إيهاب مقبل
لطالما كان الفرق بين “رجل الدولة” و”رجل السلطة” موضوعًا حاضرًا في دراسة تجارب الحكام والقادة السياسيين. فليس كل من يصل إلى الحكم يصبح رجل دولة، كما أن امتلاك السلطة لا يعني بالضرورة غياب مشروع الدولة. الفارق الحقيقي يكمن في طريقة استخدام السلطة، وفي طبيعة العلاقة بين الحاكم والمؤسسات التي يديرها.
فرجل السلطة ينظر إلى الحكم بوصفه هدفًا أساسيًا، ويسعى إلى تثبيت النفوذ والمحافظة على موقعه السياسي، وقد تصبح مؤسسات الدولة مرتبطة بشخصه أو حزبه. أما رجل الدولة، فإنه يتعامل مع السلطة باعتبارها أداة لبناء مؤسسات قوية، ويضع المصلحة العامة واستمرارية الدولة فوق الاعتبارات الشخصية والسياسية الضيقة.
ولا يعني هذا التصنيف أن رجل الدولة لا يسعى إلى الحفاظ على الحكم، أو أن رجل السلطة لا يحقق إنجازات، فبعض الحكام الذين امتلكوا نزعة سلطوية تركوا مشاريع عمرانية أو اقتصادية مهمة، بينما فشل آخرون رغم امتلاكهم نوايا إصلاحية. لكن المعيار الأساسي يبقى: هل أصبحت الدولة أقوى بعد الحاكم، أم أصبح الحاكم أقوى من الدولة؟
نوري السعيد.. رجل دولة بمشروع سياسي
يُعد نوري السعيد من أبرز الشخصيات التي يضعها كثير من المؤرخين ضمن نموذج “رجل الدولة” في العراق الحديث. فقد امتلك رؤية لإدارة الدولة، وعمل على تطوير مؤسساتها المدنية والعسكرية، وربط العراق بمشاريع اقتصادية وسياسية إقليمية.
ورغم الجدل الكبير الذي أحاط بعلاقاته الخارجية، خصوصًا مع بريطانيا، فإن تجربته كانت تقوم على بناء جهاز دولة حديث وإدارة مؤسساتها، وليس على تكريس السلطة الشخصية فقط. ولهذا يبقى اسمه حاضرًا في النقاشات المتعلقة بتأسيس الدولة العراقية الحديثة.
عبد الكريم قاسم.. مشروع إصلاحي ودولة غير مكتملة
مثّل عبد الكريم قاسم تجربة مختلفة في تاريخ العراق. فقد أطلق بعد ثورة 14 يوليو تموز 1958 مجموعة من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، من بينها الإصلاح الزراعي، وتوسيع دور الدولة في التنمية، وإقرار قوانين ذات أثر اجتماعي واسع.
إلا أن تجربته واجهت مشكلة أساسية تمثلت في ضعف البناء السياسي والمؤسساتي، واعتماد الحكم بدرجة كبيرة على المؤسسة العسكرية وشخصية القائد. لذلك يراه البعض “رجل دولة” بسبب مشاريعه الإصلاحية، بينما ينتقد آخرون عدم نجاحه في بناء نظام سياسي مستقر قادر على الاستمرار.
عبد السلام وعبد الرحمن عارف.. بين السلطة والهدوء السياسي
اتجه عبد السلام عارف إلى تثبيت سلطته في مرحلة اتسمت بالصراعات السياسية والانقلابات، ولم ينجح في بناء مشروع مؤسساتي واضح، لذلك يميل عدد من المؤرخين إلى اعتباره أقرب إلى نموذج “رجل السلطة”.
أما عبد الرحمن عارف، فقد اتسم حكمه بدرجة أكبر من الهدوء مقارنة بسلفه، ولم يعرف عنه السعي الحاد وراء النفوذ الشخصي، لكنه لم يمتلك مشروعًا كبيرًا لإعادة تشكيل الدولة، ما يجعله أقرب إلى “رجل الدولة التقليدي ذي التأثير المحدود”.
أحمد حسن البكر.. بناء المؤسسات في ظل نظام حزبي
شهد العراق في عهد أحمد حسن البكر مرحلة توسع في بناء مؤسسات الدولة، خصوصًا بعد تأميم النفط عام 1972، وازدياد الإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية ومشاريع التنمية.
ورغم أن النظام السياسي كان قائمًا على هيمنة حزب واحد، فإن البكر يُنظر إليه من قبل عدد من الباحثين باعتباره أكثر اهتمامًا ببناء الدولة ومؤسساتها من التركيز على السلطة الشخصية، ولذلك يصنفه البعض ضمن “رجال الدولة” مع الأخذ بنظر الاعتبار طبيعة النظام السياسي الذي حكم من خلاله.
صدام حسين.. قوة الدولة أم قوة الحاكم؟
يظل صدام حسين من أكثر الشخصيات العراقية إثارة للجدل. فقد شهد العراق في بداية عهده توسعًا في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية، كما امتلكت الدولة جهازًا إداريًا وعسكريًا واسعًا.
لكن مع مرور الوقت أصبحت مؤسسات الدولة مرتبطة بشكل متزايد بشخص الرئيس، وتحولت مراكز القرار الأساسية إلى دوائر قريبة منه، وأصبح الحفاظ على النظام واستمراره أولوية سياسية كبرى.
ولهذا يرى كثير من الباحثين أن صدام حسين يمثل نموذج “رجل السلطة” أكثر من رجل الدولة، رغم امتلاك الدولة في عهده قدرات كبيرة، لأن قوة المؤسسات لم تكن مستقلة بصورة كافية عن شخصية الحاكم وعائلته.
العراق بعد 2003.. اختبار جديد لفكرة الدولة
بعد عام 2003 دخل العراق مرحلة سياسية جديدة اتسمت بالتعددية الحزبية ونظام التوافقات السياسية، إلا أن هذا النظام حمل معه تحديات كبيرة أمام بناء مؤسسات دولة مستقلة عن الأحزاب والتوازنات السياسية.
إياد علاوي.. مشروع دولة لم يكتمل
يُنظر إلى إياد علاوي باعتباره أقرب إلى نموذج “رجل الدولة”. فقد تولى رئاسة الحكومة المؤقتة عام 2004 في مرحلة انتقالية صعبة، وركز على إعادة بناء مؤسسات الدولة، خصوصًا الأجهزة الأمنية والإدارية.
كما قدم خطابًا سياسيًا يقوم على فكرة الدولة الوطنية بعيدًا عن الانقسامات الطائفية. إلا أن قصر مدة حكومته والظروف السياسية المعقدة حالت دون تحويل رؤيته إلى مشروع طويل الأمد.
إبراهيم الجعفري.. سلطة في مرحلة انتقالية
يميل عدد من المحللين إلى تصنيف إبراهيم الجعفري ضمن نموذج “رجل السلطة” أكثر من رجل الدولة. فقد تولى الحكومة في مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، لكن حكومته لم تتمكن من بناء مشروع مؤسساتي واضح يعيد تنظيم الدولة على أسس مستقرة.
كما غلبت على المرحلة التي قادها الصراع السياسي والانقسامات الحزبية والطائفية، وهو ما أثر على قدرة الحكومة في بناء مؤسسات تتجاوز التجاذبات السياسية.
نوري المالكي.. بين قوة الدولة وتركيز السلطة
يُعد نوري المالكي من أكثر رؤساء الحكومات العراقية بعد عام 2003 إثارة للجدل. فقد شهد عهده تحديات أمنية وسياسية كبيرة، لكنه واجه انتقادات واسعة بسبب تركيز صلاحيات واسعة في موقع رئيس الوزراء، وطريقة إدارته للملفات الأمنية والسياسية.
ويرى منتقدوه أن هذه المركزية أضعفت استقلال بعض مؤسسات الدولة، وعمقت الانقسامات السياسية والطائفية، كما شهدت فترة حكمه تصاعدًا في الانتقادات المتعلقة بالفساد الإداري والمالي، وضعف آليات الرقابة والمساءلة، وانتشار المحاصصة في مؤسسات الدولة. ويربط بعض المعارضين بين هذه الظواهر وبين ضعف الإدارة الحكومية وتراجع كفاءة بعض المؤسسات، خصوصًا في السنوات التي سبقت أحداث عام 2014.
في المقابل، يرى مؤيدوه أن الظروف الأمنية الصعبة التي مر بها العراق فرضت الحاجة إلى قيادة مركزية قوية، وأن حكومته حققت تقدمًا في بعض مشاريع الإعمار وتعزيز مؤسسات الدولة.
وبحسب معيار الفرق بين رجل الدولة ورجل السلطة، يميل عدد من المحللين إلى تصنيف المالكي أقرب إلى “رجل السلطة”، بسبب الجدل حول تغليب مركزية القرار والحفاظ على النفوذ السياسي على حساب بناء مؤسسات مستقلة.
حيدر العبادي.. إدارة الدولة في زمن الحرب
يُنظر إلى حيدر العبادي باعتباره أقرب إلى “رجل الدولة”، خصوصًا بسبب إدارته للبلاد خلال الحرب ضد تنظيم داعش، ومحاولاته إعادة تنظيم مؤسسات الدولة وإطلاق بعض الإصلاحات الإدارية والاقتصادية.
لكن محدودية الظروف السياسية حالت دون تحقيق تغيير مؤسساتي واسع.
عادل عبد المهدي.. رؤية إصلاحية لم تكتمل
يُعد عادل عبد المهدي من الشخصيات التي تميل إلى نموذج “رجل الدولة” من حيث الخلفية الفكرية والاقتصادية، فقد امتلك رؤية تتعلق بالإصلاح الاقتصادي وتطوير مؤسسات الدولة، وكان معروفًا بخطابه الداعي إلى بناء دولة مؤسسات بدلًا من دولة المحاصصة.
إلا أن تجربته كرئيس للوزراء بين عامي 2018 و2019 واجهت تحديات كبيرة، أبرزها ضعف القدرة على فرض رؤية حكومية مستقلة وسط نفوذ القوى السياسية، إضافة إلى اندلاع الاحتجاجات الشعبية التي انتهت باستقالته. كما تعرضت حكومته لانتقادات بسبب عدم قدرتها على معالجة ملفات الفساد وتحسين الخدمات بصورة ملموسة.
وبحسب معيار رجل الدولة ورجل السلطة، يمكن تصنيف عبد المهدي أقرب إلى رجل الدولة من حيث التوجه والرؤية، لكنه لم يتمكن خلال فترة حكمه القصيرة من تحويل هذه الرؤية إلى مؤسسات وإصلاحات راسخة، فبقي مشروعه غير مكتمل.
مصطفى الكاظمي.. محاولة لاستعادة دور الدولة
يُعد مصطفى الكاظمي أقرب إلى نموذج “رجل الدولة”، رغم محدودية النتائج التي حققها، إذ ركز خلال رئاسته للحكومة على تعزيز دور مؤسسات الدولة، وتحقيق التوازن في السياسة الخارجية، وإعادة بناء الثقة بين الحكومة والمجتمع بعد احتجاجات تشرين.
لكن تجربته واجهت قيودًا كبيرة بسبب طبيعة النظام السياسي ونفوذ القوى المتعددة، فلم يتمكن من تحقيق إصلاحات عميقة في ملفات مثل الفساد وبناء مؤسسات مستقلة.
محمد شياع السوداني.. بين الإنجاز الخدمي وتحديات بناء الدولة
تُعد تجربة محمد شياع السوداني من التجارب التي ركزت على الجانب الخدمي والتنموي، إذ شهد عهده اهتمامًا بمشاريع البنية التحتية، وتحريك بعض الملفات الاقتصادية، ومحاولة تحسين أداء الإدارة الحكومية.
ويرى مؤيدوه أنه نجح في إعادة التركيز على العمل التنفيذي والخدمات، بينما يرى منتقدوه أن التحدي الأكبر بقي في ملفات مثل الإصلاح الإداري، مكافحة الفساد، وتقوية مؤسسات الدولة بعيدًا عن تأثير القوى السياسية.
وبحسب معيار رجل الدولة ورجل السلطة، فإن تجربة السوداني تميل إلى نموذج “رجل الدولة” من حيث التركيز على الإدارة والمشاريع، لكن الحكم النهائي على تجربته يرتبط بمدى نجاح ما تركه من مؤسسات وسياسات قابلة للاستمرار بعد انتهاء حكومته.
علي فالح الزيدي.. اختبار المستقبل
أما علي الزيدي، فتظل تجربته في بدايتها، ولذلك من المبكر تصنيفه ضمن رجل الدولة أو رجل السلطة. فالتصنيف السياسي لا يعتمد على الخطابات أو البرامج المعلنة، بل على النتائج التي تتركها الحكومات على أرض الواقع.
فإذا تمكن من بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستقلالًا، وتحويل الإصلاحات المعلنة إلى سياسات مستدامة، فقد ينظر إليه التاريخ بوصفه رجل دولة. أما إذا ارتبطت السلطة بشخصه أو بمصالح سياسية ضيقة، فإن الحكم سيكون مختلفًا.
التاريخ هو الحكم الأخير
إن تصنيف الحكام بين رجال دولة ورجال سلطة ليس عملية حسابية بسيطة، فالكثير من التجارب تحمل جوانب متناقضة. فقد يحقق حاكم إنجازات كبيرة في مجالات معينة، لكنه في الوقت نفسه يضعف استقلال المؤسسات، وقد يرفع آخر شعارات الإصلاح لكنه يفشل في تحويلها إلى واقع عملي.
وفي الحالة العراقية، يمكن وفق هذا المعيار تصنيف بعض التجارب بأنها أقرب إلى نموذج رجل السلطة، مثل عبد السلام عارف، وصدام حسين، وإبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، بسبب ما ارتبط بتجاربهم من تركيز القرار السياسي، أو ضعف استقلال بعض المؤسسات، أو تغليب الاعتبارات السياسية على بناء مؤسسات دولة مستقرة، مع بقاء هذه التقييمات محل نقاش بين المؤرخين والباحثين والمحللين.
في المقابل، هناك تجارب اقتربت بدرجات مختلفة من مفهوم رجل الدولة، مثل نوري السعيد، وعبد الكريم قاسم، وأحمد حسن البكر، وإياد علاوي، وحيدر العبادي، ومصطفى الكاظمي، وعادل عبد المهدي، ومحمد شياع السوداني، حيث ارتبطت تجاربهم بمحاولات بناء مؤسسات الدولة أو تقديم مشاريع إصلاحية وتنموية، رغم اختلاف الظروف والنتائج التي حققتها كل تجربة.
أما علي الزيدي، فما تزال تجربته بحاجة إلى تقييم تاريخي كامل، إذ إن الحكم على أي قائد لا يعتمد على البرامج المعلنة أو الخطابات السياسية، بل على ما يتركه من أثر في مؤسسات الدولة وطريقة إدارة السلطة. لذلك يبقى تصنيفه مرتبطًا بنتائج تجربته، ومدى نجاحه في بناء مؤسسات مستقلة وتعزيز كفاءة الدولة بعيدًا عن تأثير الأشخاص والقوى السياسية.
وفي التجربة العراقية تحديدًا، زادت الانقلابات والحروب والعقوبات والاحتلال والانقسامات السياسية من تعقيد مهمة بناء الدولة، وجعلت كثيرًا من التجارب تحمل مزيجًا من عناصر القوة والضعف.
ويبقى السؤال الأهم عند تقييم أي حاكم: هل ترك دولة أقوى من السابق، أم ترك سلطة أقوى من الدولة؟
فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد، في النهاية، الفارق الحقيقي بين رجل الدولة ورجل السلطة، ويبقى التاريخ هو الحكم الأخير.
انتهى