بين التهويل النفسي وحق المقاومة: معادلة التناسب الدولية وكوابيس الميدان
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
تشهد الساحة الإقليمية جولة جديدة، من جولات الحرب النفسية الممنهجة، تقودها منصات إعلامية غربية، عبر ضخ “تسريبات” مجهولة المصدر، ونسبها إلى “مسؤولين رفيعي المستوى”، بهدف إنتزاع تنازلات سياسية وعسكرية، عجز الإحتلال عن تحقيقها في الميدان.
إن ما نقله موقع “أكسيوس” أمس حول “ضوء أخضر” من إدارة ترامب للتصعيد، لا يخرج عن سياق “بروباغندا” التخويف، ويتعارض بوضوح مع التباينات العميقة داخل البيت الأبيض التي كشفتها “CNN” حول تفسير الاتفاقات، وتفاهمات وقف إطلاق النار، كما يتناقض مع الدعوات العلنية لترامب نفسه بضرورة “تبني السلام والهدوء”.
وأمام هذا الضخ التضليلي، يبرز الواقع اللبناني محصناً بالحق القانوني، والمعادلة الميدانية عبر خمس ركائز أساسية:
أولاً: خطورة حرب الإشاعة ومجهولية المصدر
إن اللجوء إلى صيغ مبهمة مثل “مصدر مسؤول” يفقد الخبر قيمته المهنية ومصداقيته، خاصة عندما يتبنى هذا المصدر سردية انحياز أعمى، تبرر للإحتلال جرائمه وتتجاهل آلاف الخروقات الإسرائيلية، الموثقة لدى قوات “اليونيفيل” منذ تشرين الثاني 2024.
إن الانجرار وراء هذه الإشاعات، يخدم هدف العدو في إحداث شرخ في البيئة الحاضنة، وتسييل التهديدات الجوية إلى مكاسب ديبلوماسية.
ثانياً: حق المقاومة المشروعة بموجب القانون الدولي
فوفقاً للقوانين والمواثيق المعاهدات الدولية، تصَنَْف القوات الإسرائيلية الموجودة على أرضنا كـ “قوات احتلال”، والإحتلال لا يملك قانوناً “حق الدفاع عن النفس” ضد الشعب الذي يحتل أرضه.
وفي المقابل، كفلت الشرعة الدولية حق الشعوب في مقاومة المحتل بكل الوسائل المتاحة، كما أن القرار الدولي 1701، ينص صراحة على وقف العمليات العدائية والإنسحاب الكامل حتى الحدود الدولية، وهو ما يخرقه الاحتلال يومياً.
ثالثاً: كابوس مسيَّرات الألياف البصرية وخرق “مبدأ التناسب”
أحدثت المقاومة صدمة تكتيكية ونفسية غير مسبوقة في صفوف العدو، باستعمال مسيًّرات تعمل بالألياف البصرية ضد الأهداف العسكرية؛ إنها مسيَّرات دقيقة جدًا بفضل براعة مُشغِّليها، محصنة ضد التشويش، وتوثق عملياتها بجودة عالية، ومزودة بصواريخ وقذائف لا تتعدى زنتها كيلوغرامات معدودة.
هذا العجز الميداني والاضطراب النفسي لدى قادة الكيان، لا يمنحهم أي مستند قانوني للتهديد بتدمير العاصمة بيروت وضاحيتها، أو مواصلة حرب الإبادة في الجنوب (تدمير المنازل، تجريف المنازل والأراضي، التهجير القسري، واستهداف الطواقم الطبية وألخ.……).
وإن استخدام قنابل زنة 2000 باوند، لتدمير أحياء كاملة، يمثل خرقاً صارخاً لـ “مبدأ التناسب في الرد” (Principle of Proportionality) المنصوص عليه في القانون الدولي الإنساني، ويُصنَْف كجرائم حرب موصوفة.
رابعاً: شرعية الاستئناف الميداني في 2 آذار
إن استئناف المقاومة لعملياتها في 2 آذار 2026، جاء كفعل شرعي وقانوني بإمتياز، سداً للفراغ وتلبية لواجب حماية السيادة والدفاع عن الشعب؛ بعد تخلي السلطتين الرئاسية والتنفيذية، عن دورهما في الدفاع عن السيادة وحماية المواطنين من الغطرسة الإسرائيلية المستمرة.
وإن إطلاق المقاومة لـ 6 صواريخ تحذيري، سقطت في مناطق مفتوحة، كان رسالة ردع منضبطة، لا تعطي الاحتلال أي مبرر قانوني أو عسكري لإستباحة لبنان، وتجاوز حدود التناسب في الرد.
خامساً: حتمية التاريخ.. لا هدوء إلا بالإنسحاب التام غير المشروط
بالأمس، أحيا لبنان ذكرى “عيد المقاومة والتحرير”، وهي المحطة التي تؤكد صوابية خيار المقاومة. فمنذ دحر الإحتلال عام 2000، ثم إجباره في عدوان 2006 على التراجع وراء الخط الأزرق والالتزام بوقف الأعمال العدائية لمدى 18 عاماً بفضل معادلة الردع التي فرضتها المقاومة.
وقد أثبتت التجربة، أن هذا العدو لا يفهم سوى لغة القوة في الميدان. ولم تخرق المقاومة هذا الهدوء، إلّا تلبية لواجب الإسناد الإنساني والأخلاقي، نتيجة صمت مجلس الأمن والدول الكبرى المتآمر وعجزهم عن وقف حرب الإبادة في غزة.
وخلاصة القول: إن التاريخ يكرر نفسه؛ وكما أُجبرت قوات الاحتلال على الانسحاب ذليلة دون قيد أو شرط في عامي 2000 و2006، فإن مستوطني الشمال والعمق الصهيوني لن ينعموا بالأمن أو الهدوء أبداً، إلا إذا إنصاع الكيان للقرارات الدولية، وانكفأ خارج الحدود اللبنانية بالكامل.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
26 أيار /مايو 2026