لقمان البرزنجي .. کاتب و صحفي … المانيا
حين صاغ الكاتب والروائي السوري محمد الماغوط مقولته المتهكمة(عندما لا يفرق السياسي بين الخيار الإستراتيجي والخيار باللبن، عندها لن ترى الفرق بين االسلطة و السلاطة. بالعامية زلاطة )الهندسة العشوائية في المشهد السياسي العراقي الحالي لم يكن يمارس ترفا لغويا او دعابة عابرة، بل كان يضع مبضع الجراح على عمق الازمة الهيكلية في الفكر السياسي العراقي لبناء الدولة الحديثة . إنها أزمة خلط المفاهيم وتسطيح الأبعاد المصيرية.وعندتطبيق هذه السردية على الواقع العراقي بعد عام 2003، نجد أن العبثية تحولت من مجرد استعارة ادبية إلى نهج حوكمة يومي، حيث تلاشت الخطوط الفاصلة بين بناء الدولة (كخيار إستراتيجي) وإدارة الأزمات الآنية بمنطق الغنيمة والمحاصصة (كخيار باللبن).الإطناب البنيوي راينا كيف يترجم المشهد العراقي هذه العبثية؟
منذ اكثر من عقدين، والطبقة السياسية في العراق تعيد إنتاج الازمات بذات الادوات، مستبدلة الرؤى الكلية بالحلول الترقيعية. يتجلى هذا الإطناب في الممارسات التالية، تمييع المفاهيم السيادية حيث يتحرك الفاعل السياسي العراقي في فلك التكتيك اليومي المعتمد على تطييب الخواطر وتوزيع المغانم، متناسيا أن الخيار الإستراتيجي يتطلب حصر السلاح بيد الدولة، وبناء اقتصاد إنتاجي عابر للريع النفطي، وتثبيت الهوية الوطنية فوق الهويات الفرعية.خلط(الزلاطة بـ السلطة) في القاموس السياسي العراقي، تحولت السلطة كأداة لاقامة العدل وتنفيذ القانون وإرساء المؤسسات، إلى زلاطة (خليط غير متجانس) من التوافقات العشوائية. إن ديمقراطية المكونات المشوهة جعلت من القرار السيادي العراقي رهنا لصفقات اللحظات الأخيرة، فغابت الرؤية الإستراتيجية للدولة لحساب المصالح الضيقة للكتل.
ان اجترار الخطاب الاستهلاكي، يبرع السياسي العراقي في استخدام مصطلحات رنانة مثل، الإصلاح الهيكلي، محاربة الفساد، التنمية المستدامة، والسيادة الوطنية. لكنها تظل مفاهيم مجوفة ومفرغة من محتواها الإجرائي، حيث يستبدل التخطيط بعيد المدى بـمهدئات مالية ووعود وظائفية لامتصاص الغضب الشعبي، وهي عينها ثقافة الخيار باللبن التي تبحث عن إشباع اني سريع دون الالتفات إلى شبح الإفلاس الاقتصادي او الارتهان الإقليمي.إن العجز عن التمييز بين المصالح العليا للدولة (الإستراتيجية) والمصالح الفئوية الضيقة (الآنية) قد أنتج دولة رخوة فاقدة لبوصلتها السيادية. السياسي العراقي لا يمارس السياسة بمفهومها العلمي القائم على تعظيم عناصر القوة الوطنية، بل يمارس المحاصصة المقنّعة المقيطة . وبناء عليه، فإن بقاء القرار العراقي رهينا لـعقلية المطبخ السياسي التوافقي بدلاً من مؤسسات التخطيط الإستراتيجي سيبقي الدولة فاشلم و تدور في حلقة مفرغة، حيث تدار الأوطان بمنطق الارتجال، وتتحول فيه هيبة السلطة إلى فوضى الزلاطة.