حبيب عبد
ينظرر إلى مسألة ((الحاكمية الشيعية))في العراق بعد عام 2003 بوصفها نتيجة تفاعل معقد بين العامل الأمريكي والعامل الداخلي العراقي والتحولات الإقليمية، لذلك فإن اختزال الأمر بالقول إن الولايات المتحدة “أعطت” الشيعة الحكم هو تبسيط لواقع أكثر تعقيداً.
من الناحية العملية، أدى غزو العراق 2003 إلى إسقاط نظام صدام حسين الذي كان يقوم على مركزية السلطة بيد النخبة السنية – البعثية، رغم وجود شخصيات شيعية داخل النظام. سقوط الدولة القديمة فتح الباب أمام إعادة تشكيل النظام السياسي على أساس الأغلبية السكانية والتمثيل الانتخابي، وهو ما سمح للأحزاب الشيعية بالوصول إلى السلطة لأول مرة في تاريخ العراق الحديث بهذا الحجم. بهذا المعنى، فإن التدخل الأمريكي كان العامل الحاسم في إزالة النظام السابق وخلق البيئة السياسية الجديدة التي صعدت فيها القوى الشيعية.
لكن في المقابل، لم تكن القوى الشيعية صناعة أمريكية خالصة. فالأحزاب الشيعية الكبرى مثل حزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي والتيار الصدري كانت موجودة قبل الاحتلال بسنوات طويلة، وقد تعرضت للقمع والسجون والإعدام خلال العقود السابقة. كما أن المعارضة الشيعية كانت تمتلك امتداداً اجتماعياً واسعاً داخل الجنوب والوسط العراقي، وكانت تنتظر لحظة سقوط النظام لتتحول إلى قوة حاكمة.
الولايات المتحدة لم تدخل العراق بهدف “تسليم الحكم للشيعة” بقدر ما دخلت لإسقاط النظام وإعادة بناء نظام سياسي جديد يخدم رؤيتها للمنطقة. لكن عند تطبيق الديمقراطية والانتخابات، ظهرت حقيقة التوازن الديموغرافي العراقي، حيث يشكل الشيعة الأغلبية السكانية، وبالتالي أصبحت نتائج الانتخابات تصب غالباً في مصلحة الأحزاب الشيعية. لذلك يرى كثير من الباحثين أن أمريكا لم “تمنح” الشيعة الحكم بقدر ما أنها((( أزالت العائق الذي كان يمنعهم من الوصول إليه)))))
مع ذلك، فإن طبيعة النظام الذي تأسس بعد 2003 حملت بصمة أمريكية واضحة، خصوصاً في فكرة المحاصصة والتوازن بين المكونات. فالنظام الجديد لم يؤسس لحاكمية شيعية مطلقة على النموذج الإيراني، بل لنظام توافقي تشارك فيه القوى الشيعية والسنية والكردية. ولهذا بقيت السلطة الشيعية في العراق مقيدة بالتوافقات الداخلية والتفاهمات الدولية والإقليمية.
كما أن العلاقة بين القوى الشيعية والولايات المتحدة لم تكن مستقرة أو متحالفة دائماً. فبعد سنوات قليلة من الاحتلال، دخلت فصائل شيعية عديدة في مواجهة عسكرية وسياسية مع القوات الأمريكية، وبرز النفوذ الإيراني بقوة داخل البيئة الشيعية العراقية، ما جعل واشنطن تنظر أحياناً إلى بعض القوى الشيعية باعتبارها خصماً لا حليفاً.
لذلك يمكن القول إن الاحتلال الأمريكي كان “السبب المباشر” في فتح الطريق أمام صعود الشيعة إلى السلطة، لكنه لم يكن السبب الوحيد في نشوء الحاكمية الشيعية. فهذه الحاكمية نتجت أيضاً عن التحولات الديموغرافية والسياسية، وعن تراكم طويل من المعارضة الشيعية، وعن انهيار الدولة المركزية القديمة، إضافة إلى الدعم الإقليمي الإيراني الذي عزز نفوذ القوى الشيعية بعد 2003.
تقوم الحاكمية الشيعية في العراق على مجموعة من العوامل السياسية والديموغرافية والدستورية والاجتماعية والإقليمية التي جعلت من الصعب إقصاء القوى الشيعية عن مركز السلطة بعد عام 2003. وهذه العوامل لا تعني ضماناً مطلقاً أو دائماً، لكنها تشكل شبكة حماية سياسية عميقة تجعل أي تغيير جذري في طبيعة الحكم أمراً شديد التعقيد.
يبقى السؤال الاهم هل العوامل السياسية وااديمعرافية والدستورية والاجتماعية التي شكلت الحاكنية الشيعية ثابتة ؟
هل يمكن عقد مقارنة بين تجربة الشيعة في لبنان وايران واذربيحان بالعراق ؟
هذا ماسوف احاول شرحة على مراحل باذن الله تعالى .