لقمان البرزنجي .. کاتب و صحفي .. المانيا
تحولت منصات التواصل الاجتماعي في الأيام الأخيرة إلى ساحة نهش وتشهير، لا لشيء الا لان شابا كرديا مصارعا خسر نزالا رياضيا امام منافسه المصري، وهو لم يرفع العلم العراقي. هذه الحادثة الرياضية العابرة، التي تحدث يوميا في كل أصقاع الارض، جرى استغلالها بشكل بائس لفتح سيل من الشتائم، والإهانات، والافتراءات الممنهجة ضد الشعب الكردي و اقليم کردستان بأكمله.
وهنا لا بد من وقفة مصارحة صلبة تعيد الأمور إلى نصابها، وتذكر الذين تناسوا أو تعاموا عن التاريخ القريب والبعيد. اليس من حق هذا الشاب ان يسئل ماذا جنى الكرد من العراق وعلمه سوى الماسي؟ وكيف تحول الضحية في نظر البعض إلى متهم؟ حين يعتب على شاب كردي عدم حماسه لرفع العلم العراقي، يجب على العاتب اولا ان يقر كتاب التاريخ الاسود الذي كتب تحت ظلال هذا العلم.
فباسم هذا العلم والسيادة المقترنة به، سويت مدن كردستان بالأرض.هذا الطرح يلامس حقيقة تاريخية وسياسية يدركها كل مطلع على القضية الكردية. فرغم ان الكرد في الأجزاء الاخرى (سوريا، إيران، وتركيا) تعرضوا -وما زالوا يتعرضون- لسياسات صهر ممنهجة، واضطهاد قومي، وتهميش سياسي، واعتقالات، إلا أن ما جرى لكردستان العراق تجاوز حدود الاضطهاد ليدخل في مصاف الجنون الجينوسايدي (الإبادة الجماعية الممنهجة) باستخدام أسلحة دمار شامل وخطط عسكرية تدميرية شاملة
حين يعتب على شاب كردي عدم حماسه لرفع العلم العراقي، يجب على العاتب اولا أن يقرأ كتاب التاريخ الأسود الذي كتب بدماء وجماجم الكرد منذ نشأة الدولة العراقية. فقط لتذکير . ان بداية المحرقة عندما الحقت کردسستان باول دولة عراقية في التاريخ بعد الحرب العالمية الاولی (1922) منذ تأسيس أول فصيل عسكري عراقي، لم يجنِ الكرد سوى النار، حيث بدأت الماسي مبكرا بحرق القرى الكردية في منطقة رواندوز لإخضاع الشعب الكردي بقوة السلاح. ثم إخماد احراق منطقة بارزان (1941) تكرر السيناريو بحرق وإخماد ثورة بارزان الأولى، وتشريد الآلاف من العائلات الامنة في الجبال.التحالف الإقليمي لإبادة الكرد (1962): في واحدة من أبشع صفحات التامر، استعانت الحكومة في بغداد بقوات سورية (اللواء 47 مشاة بقيادة اللواء الركن فهد الشاعر)، مدعومة بفصيل من منظمة التحرير الفلسطينية ومجموعات من بدو الأردن، حيث شنت تلک القوات حملة وحشية لحرق وقتل الكرد في مناطق كوينسجق وأطراف كركوك. في ذروة الإبادة (الثمانينيات) ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل توج هذا التاريخ الحافل بالدماء بعمليات الأنفال السيئة الصيت، واقتياد أكثر من 182 ألف إنسان كردي أعزل إلى مقابر جماعية في صحاري الجنوب، وقصف مدينة حلبجة الشهيدة بالغازات الكيميائية السامة و عملية تهجير و تعريب ممنهج ، فضلاً عن السجون والمعتقلات التي غصت بأجساد الأبرياء.العلم في وجدان الشعوب هو رمز للأمان والمواطنة، وحين يحرم شعب كامل من حقه في الحياة لعقود باسم هذا الرمز، يصبح العتب على عدم رفعه نوعا من السذاجة أو النفاق السياسي.وتحت هذا العلم اختنق أطفال حلبجة بالغازات الكيميائية السامة.الكرد.. بناة العراق الجديد رغم الجراح والآلام الكبيرة، كان الكرد هم الطرف الأحرص والوحيد تقريباً الذي انتشل العراق من ركام الديكتاتورية بعد عام 2003. بجهود القيادة الكردية ودبلوماسيتها، أعيد بناء الدولة العراقية الجديدة على أسس ديمقراطية وفيدرالية.لقد تنازل الكرد عن الكثير و رفعوا شعار ( عفی اللە عما سلف) ، و ذهبوا إلى بغداد بقلوب مفتوحة للمشاركة في كتابة الدستور وتأسيس مؤسسات الدولة، في وقت كانت فيه بقية المكونات تغرق في صراعات طائفية وحروب اهلية كادت تأكل الأخضر واليابس.كفى مزايدات رياضية وسياسية . إن محاولة اختزال شعب حي، يملك تاريخاً من النضال والتضحيات، في نزال رياضي خسره شاب او في خرقة قماش لم يرفعها، هو قمة الإفلاس الفكري والأخلاقي. الرياضة فوز وخسارة، والهوية الكردية اعمق وأكبر من أن تقيمها جيوش إلكترونية تبحث عن أي فرصة لبث سموم الشوفينية والكراهية.