د. فاضل حسن شريف
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل جلاله “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (المائدة 2) قوله تعالى: “وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا”” (المائدة 2) يقال: جرمه يجرمه أي حمله، ومنه الجريمة للمعصية لأنها محمولة من حيث وبالها، وللعقوبة المالية وغيرها لأنها محمولة على المجرم. وذكر الراغب أن الأصل في معناها القطع. والشنآن العداوة والبغض. وقوله “أَنْ صَدُّوكُمْ” أي منعوكم بدل أو عطف بيان من الشنآن، ومحصل معنى الآية: ولا يحملنكم عداوة قوم وهو أن منعوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا عليهم بعد ما أظهركم الله عليهم. قوله تعالى: “وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ” المعنى واضح، وهذا أساس السنة الإسلامية، وقد فسر الله سبحانه البر في كلامه بالإيمان والإحسان في العبادات والمعاملات، كما مر في قوله تعالى: “وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ” الآية: ( البقرة 177 ) وقد تقدم الكلام فيه. والتقوى مراقبة أمر الله ونهيه، فيعود معنى التعاون على البر والتقوى إلى الاجتماع على الإيمان والعمل الصالح على أساس تقوى الله، وهو الصلاح والتقوى الاجتماعيان، ويقابله التعاون على الإثم الذي هو العمل السيئ المستتبع للتأخر في أمور الحياة السعيدة، وعلى العدوان وهو التعدي على حقوق الناس الحقة بسلب الأمن من نفوسهم أو أعراضهم أو أموالهم وقد مر شطر من الكلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى: “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا” الآية: ( آل عمران 200 ) في الجزء الرابع من هذا الكتاب. ثم أكد سبحانه نهيه عن الاجتماع على الإثم والعدوان بقوله: “وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ” وهو في الحقيقة تأكيد على تأكيد.
جاء في موقع معارف الحج عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: عن محمد بن عبد الله الكوفي قال: حدّثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر قال: قال الصادق عليه السلام: حدّثني أبي، عن أبيه عليه السلام: أنّ الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ حجّ ماشياً وربما مشى حافياً، وكان إذا ذكر الموت بكى وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممرّ على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها، وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربّه عزَّ وجلَّ، وكان إذا ذكر الجنّة والنّار اضطرب اضطراب السليم، وسأل الله الجنّة وتعوّذ به من النار. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عليّ بن فضّال، عن ابن بكير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنّا نريد أن نخرج إلى مكّة مشاة؟ فقال لنا: لا تمشوا واخرجوا ركباناً قلت: أصلحك الله إنّه بلغنا عن الحسن بن عليّ صلوات الله عليهما أنّه كان يحجّ ماشياً فقال: كان الحسن بن عليّ عليه السلام يحجّ ماشياً وتساق معه المحامل والرِّحال. الحسين بن محمد، عن معلّى بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن محمّد بن عليّ بن النعمان، عن صندل، عن أبي أُسامة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج الحسن بن عليّ عليه السلام إلى مكّة سنة ماشياً، فورمت قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبت لسكن عنك هذا الورم، فقال كلاّ. (الخبر) عن أحمد بن سهل بن أيّوب، ثنا خليفة بن خيّاط، عن عبد الله بن داود، عن المغيرة بن زياد، عن ابن أبي نجيح: أنّ الحسن بن عليّ حجّ ماشياً وقسّم ماله نصفين. عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي قال: حدّثنا عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبيه، عن الرّضا، عن آبائه عليه السلام قال: مّا حضرت الحسن بن عليّ بن أبي طالب الوفاة بكى فقيل له: يا بن رسول الله أتبكي ومكانك من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الذي أنت به، وقد قال فيك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما قال، وقد حججت عشرين حجّة ماشياً، وقد قاسمت ربّك ما لك ثلاث مرّات حتّى النعل والنعل؟ فقال عليه السلام: إنّما أبكي لخصلتين: لهول المطلع وفراق الأحبّة. عن محمد بن الوليد، عن عبد الله بن بكير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنّا نريد الخروج إلى مكّة مشاة. قال: فقال: لا تمشوا اُخرجوا ركباناً. قال: فقلت: أصلحك الله، إنّه بلغنا أنّ الحسن بن عليّ عليه السلام حجّ عشرين حجّة ماشياً. قال: إنّ الحسن بن عليّ عليه السلام حجّ وساق معه المحامل والرّحال. عن موسى بن القاسم، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل المشي؟ فقال: إنّ الحسن بن عليّ عليه السلام قاسم ربّه ثلاث مرّات، حتّى نعلا ونعلا وثوباً وثوباً وديناراً وديناراً، وحجّ عشرين حجّة ماشياً على قدميه. عن عليّ بن أحمد، عن محمد بن أبي عبد الله قال: حدّثنا موسى بن عمران، عن الحسين بن سعيد، عن الفضل بن يحيى، عن سليمان قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنّا نريد أن نخرج إلى مكّة مشاة فقال: لا تمشوا اُخرجوا ركباناً، فقلنا: أصلحك الله إنّا بلغنا عن الحسن بن عليّ صلوات الله عليه أنّه حجّ عشرين حجّة ماشياً فقال: إنّ الحسن بن عليّ عليه السلام كان يحجّ وتساق معه الرّحال. أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنبأنا أبو بكر أحمد بن الحسين، أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الصفّار، حيلولة: وأخبرنا أبو المعالي عبد الله بن أحمد بن محمّد الحلواني، أنبأنا أبو بكر بن خلف، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله الصفّار، أنبأنا أحمد بن مهدي، أنبأنا عبد الله بن محمّد النفيلي، أنبأنا زهير بن معاوية، أنبأنا عبيد الله بن الوليد، أنّ عبد الله بن عبيد بن عمير حدّثهم قال: قال عبد الله بن العباس: ما ندمت على شيء فاتني في شبابي الاّ أنّي لم أحجّ ماشياً، ولقد حجّ الحسن بن عليّ خمسة وعشرين حجّة ماشياً وانّ النجائب لتقاد معه، ولقد قاسم الله ماله ثلاث مرّات حتّى أنّه كان يعطي الخفّ ويمسك النعل. أخبرنا موصولا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، أنبأنا الحسن بن علي، أنبأنا محمد بن العبّاس، أنبأنا أحمد بن معروف، أنبأنا الحسين بن محمد، أنبأنا محمد بن سعد، أنبأنا عليّ بن محمد، عن خلاّد بن عبيدة، عن عليّ بن زيد بن جدعان قال: حجّ الحسن بن عليّ خمسة عشر حجّة ماشياً، وإنّ النجائب لتقاد معه، وخرج من ماله لله مرّتين، وقاسم الله ماله مرّات حتّى أن كاد ليعطي نعلا ويمسك نعلا ويعطي خفّاً ويمسك خفّاً.
حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن نصير، ثنا إسماعيل بن عمرو، ثنا العباس بن الفضل، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن محمّد بن عليّ قال: قال الحسن بن عليّ رضي الله عنه: إنّي لأستحيي من ربّي عزَّ وجلَّ أن ألقاه ولم أمش إلى بيته فمشى عشرين مرّة من المدينة على رجليه. روى عبد الله بن عمر، عن ابن عباس قال: لمّا أُصيب معاوية قال: ما آسى على شيء إلاّ على أن أحجّ ماشياً، ولقد حجّ الحسن بن عليّ عليه السلام خمساً وعشرين حجّة ماشياً وإنّ النجائب لتقاد معه، وقد قاسم الله مرّتين حتّى أن كان ليعطي النعل ويمسك النعل، ويطعي الخفّ ويمسك الخفّ. أخبرنا أبو الفتح نصر الله بن محمّد الفقيه، أنبأنا نصر بن إبراهيم الزاهد، أنبأنا أبو الفرج عبيد الله بن محمد بن يوسف المراغي، أنبأنا عيسى بن عبيد الله بن عبد العزيز الموصلي، أنبأنا أبو بكر محمد بن صلة الحيري السنجاري أنبأنا أبو عليّ نصر بن عبد الملك السنجاري، أنبأنا عبد الرحمن بن محمد وهو ابن سلام عن محمد بن ربيعة، عن المغيرة بن زياد، عن ابن أبي نجيح: أنّ الحسن بن عليّ حجّ خمساً وعشرين حجّة ماشياً وقاسم الله جلّ ثناؤه ماله مرّتين1.
عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل جلاله “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (المائدة 2) “ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا”. في سنة ست للهجرة كان المشركون هم المسيطرين على مكة والبيت الحرام، وأراد النبي والصحابة أن يزوروا البيت في هذه السنة فصدهم عنه المشركون، وفي حجة الوداع كانت السيطرة على مكة والبيت للمسلمين، فنزلت هذه الآية، ومعناها لا ينبغي لكم أيها المسلمون أن يحملكم بغض المشركين لكم، أو بغضكم لهم على أن تمنعوهم عن البيت الحرام بعد أن أظهركم اللَّه عليهم، لأنهم منعوكم من قبل. وقد كان هذا قبل أن تنزل الآية 29 من سورة التوبة: “إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا”. وتسأل: ألم يقل اللَّه سبحانه: “فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ” (البقرة 194)؟ الجواب: ان هذه الآية نزلت في القصاص، والمعاملة بالمثل في موارد خاصة، كالحرب وقطع الأعضاء، أي من قاتلكم فقاتلوه، ومن قطع يد غيره تقطع يده، وما إلى ذلك.. أما من منع وصد عن عبادة اللَّه والتجارة والزراعة فلا يجوز أن يمنع هو عن ذلك، بل يجازى بعقوبة أخرى. والخلاصة ان جزاء المعتدي قد يكون بالمثل، وقد يكون بغيره، وفي سائر الأحوال ينبغي أن يكون الجزاء انتصارا للحق، لا تشفيا وانتقاما. الثورة والثورة المضادة : “وتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ والْعُدْوانِ”. من الألفاظ التي كثر تداولها اليوم على ألسنة المتكلمين، وأقلام الكتّاب لفظ الثورة والثورة المضادة.. ويعنون بالثورة تعاون المخلصين ونضالهم ضد التخلف والأوضاع الفاسدة، ويعنون بالثورة المضادة تكتل الرجعيين والخائنين وتعاونهم على مقاومة كل محاولة لتغيير التقاليد الضارة الفاسدة. وظاهر الآية الكريمة يخوّل لنا ان نطبق قوله تعالى: “ولا تَعاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ والْعُدْوانِ” على الثورة المضادة لكل خير وتقدم .
عن شبكة الامام الهادي عليه السلام: قولـه تعالى: “فِيهِ ءَايَتُ بَيِّنَتٌ مَّقَامُ إِبْرَهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَلَمِينَ” (آل عمران 97) ابن شعبة الحرّانيّ رحمـه الله: من عليّ بن محمّد عليهما السـلام: أوجب اللّه عزّ وجلّ على ذي اليسار الحجّ، والزكاة لما ملّكـه من استطاعة ذلك، ولم يوجب على الفقير الزكاة والحجّ، قوله: “وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً” (آل عمران 97). قوله تعالى: ” يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَاتَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ” (آل عمران 102) ابن شعبة الحرّانيّ رحمه الله: من عليّ بن محمّد عليهما السـلام: وفي إثبات العجز نفي القدرة والتألّه، وإبطال الأمر والنهي، والثواب والعقاب، ومخالفة الكتاب، إذ يقـول “اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَاتَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ” (آل عمران 102). قوله تعالى: ” يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَاتَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ” (آل عمران 102) ابن شعبة الحرّانيّ رحمه الله: من عليّ بن محمّد عليهما السـلام: وفي إثبات العجز نفي القدرة والتألّه، وإبطال الأمر والنهي، والثواب والعقاب، ومخالفة الكتاب، إذ يقـول “اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَاتَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ” (آل عمران 102).
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل جلاله “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (المائدة 2) منعت هذه الآية الكريمة المسلمين من مضايقة أولئك النفر من المسلمين الذين كانوا قبل إسلامهم يضايقون المسلمين الأوائل في زيارة بيت الله الحرام ويمنعونهم من أداء مناسك الحج، وكان هذا في واقعة الحديبية، فمنع المسلمون من تجديد الأحقاد ومضايقة أولئك النفر في زمن الحج بعد أن أسلموا وقبلوا الإسلام لهم دينا، تقول الآية الكريمة: “وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا” (المائدة 2). ومع أنّ هذا الحكم قد نزل في مجال زيارة بيت الله الحرام، لكنه ـ في الحقيقة ـ يعد حكما عاما، وقانونا كليا يدعو المسلمين إلى نبذ (الحقد) وعدم إحياء الأحداث السابقة في أذهانهم بهدف الانتقام من مسببيها. ولمّا كانت خصلة الحقد إحدى عناصر ظهور وبروز النفاق والفرقة لدى المجتمعات يتّضح لنا ـ منذ ذلك ـ جليا أهمية هذا الحكم الإسلامي في التصدي والوقوف بوجه استعار نار النفاق بين المسلمين وبالأخص في زمن كان نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم يوشك على وداع المسلمين والرحيل عنهم. تؤكّد الآية جريا على سياق البحث الذي تناولته وبهدف إكماله ـ على أنّ المسلمين بدلا من أن يتحدوا للانتقام من خصومهم السابقين الذين أسلموا وأصبحوا بحكم إسلامهم أصدقاء عليهم جميعا أن يتحدوا في سبيل فعل الخيرات والتزام التقوى، وأن لا يتعاونوا ـ في سبيل الشر والعدوان تقول الآية: “وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ” (المائدة 2). ولكي تعزز الآية الأحكام السابقة وتؤكّدها تدعو المسلمين في الختام إلى اتّباع التقوى وتجنّب معصية الله، محذره من عذاب الله الشديد، فتقول: “وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ”.