رياض سعد
*وهمُ الاكتمال العقلي
لم أرَ كائنًا يثور على طبيعته كما يثور الإنسان على كلِّ شيءٍ فيه وحوله ..!!
فالأسدُ لا يحتجّ على أسديّته، والطيرُ لا يضيق بجناحيه، والسمكُ لا يعترض على حياته في الماء… ؛ أمّا الإنسان، فكأنّه الكائن الوحيد الذي وُلد وفي داخله نزعةُ الاعتراض الدائم؛ يعترض على واقعه، وعلى حظّه، وعلى ملامحه، وعلى طبقته الاجتماعية، وعلى عمله، وعلى رزقه، بل وربما على الوجود كلّه.
إنه الكائن الذي لا يكفّ عن محاولة تغيير حياته، وتبديل شروطه، وكسر حدوده... ؛ فالفقير يريد الغنى، والضعيف يحلم بالقوة، والمجهول يطلب الشهرة، والعامل يطمح إلى منصبٍ أعلى، وحتى الشيخ الكبير يتمنّى لو يعود شابًا.
فالإنسان بطبيعته كائنٌ ناقص، ولذلك يعيش مطاردًا بفكرة التحسين والتبديل والتجاوز.
وإذا جاع الإنسان، صرخت معدته تطلب الطعام... ؛ وإذا عطش، دفعه جسده إلى الماء... ؛ وإذا اختنق، هرعت رئتاه تبحثان عن الهواء.
فكلُّ عضوٍ في الجسد يعلن حاجته بوضوح، ويجبر صاحبه على الاستجابة له.
إلا أن أكثر ما يثير الدهشة أن العقل — وهو أخطر ما يملكه الإنسان — نادرًا ما يشعر صاحبه بفقره أو نقصه.
فقد يجوع الإنسان إلى الخبز، لكنه لا يجوع إلى المعرفة.
وقد يخجل من ثيابه البالية، لكنه لا يخجل من أفكاره البالية.
وقد يسارع لإصلاح هاتفه إذا تعطّل، لكنه يعيش عمره كاملًا بعقلٍ مليء بالأوهام والأحكام الجاهزة والتناقضات، دون أن يفكّر لحظةً في إصلاحه.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: فالناس يعترضون على كلِّ شيء، إلا على عقولهم.
ينتقدون الحكومات والمجتمعات والظروف والأقدار، لكنّ القليل منهم فقط يملك الشجاعة ليسأل نفسه: هل أفكاري صحيحة؟
هل فهمي للحياة ناضج؟
هل ما أؤمن به حقيقةٌ أم مجرد ما ورثته من بيئتي وخوفي وعادتي؟
إن معظم البشر يتعاملون مع العقل وكأنه شيءٌ مكتمل منذ الولادة، لا يحتاج إلى تهذيب أو مراجعة أو تدريب.
ولهذا ترى كثيرين يقضون أعمارهم وهم يطوّرون أجسادهم، ويجمعون الأموال، ويزيّنون مظاهرهم، لكنهم يتركون عقولهم في حالتها الأولى؛ ممتلئة بالتحيزات، والغرور، والكسل الفكري، والخوف من السؤال.
والأخطر من الجهل، هو الجهل الذي يظنّ نفسه معرفة.
فالإنسان الجاهل قد يتعلّم، أما الذي يعتقد أنه بلغ النهاية، فإنه يغلق على نفسه أبواب التطور كلّها.
ولهذا كانت أكثر العقول فراغًا هي أكثرها يقينًا بكمالها، وأكثر الناس علمًا هم أكثرهم شعورًا بحدود معرفتهم.
إن العقل الذي لا يراجع نفسه يتحول مع الزمن إلى سجنٍ مغلق، لا إلى نافذةٍ على العالم.
والإنسان الذي لا يشكّ أحيانًا في أفكاره، ولا يختبر قناعاته، ولا يوسّع أفقه بالقراءة والتأمل والحوار، يعيش أسير نسخةٍ قديمة من نفسه، مهما تغيّر عمره أو مظهره أو مكانته.
*تحليل نفسي واجتماعي موجز:
هذه الظاهرة – أي الرضا بجمود الفكر ورفض تطويره – تعكس ما يسميه علم النفس “التحيز التأكيدي” و”الجمود الإدراكي”… ؛ فالعقل البشري يفضّل الراحة في القناعات القائمة على بذل الجهد في التفكير النقدي… ؛ و اجتماعياً، تُكرّس المؤسسات التقليدية والتعليم التلقيني هذا الركود، فتتحول المعرفة إلى تراكم كمي لا إلى بناء عقلي نقدي. والمفارقة أن الإنسان يثور على كل قيد خارجي، لكنه يستسلم لأثقل قيد داخلي: وهو فراغ العقل واتّباع الهواجس دون وعي. إن سمة النضج الحقيقي ليست في كثرة الاعتراضات، بل في الاستعداد الدائم لمراجعة أفكارنا وتطويرها، لأن عدو التقدم الأكبر ليس الجهل، بل الوهم بأننا نعلم.
لا يكاد يوجد تناقض في السلوك البشري أعمق من هذا: ذلك الكائن الذي وهبته الطبيعة أداةً للمراجعة والنقد والتجاوز، يُعمِل هذه الأداة في كل ما حوله، لكنه يتوقف مذعوراً عند عتبة ذاته المفكرة… ؛ نحن نعيش زمن الاعتراض المقدس؛ نعترض على كل ما هو خارج رؤوسنا، بينما تقبع جماجمنا في سكون مطبق، ممتلئة بيقين هشّ لم نعاينه يوماً…!!
*تشريح القناعة العقلية.. حين تكون الفكرة سجناً لا نُغادره
الغريب في الخريطة النفسية للإنسان المعاصر أنه كائن ثائر بالفطرة على كل نقص عضوي… ؛ الجوع والعطش وضيق التنفس، كلها إشارات حيوية يستجيب لها الجسد فوراً وبقلق وجودي، فيسعى لسدّ النقص.
هذه هي بيولوجيا البقاء في أبهى صورها… ؛ لكن، أين هي البيولوجيا العقلية؟
أين ذلك الإنذار الداخلي الذي يفترض أن يصرخ فينا حين تخلو جماجمنا من الفكر الحقيقي، أو حين تمتلئ بفتات ثقافي مكرور؟
الجواب الذي يقدمه علم النفس الاجتماعي مرير: لقد تم تخدير هذا الإنذار… ؛ نحن نعيش في ثقافة تحتفي بـ”الرأي” لا بـ”التفكير”.
في هذا السوق الكبير للآراء الجاهزة، يصبح امتلاك إجابة سريعة عن كل شيء أهم من امتلاك سؤال واحد أصيل… ؛ هنا، يتحول الفراغ المعرفي إلى نوع من الشبع الزائف؛ شبع المتفرج الذي يكرر ما يسمعه، معتقداً أنه يُنتج فكراً.
*سيكولوجيا الوهم.. لماذا لا يخبرنا الدماغ بفراغه؟
للإجابة، يجب أن نعود إلى مفهوم “النرجسية المعرفية”. إن أصعب لحظة في حياة المرء هي لحظة اكتشافه لجهله المركب؛ أي أن يكتشف أنه لا يعرف، ولا يعرف أنه لا يعرف… ؛ الدماغ البشري، في سعيه الدؤوب للحفاظ على تماسك “الأنا”، يبني دفاعاته النفسية ضد هذا الاكتشاف الموجع… ؛ إنه يفضل اختراع قصة بطولية عن ذاته كـ”وحيد دهره وفريد عصره” على أن يواجه حقيقة أن خزينه الفكري فارغ… ؛ هذه آلية دفاع بدائية، تشبه آلية الإنكار التي تجعل المريض يرفض تشخيص دائه… ؛ لكن الفارق هنا أن المريض يعرف مرضه وينكره، أما صاحب العقل الخاوي فلا يملك حتى ترف المعرفة ليمارس الإنكار؛ إنه مغموس في وهم الاكتفاء… ؛ لذلك، بينما تصرخ المعدة: “أنا فارغة”، يصمت الدماغ، ليس امتلاءً، بل لأن الفراغ قد امتلأ بالضجيج الذي لا يترك مساحة لصوت العقل كي يستغيث.
*فيزياء الجمود.. جاذبية القطيع وجاذبية الاعتراض الكاذب
يبقى السؤال الأعمق: إذا كان الجميع يعترضون على أوضاعهم المادية والاجتماعية، فلماذا لا يعترضون على أوضاعهم العقلية؟
هنا تكمن المفارقة المهولة التي يكشفها التحليل الاجتماعي: الاعتراض على الماديات صار جزءاً من العقد الاجتماعي الحديث… ؛ إنه اعتراض استهلاكي، يجعل المرء يشعر أنه فاعل ومتمرد دون أن يمس جوهره… ؛ إنه يشبه اعتراض السمكة على طعم الماء وهي لا تريد مغادرته… ؛ أما الاعتراض على طريقة التفكير، فهو خروج عن القطيع الفكري، وهو الألم الذي لا طاقة لأكثر الناس به… ؛ إنه يقتضي هدم “الأنا” القديمة والبدء من الصفر، في حين أن اعتراضهم السطحي لا يتطلب سوى تبديل القناع… ؛ لقد صرنا في زمن نرفض فيه كل سلطة خارجية، ونخضع خضوع العبيد لسلطة القناعات الجمعية التي لم نمحصها… ؛ إنها العبودية الطوعية التي وصفها المفكرون، لكنها هذه المرة ليست عبودية سياسية لسلطة مرئية، بل عبودية معرفية لأوهام لا مرئية تسكننا.
ولعلّ أعظم مأساةٍ في الإنسان، أنه يخاف أن يبدو جاهلًا أمام الآخرين، لكنه لا يخاف أن يبقى جاهلًا أمام نفسه.
لذلك نادرًا ما ترى أحدًا يعترف بفقره العقلي كما يعترف بفقره المادي.
فالناس يستحيون من الثياب الرخيصة، لكنهم لا يستحيون من الأفكار الرديئة.
إن تطوير العقل ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورةٌ أخلاقية وإنسانية.
فالإنسان بعقله يبني الحضارات أو يهدمها، يرحم أو يظلم، يهتدي أو يضلّ.
وكلُّ إصلاحٍ في العالم يبدأ من فكرة، وكلُّ خرابٍ يبدأ أيضًا من فكرة.
ولهذا، ربما كان السؤال الأهم الذي ينبغي للإنسان أن يطرحه على نفسه ليس:
ماذا أملك؟
ولا: ماذا حققت؟
بل:
أيُّ عقلٍ أحمله بين كتفيّ؟
وهل هو عقلٌ ينمو ويتعلّم، أم مجرد غرفةٍ مغلقةٍ مليئةٍ بأصداء الماضي؟
*في الختام.. هل من أمل في ثورة على الذات؟
لعل الطريق يبدأ من لحظة صدق مرعبة، يقف فيها المرء أمام مرآة عقله ليكتشف أنه لم يختر معظم ما يؤمن به، وأنه وريث لأفكار لم يبذل في سبيلها جهد الفهم… ؛ إن الخواء الحقيقي ليس في عدم المعرفة، بل في الاعتقاد الجازم بمعرفة لا نملك أدوات فحصها… ؛ وكما أن الاعتراض على الظلم الخارجي هو البداية الأولى للتحرر، فإن الاعتراض على هشاشة فكرنا هو البداية الوحيدة لملء ذلك الفراغ المهيب… ؛ فكما تهب المعدة إشارتها، علينا أن نتعلم كيف نصغي إلى صمت العقل المدوي، قبل أن نصبح كائنات اعتراضها الأكبر هو شاهد قبرها.