حين تتحول الأحزاب إلى سجونٍ فكرية

رياض سعد

بادئ ذي بدء، من الطبيعي أن ينتمي هذا الشخص أو ذاك إلى حزبٍ سياسي، أو تيارٍ فكري، أو حركةٍ دينية تحمل رؤيةً معينة للحياة والدولة والمجتمع.

ومن الطبيعي أيضًا أن ينشغل الإنسان بالشأن السياسي، وأن يسعى للمشاركة في صناعة القرار أو التأثير في مجريات الأحداث، فالحياة السياسية جزءٌ من حركة المجتمعات وتطورها، ولا يمكن لأمةٍ أن تنهض من دون رجال دولةٍ يمتلكون الوعي والمسؤولية والشعور بالمصير العام.

لكنَّ المعيب والخطير في الأمر، أن يتحول الانتماء الحزبي من وسيلةٍ لخدمة الوطن إلى سجنٍ ضيقٍ يُغلَق فيه العقل، وتُقيَّد داخله الروح، ويُختزل الإنسان كله في شعارات حزبه ومصالح جماعته الضيقة… ؛  فعندئذٍ لا يعود السياسي رجلَ دولة، بل يصبح مجرد موظفٍ داخل ماكينةٍ حزبيةٍ عمياء، لا يرى أبعد من جدران التنظيم، ولا يسمع إلا صدى أصوات رفاقه، ولا يفكر إلا بما يخدم بقاءه في دائرة النفوذ والسلطة.

إن أخطر ما يصيب الساسة والقادة المؤدلجين، أنهم مع مرور الزمن يفقدون القدرة على رؤية الواقع كما هو، لأنهم ينظرون إلى العالم من ثقب الحزب، لا من نافذة الوطن… ؛  فكلُّ مخالفٍ لهم عدو، وكلُّ رأيٍ آخر مؤامرة، وكلُّ نقدٍ خيانة، حتى يصبح الوطن نفسه مجرد تفصيلٍ صغيرٍ داخل مشروعهم الحزبي أو العقائدي.

وهكذا تنشأ طبقةٌ سياسيةٌ معزولة عن الناس، تعيش داخل أروقة الاجتماعات المغلقة، والبيانات الجوفاء، والخطب المكررة، وتتصور أن الجماهير ما تزال تصفق لها، بينما الشارع الحقيقي يغرق بالفقر والبطالة والخوف والانهيار.

إنهم يعيشون في عالمٍ موازٍ، مصنوعٍ من الأوهام والتبريرات والمديح المتبادل، حتى يفقدوا الإحساس بآلام الناس وحاجاتهم الحقيقية.

والأسوأ من ذلك، أن بعض هؤلاء لا يدخل السياسة بدافع الإصلاح أصلًا، بل بدافع الوصول إلى المال والنفوذ والسلطة، مهما كانت الوسائل قذرة أو انتهازية… ؛  فتراه يرفع شعارات الوطنية والإنسانية والعدالة، بينما واقعه مليءٌ بالمصالح الشخصية والصفقات والتحالفات المتقلبة… ؛  يتحدث عن الشعب وهو لا يعرف معاناته، ويتغنى بالقيم وهو أول من يبيعها عند أول اختبارٍ للمنفعة.

إن هذا النموذج من السياسيين يشبه الممثل الذي أتقن حفظ دوره طويلًا حتى صدَّق نفسه… ؛  يتنقل بين المواقف كما يتنقل التاجر بين الأسواق، يغيّر لغته وتحالفاته وخطابه بحسب اتجاه الريح ومقدار المكاسب… ؛  فإن اقتضت مصلحته أن يكون ثوريًا صاح بالثورة، وإن احتاج أن يكون معتدلًا ارتدى ثوب الحكمة، وإن تطلبت المرحلة الانحناء انحنى، لا إيمانًا بقضية، بل حفاظًا على موقعه ومصالحه.

ولذلك فإن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الفقر أو الحروب، بل تنهار أيضًا حين يحتكر قيادتها أناسٌ فقدوا الصلة بالحقيقة، وأصبحوا أسرى أيديولوجياتهم وأحزابهم ومصالحهم الضيقة… ؛  فالوطن لا يُبنى بالعقول المغلقة، ولا ينهض بالمتعصبين الذين يرون أنفسهم أوصياء على الناس والتاريخ والحقيقة المطلقة.

إن رجل الدولة الحقيقي هو الذي يخرج من عباءة الحزب حين يتعلق الأمر بمصير الوطن، ويستطيع أن يسمع خصومه كما يسمع أنصاره، وأن يراجع أفكاره كما يراجع أخطاءه، لأن السياسة ليست عبادةً للأشخاص والتنظيمات، بل مسؤوليةٌ أخلاقيةٌ وتاريخية تجاه الإنسان والوطن.

أما حين يتحول الحزب إلى معبود، والأيديولوجيا إلى سجن، والسلطة إلى غايةٍ بحد ذاتها، فإن السياسة تفقد معناها النبيل، وتتحول إلى سوقٍ للصراع والانتهازية والخداع، يدفع ثمنها الناس البسطاء وأحلام الأوطان المنهكة.