجل على أكمل وجه… لكنه لم يدرك أن الإهمال العاطفي جرح لا يلتئم، وأن الحب إن لم يُروَ يومياً يذبل ويموت بصمت...
وفي غفلة من الزمن، تعرفت ليلى على “سلمى”، جارة مشبوهة , وسيئة السمعة، ماهرة في إفساد القلوب الضعيفة…
كانت سلمى تعزف على أوتار الحرمان بمهارة شيطانية، تهمس في أذن ليلى كل مساء: “إلى متى تبقين سجينة الإهمال؟
ألا ترين كيف تذبلين كزهرة في صحراء قاحلة؟
غيرك من النساء، الأقل منك جمالاً، يلبسن الذهب ويعشن الحب ويتمتعن بالحياة… ؛ لكل امرأة حق في السعادة، ولكل زوجة حق في الاهتمام، وأنت امرأة كغيرهن، لا ينقصك شيء!”
كانت كلماتها كالسم يسري في العروق ببطء، يغتال الفضيلة تحت ستار الصداقة والحرص على المصلحة… ؛ ترددت ليلى في البداية، وخافت من الفضيحة والعار، لكن الفراغ كان كالسديم يبتلع كل مقاومة…
“ساعة لربك وساعة لقلبك”، هكذا كانت سلمى تبرر التناقض، فتتصدع النفوس تحت وطأة هذا المنطق الأعوج الذي يخلط المقدس بالمدنس، ويبرر الانحدار تحت شعارات التوازن المزعوم...
وفي لحظة ضعف مالي، حين احتاجت ليلى المال لعلاج طفلها، مدت سلمى يدها بالإقراض، لتكمل نسج الخيوط حول عنق ضحيتها…
كانت الديون طعماً يعلق في حلق الكرامة، ثم جاء يوم الحسم… ؛ اذ أحضرت سلمى طعاماً شهياً، وفي خضم المتعة الحسية، كشفت عن خطتها: “هناك من يحبك منذ رآك في السوق، شاب وسيم اسمه ‘أمير’، غني، حنون، يهتم بك أكثر من زوجك… إنه ينتظر إشارة منك فقط”
سال لعاب النفس أمام إغراء المال والاهتمام معاً، ذلك الخليط القاتل الذي يغتال الفضيلة...
بدأت اللقاءات الخاطفة، والهدايا المغرية، والكلمات المعسولة التي لم تسمعها ليلى من زوجها يوماً… ؛ و شعرت لأول مرة أنها مرئية، مرغوبة، مقدرة، فظنت أن هذا هو الحب!
كانت تشتري الوهم بالتدريج، تبيع نفسها قطعة قطعة، حتى سقطت في الهاوية كاملة…
انهار جدار الأخلاق أمام إعصار الاحتياج العاطفي والمادي، وغرقت ليلى في مستنقع الخيانة تبرر لنفسها كل خطوة بأنها ضحية زوج مهمل...
لكن القدر كان يراقب بصمت… ؛ فجأة، هرب أمير بعد فضيحة سرقة كبرى، واختفت سلمى كالثعبان الذي بدل جلده، تاركة ليلى تواجه عواقب اختياراتها وحدها…
تبدل سلوكها، واضطربت أعصابها، وتحولت إلى امرأة حادة الطباع، تتشاجر مع زوجها لأتفه الأسباب، فالذنب حين يتعذر الاعتراف به يتحول إلى عدوان على الآخرين، وكأن المعاقبة للضحية البريئة تخفف من وخز الضمير...
في صباح مشؤوم، وجد يونس رسالة مجهولة على عتبة داره، تفضح خيانة زوجته بتفاصيل مروعة، وتكشف كل شيء…
قرأها … ؛ ومع كل سطر، كان شيءٌ في داخله ينهار…
تجمد الدم في عروقه، وخيّم عليه صمت ثقيل كالموت…
ثم بدأ يراقب زوجته بعين المحقق، وقاده البحث عن الحقيقة حتى وجد أمير… ليجد أنه نفس الرجل الذي رآه في منامه قبل سنوات، بنفس الملامح، ونفس نظرة الشماتة المتحدية…
أدرك حينها يونس أن رؤياه كانت كشفاً لما تخبئه له الأقدار، وأن قلبه الصافي كان أشبه بمرآة تعكس حقائق مخبوءة خلف حجب الزمن، فرأى ما لم تره العيون...
لكن إدراك الحقيقة لم يجلب السلام… ؛ اشتعلت نار الانتقام في صدره، فدبر مكيدة لأمير وقتله في ليلة حالكة الظلمة، انتقاماً لشرفه المهدور…
ثم، في بطء محسوب، بدأ يضع سماً خفياً في طعام زوجته، يوماً بعد يوم، حتى أسلمت الروح بصمت، دون ضجيج أو فضيحة، بينما كان طفلها الصغير نائماً على صدرها لا يدري شيئاً...
عاد يونس إلى فراشه ليلتها، منهك الجسد، مثقل الروح، ليغلبه النوم مرة أخرى… ؛ فإذا بالرجل نفسه يزوره في منامه، بنفس النظرة المتحدية، ونفس الابتسامة الشامتة… ؛ أدرك يونس حينها، في تلك اللحظة المتأخرة، أن الانتقام لم يحرره، وأن الشماتة ما زالت تلاحقه حتى بعد الثأر… ؛ فالعار لا يمحوه الدم، والخطيئة لا تغسلها خطيئة أكبر…
وبقي السؤال معلقاً في أرجاء روحه كصدى بعيد: من كان السجين الحقيقي في هذا القفص؟!
ثم أدرك متأخرًا أنّ المآسي الكبرى لا تبدأ بالخيانة، ولا بالجريمة، بل تبدأ بلحظةِ صمتٍ طويلة بين قلبين كان ينبغي أن يتحادثا…
وعرف أن الإنسان لا يُهزم دائمًا بالخيانة… ؛ بل قد يُهزم أحيانًا بالإهمال، بالصمت، وبالأشياء الصغيرة التي نؤجل قولها حتى يفوت الأوان.