لقمان البرزنجي .. کاتب و صحفي .. المانيا
إن الاعياد في جوهرها الاجتماعي الاصيل. ليست مجرد محطات زمنية عابرة تنقضي بانقضاء أيامها، ولا هي مجرد مناسبات طقوسية تؤدى فيها الشعائر بروح رتيبة، بل هي منظومة متكاملة من القيم وتحولات عميقة، تصيب البنية النفسية والاجتماعية للأمم. ويأتي عيد الأضحى المبارك بتوقيته ومناسكه وخلفيته التاريخية ليمثل ذروة هذه المنظومة؛ فهو حدث تتشابك فيه السماء بالارض، وتلتقي فيه الروح بالمادة، لان في عالم مادي متسارع يميل بالإنسان نحو العزلة والانداد، ياتي العيد كـ مهدئ اجتماعي يعيد وصل ما انقطع. فالزيارات المتبادلة، وتصاخب التحايا، ومبادرات العفو والصفح بين المتخاصمين تسهم بشكل مباشر في غسل القلوب من الضغائن والأحقاد، مما ينعكس إيجابا على استقرار النسيج المجتمعي وحمايته من التحلل والتناحر البيني.کما تتجلى عبره معان اجتماعية وسياسية بالغة العمق والرفعة، تشكل في مجموعها دستوراً حياتيا لاعادة بناء الإنسان والمجتمع على أسس من التضامن والعدالة والحرية. اما عن الأبعاد والمعاني السياسية.. منصة الوحدة ورفض التبعية.إذا كان البعد الاجتماعي للعيد يعتني بالداخل المجتمعي وترتيب البيت من الداخل، فإن البعد السياسي لعيد الأضحى .المرتبط ارتباطا وثيقا بركن الحج الأعظم — يمتد ليشكل بيانا سياسيا عالميا يخص الأمة في تعاملها مع ذاتها ومع الآخر.التأكيد على الوحدة الأممية وتجاوز حدود الـسايكس بيكو الملعونة ،في مشهد الحج الذي يسبق العيد ويتزامن معه، تلتحم ملايين الأجساد من شتى بقاع الارض، من مختلف الاعراق، والالوان، واللغات، والطبقات السياسية، يرتدون زيا واحدا (الكفن الأبيض/الإحرام) الذي ينفي اي تميز سلطوي او عرقي. هذا المشهد هو أكبر تظاهرة سياسية صامتة تعلن للعالم سقوط الطبقات و القوميات الضيقة وذوبان الحدود الجغرافية المصطنعة أمام وحدة الفكرة والهدف. إنها رسالة سياسية بامتياز مفادها ان قوة هذه الأامة تكمن في تنوعها المنصهر في بوتقة واحدة.ان عيد الأضحى المبارك، في قراءته العميقة المتجاوزة للقشور، ليس مجرد بهجة عابرة او مظاهر احتفالية شكلية، بل هو محطة استراتيجية سنوية متجددة لإعادة هيكلة المجتمع وتصحيح مساراته السياسية والاجتماعية. انه نداء صارخ للعودة إلى قيم العدالة، والحرية، والتكافل، والوحدة — تلك القيم التي بدونها لا يمكن لاي مجتمع أن ينهض، ولا لاي كيان سياسي أن يستمر ويقود.