لقمان البرزنجي ..کاتب و صحفي ..المانيا
يقول الكاتب التنويري معروف الملا (إذا لم ينقرض الجهل من بلداننا، فسيأتي السياح للتفرج علينا بدل الآثار، في ظاهرها سخرية لاذعة ومفارقة طريفة، لكنها في جوهرها جرس إنذار مرعب ونبوءة قاسية تلامس صميم أزمتنا الحضارية. هذه العبارة القصيرة تختزل ماساة أمة تكتفي بالاستناد إلى جدران ماضيها، بينما يتسرب المستقبل من بين يديها. نحن من صنعنا الحضارة إلى شواهد على التخلف
تأتي الوفود السياحية عادةً لتقف مبهورة أمام إنجازات حضارات بادت، تتأمل زمن اشور و سومر و بابل زقورات بابل، لترى كيف طوع الإنسان القديم الحجر بالعلم والهندسة والإرادة. لكن المفارقة المأساوية التي يطرحها الملا هي الانقلاب الكارثي في الأدوار. عندما يتفشى الجهل، وتتوقف عجلة الابتكار، ونتخلى عن التفكير النقدي لصالح الخرافة والجمود، فإننا نتحول تدريجيا إلى ديناصورات أثرية تسير على قدمين.لن يأتي السائح حينها ليرى عظمة ماضينا، بل ليتعجب من بؤس حاضرنا. سياتي ليرى كيف تعيش شعوب في القرن الحادي والعشرين بعقليات القرون الوسطى، وكيف تتحول مجتمعات بأكملها إلى متاحف حية للتخلف، والتعصب، ورفض الآخر، ومحاربة العلم. الجهل الذي يقصده الكاتب هنا ليس مجرد الأمية الأبجدية أو العجز عن القراءة والكتابة؛ بل هو الأمية الحضارية. إنه الجهل الذي يجعلك تستهلك ما ينتجه العالم وأنت تلعنه، الجهل الذي يقدس القشور ويهمل اللب، والجهل الذي يحول الاختلاف في الرأي إلى دماء، والابتكار إلى هرطقة.هذا النوع من الجهل يعمل بمثابة مادة تحنيط للعقول. فهو يوقف الزمن في بلداننا، بينما ينطلق العالم الخارجي بسرعة الضوء نحو استكشاف الفضاء، وفك شفرات الجينات، وتطوير الذكاء الاصطناعي. وفي ظل هذا الجمود، يصبح المواطن في بلداننا المأزومة ظاهرة غريبة تستحق المراقبة والدراسة الانثروبولوجية من قبل الأمم المتقدمة، تماماً كما تُدرس القبائل البدائية المنعزلة.إن الركون إلى أمجاد الماضي هو أسهل أنواع الفخر وأكثرها زيفا. الأجداد الذين تركوا تلك الآثار العظيمة لم يبنوها بالكسل أو بالاجترار، بل بنوها لانهم كانوا في عصرهم روادا للعلوم، ومنفتحين على المعرفة، وأصحاب فكر خلاق. الان عندما نفشل في البناء على إرثهم، ونكتفي ببيع تذاكر الدخول لآثارهم بينما تتهاوى بنيتنا التحتية وتتراجع جامعاتنا وتتصحر عقولنا، فإننا نرتكب خيانة مزدوجة. نشوه ذكرى الأجداد، ونصادر حق الأحفاد في العيش بكرامة.الحل الوحيد قيام ثورة الوعي قبل فوات الأوان ، لكي لا نتحول إلى معروضات في متحف الشعوب الفاشلة، فإن المعركة الحقيقية والوحيدة التي يجب أن نخوضها هي معركة الوعي.إعادة هيكلة التربية والتعليم الانتقال من تعليم التلقين والحفظ الذي يخرج نسخا مكررة، إلى تعليم يغرس الشك المنهجي، والتفكير النقدي، وحل المشكلات. ثم تجفيف منابع التجهيل محاربة الخرافات والأفكار المعلبة التي تعيق تقدم المجتمع وتكبله بقيود الوهم.تقديس قيمة العمل والعلم أن يصبح المقياس الحقيقي لقيمة الفرد والمجتمع هو ما يقدمه من إضافة حقيقية للمعرفة الإنسانية، وليس ما ورثه من أمجاد لم يتعب فيها.خلاصة القول الآثار العظيمة هي دليل على حياة نابضة كانت هنا يوما ما، أما المجتمعات الغارقة في الجهل فهي دليل على موت حضاري يحدث الآن. إذا لم نستيقظ وننفض غبار الجهل عن عقولنا، فلن يطول الوقت حتى تُعلق على حدودنا لافتة خفية يقرأها العالم المتقدم: مرحباً بكم في حديقة التاريخ الخلفية.. .تجدر الإشارة إلى أن معروف الملا قلم تنويري شجاع يشرح عتمة الجهل بِمبضع الوعي، وصوت حر يوقظ العقول لئلا تتحنط في متاحف التخلف.