كمال فتاح حيدر
القهر هو الشيء الوحيد الذي له مستقبل مضمون في العراق. فالحرية ليست سوى وهم. .
الكلمة جريمة. الصوت تهمة. الصمت نجاة. والإنسان ليس حرا حتى في نومه. .
كانوا يتسلون ويستمتعون بتعذيب الناس فيحشرون النساء والرجال عراة حفاة في زنازين ضيقة مشتركة، يتكدسون وقوفاً بانتظار الموت شنقا أو حرقاً أو صهراً أو تقطيعاً أو الموت حسرة بالسكتة القلبية. .
هنا منفى، وهنا سجن، وهنا قبرٌ، وهنا منحر، وهنا قيدٌ، وهنا حبلٌ، وهنا لغمٌ، وهنا عسكر. .
لو سألنا أي عاقل عن الأساس الذي قامت عليه البلدان المتزنة، لقال لنا: (( العدل ))، فالعدل أساس الملك، وأساس الحكم. اما الدولة فهي عبارة عن مجموعة بشرية تعيش فوق ارض محددة تحت سلطة ذات سيادة. وهذا هو الإطار الذي تتكامل فيه الأوطان والشعوب والحكومات. .
اما في البلدان العربية على وجه العموم، وفي العراق على وجه الخصوص فان أنظمة الحكومات ظلت قائمة على البطش والترهيب واشاعة الذعر في قلوب المواطنين، وكانت تستمد قوتها من قوة اجهزتها القمعية (الامن والمخابرات والاستخبارات)، فالمواطن كائن مشكوك بولائه للزعيم الأوحد والقائد المسدد. أو كائن يطارده المخبر السري، ويلاحقه الوشاة، وتتعقبه المراصد والكاميرات.
ظلت الدولة العراقية قائمة منذ عام 1925 وحتى عام 2025 على وحشية أجهزتها القمعية المتعددة، التي تباينت قسوتها وضراوتها بتباين المراحل التي مرت بها، فهي لم تتشكل لتوفير الأمن والاستقرار للناس وإنما لتخويفهم وترهيبهم وادخال الرعب في قلوبهم، وانتزاع الاعترافات منهم بأقسى أنواع التعذيب، وازهاق ارواحهم لأتفه الاسباب. .
قد يلقى المواطن حتفه بسبب نكتة سمعها من صديقه، وقد يذوق الموت غصة بعد غصة بسبب (تقرير) كتبه زميله بالمدرسة. .
عاش معظم الناس في ظروف قاهرة تحت سياط الجلادين حتى فقدوا الإحساس بآدميتهم، وحتى فقدوا كرامتهم الإنسانية ولم تعد لهم قيمة في منظور القوى المتنفذة في الدولة. فتعرضوا لكبت الحريات، والتعذيب والاعتقال التعسفي، والفقر والأمراض، ناهيك عن استهداف الأقليات وتهميشهم. وما زالنا ننتظر الفرج. ولو كانت الحكومات عادلة لما رأينا هذا القبح المستشري، ولا هذا الظلم الذي يثقل كاهل الأرض. .
ختاماً: إذا رأيت مجتمعاً يُمجد التافهين والمهرجين ویمنحهم الصدارة، ويُسقط هيبة العظماء ويُهمش الكفاءات، فاعلم يقيناً أن السلطة الحاكمة نجحت في تجفيف منابع الأخلاق، وأن العقول قد تصحرت، وأن الانهيار التام هو مسألة وقت لا أكثر. .